الأربعاء , 26 أبريل 2017
اخر الأخبار

مقالات و اراء


الفيس بوك
 
17 مارس 2017 11:02 ص
-
الاتفاق بين المتصارعين في العاصمة: لمصلحة مَنْ بالتحديد؟ ... بقلم / محمد الامين

الاتفاق بين المتصارعين في العاصمة: لمصلحة مَنْ بالتحديد؟ ... بقلم / محمد الامين

محمد الامين يكتب :

الاتفاق بين المتصارعين في العاصمة: لمصلحة مَنْ بالتحديد؟
اتفاق العصابات أسوأ بكثير من احترابها..


ظهرت رؤوس العصابات "الشرعية" و"غير الشرعية" المحتربة ليبشّروا الليبيين في العاصمة بأنهم قد اتفقوا أخيرا على شيء ما يُوقِف إطلاق النار، .. وعلى الليبيين بالطبع أن يبتهجوا ويتنفّسوا الصعداء لهدوء النيران.. لكن هل عليهم بالفعل أن يفرحوا لهذا الأمر؟ وهل ما اتفق عليه أمراء الحرب ومجلس الوصاية يصبّ بالضرورة في مصلحة المدنيين؟ وهل كُتِبَ على الليبي الأعزل أن يُهمّش في قرار الحرب والسّلم، فلا هو شريك في شنّ الحرب، ولا ناقة له فيها ولا جمل، ولا هو طرف في قرار السلم فتُراعى مصالحه ويُوضَعَ في حسابات المعنيّين؟!!

لقد شنّ المحتربون معاركهم وخاضوها وسط المدينة وفي شوارعها، وطالت قذائفُهم جدران بيوت الآمنين وأجسادهم، واقتسموا حصص النفوذ والمغانم وتراءى لهم أن يتفاوضوا ويتفقوا.. فما الذي سيحقّقه اتفاق هؤلاء للمواطن الليبي البسيط؟ وما الذي سيكسبه إذا افترضنا –على سبيل الافتراض لا أكثر- أن لهذا المواطن حقّ أصيلٌ في وطنه.. وأنه معنيٌّ بمستقبله.. وبمشاكله، وكذلك بحلول هذه المشاكل؟

لا أعلم حقيقة إن كان على المواطن الليبي أن يرتاح لمثل هذه الاتفاقيات والتفاهمات، خصوصا وهو يعلم أن اتفاقيات أوسع وأكثر رسمية وإلزامية من الاتفاق الميليشيوي قد فشلت في حمايته وتأمين حياته.. ما الذي جناه الليبيون من اتفاق الصخيرات مثلا؟ وما الذي كسبوه غير الأزمات والجوع والضنك؟

إن حال المواطن الليبي في سلم المليشيات وحربها سواء.. وهو يدرك بحكم تجربته المريرة على مدى أعوام أن لا خير يُرجَى منها ومن أهلها.. فقد علّمته السنوات السبع العجاف أن ما يجري على أرضه حربٌ قذرة تختلف عن كافة الحروب التي شهدتها ليبيا عبر التاريخ. فلا هي غزو أجنبي متكامل الأركان كي يتحمّل المحتلّ مسئوليته إزاء تأمين المدنيين وحمايتهم، ويتحرك المواطن تلبية لنداء الواجب كي يقاوم ويتصدى للغازي.. ولا هي حرب أهلية خالصة تنتهي بنفس خواتيم الحروب الأهلية المتعارف عليها وبنفس تسوياتها وأنماط معالجة خسائرها ونتائجها على الأهالي والمدنيين.. ولا هي أي شيء على الإطلاق!! إنها حرب ملوثة بالعمالة والطمع والعزل والإقصاء والانتقام.. حرب لا أخلاقية مدبّرة لا معايير فيها ولا قيم..

حروب المليشيات انتهت بتخريب دولة ثرية كان يفترض بها أن تعوّض المدنيين وتؤهّل بيوتهم وبُنياتهم التحتية ومؤسساتهم.. فإذا بها في عامها الأول تعزل نصف الليبيين وتهجرهم وتعتقلهم وتحرمهم من كافة حقوقهم، بل حتى من ممتلكاتهم الخاصة.. ثم تقوم بتوزيع أموال الشعب ومقدرات الدولة على أساس الغلبة، وتسحق الآخرين..
ويا ليت حكومات فبراير قد تصرفت بحكمة وحفظت حقوق من نجوا من العزل والفصل والتهجير والنزوح، بل شنّت حملة "غربلة" اجتماعية وسياسية وأيديولوجية داخلها وصنّفت وميّزت وفرزتْ ليؤول الأمر إلى واقع أشدّ بؤسا وبشاعة يقوم على التفوق الميليشيوي وغلبة السلاح على المدنيين الذين يُفترض أنهم من أنصار فبراير.. هؤلاء هُجروا ورُوّعوا وجُوّعوا على مراحل وجولات متقاربة في الزمن، كي يثبت نهائيا أننا إزاء ظاهرة شاذّة في علم التاريخ، وعلم السياسة.. ظاهرة إجرامية محض لا علاقة لها بالسياسة ولا بالثورات ولا بالبناء ولا بالآدمية إطلاقاً..

لقد تركت ثورة فبراير الموباركة الشعب تحت رحمة القطعان المسلحة العمياء.. تقتتل متى شاءت وتتفاوض متى أرادت، وتتفق فيما بينها على المغانم ضاربة عرض الحائط بمصالح الشعب الذي يُفترض أنه المستفيد الأول من التفاهمات وحقن الدماء، والمتضرر الأول من الحرب والنزاع.. في حالتنا اليوم، لم يعد الشعب يعلم أيهما أفضل لحاضره ومستقبله ودينه ودنياه؟؟ هل هي الحرب أم السّلم؟ السؤال محيّر لأن الناس لا يلمسون فرقا كبيرا بين الوضعيّتين، طالما أنهم متضرّرون في كِلْتيهِمَا..

وعلى ذكر الأضرار والتعويض والجبر.. وفي ظل كثرة المتضررين من الحالة الليبية المزمنة.. هل يمكن الحديث عن تعويض الليبيين عمّا أصابهم في حرب لا دخل لهم فيها؟ ومن أوْلَى بالتعويض من غيره؟ وبمن يُفترض بالدولة فيما لو قامت أن تبدأ؟ هل تبدأ بمن تضرروا من الناتو ومن تحالفوا معه أثناء الحرب الأولى؟ أم بالذين تم تهجيرهم تحت التهديد بالانتقام والتصفية إبّان سقوط الدولة؟ أم بالذين شردتهم الميليشيات وأحرقت قراهم وبلداتهم وهجّرتهم من 2013 و2014؟ أم بضحايا اليوم في فزان وبنغازي ومنطقة الهلال النفطي وسرت والزاوية وجنزور وحي الأندلس وغرغور وأبو سليم وغيرها؟

وهل تستطيع الدولة أن تؤمّن التعويض المناسب ورد الاعتبار لكل هؤلاء في وجود ميليشيات جاثمة على القرار والموارد؟
لا يمكن لأشدّ المتفائلين أن يحلم بذلك، ولو حتى بنزْرٍ قليل منه..

إن من بالخارج من عقلاء ليبيا وحكمائها يدركون أن أقصى ما يمكن الاعتراف به للمظلومين هو حقّ العودة، كأي شعب مهجّر.. أما مَن ُهم بالداخل، فحسبُهم من عدالة ((دولة الثورة)) أن ينجُوا من الموت المخيم على سماء بلدهم .. وللحديث بقية.



التعليقات