السبت , 29 أبريل 2017
اخر الأخبار

مقالات و اراء


الفيس بوك
 
19 مارس 2017 7:25 م
-
تصريح الجنرال الأمريكي "ديفيد بيركنز" حول الــ"درون" والــ "باتريوت".. زلّة لسان أمريكية بحجم قنبلة..

تصريح الجنرال الأمريكي "ديفيد بيركنز" حول الــ"درون" والــ "باتريوت".. زلّة لسان أمريكية بحجم قنبلة..

محمد الامين يكتب :

تصريح الجنرال الأمريكي "ديفيد بيركنز" حول الــ"درون" والــ "باتريوت".. زلّة لسان أمريكية بحجم قنبلة..


لا أعتقد أن تصريحا كالتصريح الغريب الذي أدلى به الجنرال "ديفيد بيركنز"، قائد قيادة التدريبات العسكرية في الجيش الأمريكي بشأن قيام أحدى "الدول الحليفة"، المعلومة للجميع بالطبع، بإطلاق صاروخ باتريوت ثمنه 3.4 مليون دولار لاعتراض طائرة بدون طيار لا تتعدى قيمتها 200 دولار، يمكنه أن يمّر مرور الكرام على آذان المتابعين وعقولهم.. ولا أميل شخصيا إلى تصنيف ما تلفّظ به "بيركنز" ضمن خانة التصريحات، بقدر ما أعتبره زلّة لسان صادمة قد يكون لها مفعول القنبلة في كواليس السياسة..

صحيح أن ما جاء على لسان العسكري الأمريكي من كلام ساخر يكشف حقيقة رأي بني جلدته وإدارة بلده بالعرب وهذا أمرٌ نعلمه وندركه، لكنه يضيف إلينا أمورا مريرة حول حقيقة الصراعات التي تدور بالمنطقة وهوية من يصنعها.. وحول المصالح المتشابكة والمخططات المشبوهة لإشعال الأزمات وتأجيجها عبر أرجاء المنطقة بهدف استنزاف مقدرات دول راكمت سيولة مالية نفطية "غير مسموح بها"، حتى وإن كان معظمها مرتهنا بالمصارف والموازنات الغربية..

وقد كان امتصاص فوائض مدخرات النفط والغاز الخليجية والعربية هاجسا للأمريكيين وحلفائهم، مثلما كان مخرجا من أزماتهم الاقتصادية والنكبات الشديدة التي هزّت أنظمتهم المالية والمصرفية في مناسبات عديدة.. لذلك تلازمَ إبرام عقود التسليح الضخمة بين القوى الغربية والبلدان العربية دائما مع النفخ في المهددات الإقليمية والداخلية في الدول الثرية وعلى حدودها.. فتجد تضخيما للخطر الإيراني.. وتشجيعا للنعرات الطائفية.. وتفجيرا لنزاعات وصناعة بؤر توتر متعددة لا تكاد نيرانها تخمد حتى تستعر من جديد.. أتحدث عن اليمن، وليبيا، وسورية، ولبنان، والسودان..

فصناعة الخطر والتهديد الأمني والعسكري مبدأ ثابت منذ القدم ضمن أساليب الغرب كي يؤثر على استراتيجيات الدفاع والأمن بدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالخصوص.. وإذا كان النزاع السعودي -الإيراني حول اليمن، ومن قبله حروب الخليج المتتالية حفرة ابتلعت مليارات الدولارات النفطية والغازية.. وإذا كانت الحروب التي تلت مايسمى بالربيع العربي مقبرة للسلاح ومحرقة للمال الخليجي في كل سورية وليبيا واليمن بالأساس، فإن المغرب العربي لم يسلم بدوره من مخططات "شفط المدخرات".. والحديث هنا عن سباق التسلح المجنون الدائر بين الجزائر والمغرب..وكذلك عن التنافس الذي يحاكي الحرب الباردة بين البلدين في إقليم الساحل والصحراء والقارة الأفريقية بشكل عام.. وقد أتى التفتين الغربي أكله في شكل أزمة طاحنة يشهدها ميزان النفقات وتضخم شديد يشهدهما الاقتصاد الرّيعي في الجزائر، مما زجّ بمدخرات هذا البلد الثري في دائرة خطر الاضمحلال، وجرّهُ إلى السقوط في شراك صندوق النقد الدولي والمؤسسات الإقراضية التي كانت دائما تترصّد الجزائر، وأوقعتها أخيرا مستغلّة انهيار أسعار الطاقة، واضطرابات اجتماعية متتالية اندلعت نتيجة تفاوت التنمية وعبث الأصابع الخارجية في مناطق كثيرة من بلدٍ شاسع المساحة كالجزائر ..

إن زلّة اللسان الأمريكية مهما قلّلنا من شأنها تكشف واقعا مريرا لا فرصة لتغييره للأسف.. حيث أصبح بالإمكان اليوم زعزعة أمن دولة واستنفار سلاحها الجوي ومنصات صواريخها الإستراتيجية بواسطة طائرة دون طيار بدائية أو بالأحرى لعبة أطفال لا يتعدى سعرها بضعة دولارات!! وهذا عنوان رئيسي للانكشاف الأمني والعسكري لدول يعتبرها كثيرون قوى رئيسية في المنطقة..

لكن هل ستكون للتصريح/الزّلّة تداعيات على القرارات أو التحالفات أو السياسات الدفاعية والأمنية في الدول الغنية المرتعبة على عروش زعمائها وشيوخها وجنرالاتها؟ هل ستؤثر على وعي الشعوب؟ وما الذي سيؤدي إليه ذلك على المدى المتوسط والبعيد؟

لا إجابات واضحة أو مقنعة لسوء الحظ.

فنحن إزاء حالات فشل مزمن وتبعيّة مخططّ لها بعناية منذ عقود طويلة استخدم صانعوها أدوات من داخل بلداننا وأخرى من خارجها..

نحن في واقع متخبّط ترهّل فيه مفهوم السيادة..

نحن باختصار أمام حتمية تاريخية تتحداّنا وتزحف نحو بلداننا مكشوفة الوجه..

لم تستوعب الدولة الوطنية صدمة العولمة، فضحّت بمقدّراتنا وقدّمت أبناء شعوبنا قرابين كي تستمر وتعيش، لكنها اليوم في نهاية الطريق، وما يجري سيدفعها إلى خيارات انتحارية مجنونة..

الدولة الوطنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عاندت شعوبها وسلبت منهم حقّ المشاركة في قرارات وجودية تهم مستقبلهم وحياتهم.. انفردت بكل يهمّ مصائر شعوبها وجرّتْهُم جرّا نحو الهاوية دون مصلحة حقيقية أو مخاطر جديّة تبرّر قمعها وصلفها..

الدولة الوطنية الشرق أوسطية وشمال أفريقيا، التي صنعت شعوبا منقادة مدجّنة، على وشك الهلاك انتحارا بما استوردته من مزيلات الروائح العفنة المنبعثة من جيفة طبقتها السياسية ونُخبها العميلة المتحلّلة، وبمستحضرات إزالة التجاعيد التي تجتهد عبثا في تجميل وتنشيط مؤسسات متهرّمة تحاول عبثا وقف زحف الشيخوخة على خلاياها.. وللحديث بقية..



التعليقات