السبت , 25 مارس 2017
اخر الأخبار

مقالات و اراء


16 مارس 2017 2:07 م
-
ما العمل إزاء عربدة الميليشيات المتناحرة في العاصمة؟ ... بقلم / محمد الامين

ما العمل إزاء عربدة الميليشيات المتناحرة في العاصمة؟ ... بقلم / محمد الامين

محمد الامين يكتب :

ما العمل إزاء عربدة الميليشيات المتناحرة في العاصمة؟ حين يشترك السّاسة والمجرمون في سفك الدماء..


ما نراه اليوم من عربدة وأقتتال في العاصمة المنكوبة، وترويع لم يستثنِ أحداً من سكان طرابلس يثبتُ لنا بشكل نهائي وغير قابل للمناقشة أن تخريب المدينة وإذلال أهلها عمل ممنهجٌ ومتعمّدٌ، لا يتحمّل مسئوليته من يحملون السلاح من يافعين ومراهقين ومسطولين، بقدر ما يعود إلى كارتيلات السياسة ومجمّعات المصالح التي لا تتوقف نزاعاتها ومعاركها على السلطة والنفوذ والمال..

ولسائل أن يسأل للمرة الألف.. ما دخل الليبيين الأبرياء في ما يجري؟ بل ما ذنبهم فيه؟ وأي جريرة ارتكبوا حتى يعيشوا هذا الكابوس المتجدد؟ ما الذي اقترفه المدنيون المضطهدون المسحوقون تحت "شباشب" الميليشيات المارقة المتوحشة حتى تتساقط أسقف بيوتهم فوق رؤوسهم؟

لا مناص اليوم من الحديث بوضوح ما دامت الحَرْبَة قد لامست "اللحم الحيّ".. وما دام المواطن البريء الأعزل يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الموت.. فقد صمت عن التجويع.. وعن الترويع.. وعن التفقير والعوز المقصود.. لكنه اليوم مهدد في حياته وعقر داره.. فالموت يداهم بيته والقذائف المجنونة تحطم جدرانه حتى وإن لم يخرج إلى محلّ البقالة أو إلى المخبز أو إلى محطة الوقود..

لا مناص من حلول يصنعها المواطن البسيط في أحيائه وشوارع مدينته وأزقتها كي يصدّ هذا الموت الزاحف.. ويعترض كرة اللهب المتدحرجة المندفعة لا تميز بين شيخ أو امرأة أو طفل أو سقيم أو قعيد.. لا تفرق بين من يستطيع الذّود عن بيته ومن لا يستطيع..

لقد صبر الليبيون كثيرا، وتبين لهم اليوم بعد مضي كل هذه الأعوام أن الموضوع لا يتعلق بحرب عابرة أو معركة مفاجئة أو اشتباك محدود.. فقد استوطنت الفوضى وسيطر السلاح.. وأصبح الموت والاحتراب خبزا يوميا، ونمط حياة يُرادُ له أن يستمر ويخيم على حياة أبناء طرابلس ومدن ليبيا الأخرى إلى ما لانهاية.. حرب وقتال وصراع حتى آخر ليبي مسالم أعزل.. أما المسلحون والميليشيويون ومَن وراءَهُم، فلا شيء يقلقهم أو يزعجهم ما داموا متحصنين يتمرغون في النعم والجاه والسلطان، ولا يهم إن كان ذلك من قوت الشعب المنكوب أو فوق جماجم أبنائه..

إن المجموعات المليشيوية المُتصارعة تحت مسميات لا تُحصى في طرابلس ليست يتيمة أو مبتورة، بل تتبع سياسيين و"رموزاً" وهي معروفة الاسم والعنوان.. والليبيون في العاصمة وخارجها على علم كامل بقيادتها ومصادر تمويلها بالمال والسلاح .. هذه هي الحقيقة.. هؤلاء ليسوا عصابات عادية أو ظاهرة إجرامية "موسمية" مؤقتة.. هؤلاء ليسوا قطاع طرق عاديين، بل يعتقدون أنهم على حق.. ويسكنهم يقين مزيف بأنهم أصحاب شرعية.. وذلك لأن لهم قيادات سياسية معروفة تدافع عن مصالحهم وترعاهم، وتجوب العالم باسم الدولة اللّيبية وتمول مليشياتها من الخزانة العامة.. هؤلاء لهم منابرهم الإعلامية، وقنواتهم المرئية، ويشغلون الأماكن العامة في العاصمة ومدن أخرى..

إن كافة أطراف المشهد الدامي قد تحالفوا على ما يبدو لإفناء وإبادة أهل العاصمة.. الحكومتان، مجلس نواب طرابلس المستحدث، فضائيات الإعلام الإجرامي ، قلعة المفتي، مكتب محافظ مصرف ليبيا المركزي ، حصن بالحاج في امعيتيقه ....! كل هذه المسمّيات ليست سوى أوكار إجرام وتآمر على الليبيين، بالسلاح أو بالدعاية أو بالتجاهل أو بالتمويل أو بالإفتاء والتحريض..

لذلك، لا يمكن بأي حال أن ينتظر الليبيون الموت حتى يداهم بيوتهم.. وأن يقفلوا عليهم غرفهم ويكتفون بمجرد متابعة النشرات الإخبارية وملاحم وبطولات هؤلاء وحفلات القتل، حتى تصل القذائف إلى أحيائهم، ويمزق الرصاص أجسادهم..

إن الميليشيات المتناحرة في طرابلس ثيران مجنونة لن تهتم بمتظاهرين أو بمحتجين أو برافضين، ولا تفقه منطقا غير الدّهس بالدبابات والقصف بالراجمات.. والليبيون يعلمون ولا شك أن من يجلسون على كراسي الدبابات وسيارات الدوشكا والرشاشات الثقيلة يافعون لا يكاد معظمهم يتخطون سنّ العشرين، لا يفهمون شيئا غير قتل من يعارضهم.. والدور آتٍ غداً على من سينجو اليوم..

على الليبيين أن ينتفضوا ضد رؤوس الفتنة في طرابلس وحينها سيتوقف القتال.. عليهم أن يشكلوا لجانا شعبية لحماية أنفسهم وبيوتهم وأعراضهم وأموالهم من العبث الممنهج..

وينبغي عليهم ألاّ يعوّلوا على المجلس الرئاسي أو مجلس النواب أو أي من الحكومات الوهمية الموجودة بالمشهد، فذلك غباء ووهم وانفصال عن حقيقة الواقع..ولا نحتاج أدلة لإثبات تورط كل القوى السياسية بالنزاع في ترويع الليبيين والعبث بأمنهم وبسلامتهم..

إنّ التعويل اليوم يجب أن يكون على القوى الاجتماعية وحكماء وعقلاء ليبيا، رغم غيابها الغريب كصوت عاقل ومؤثر، والذي سمح بظهور أشخاص حمقى ومجانين يحاولون الزجّ بالعُزّل في مواجهات فردية ومحدودة لن تكون في الحقيقة غير عمليات انتحارية لا جدوى منها ولا طائل.. وإذا كان علينا تحريض المدنيين العُزّل على شيء، فلن يكون بالتأكيد مواجهة المجرمين حاملي السلاح، بل حثّهم على الخروج من السّلبيّة المقيتة نحو حراك سلمي حقيقي، وإلى التظاهر والاعتصام بأعداد غفيرة ولافتة للتعبير عن رفضهم لما يجري، وعزمهم على شطب بؤر الفساد السياسي من المدينة..

وعلى نخبة الليبيين، وخصوصا الأطراف الاجتماعية، والشخصيات الوطنية ذات التأثير أن تمارس دورها المنطقي والضروري في مؤازرة الحراك الشعبي، وإلا فإنها ستواجه أزمة جدوى ومصداقية..وسوف تتلطّخ بعار جديد يُضاف إلى سجلّها البائس بتركها الليبيين لمصيرهم، والتخلي مرة أخرى عن الأبرياء والعُزّل.. وإذا كانت تتعلّل بالحياد وتدّعي الوقوف على نفس المسافة من الأطراف، فإن العدالة والحكمة والمروءة تقتضي أن يكون الحياد/منحازا إلى الضعفاء وإلى الأبرياء وليس مساواة المجرمين بالضحايا، والجلادين بالمضطهدين وبالمروّعِين..

إن الحياد اتجاه الأطراف المُتصارعة يجب أن يكون مبنيّاً على الدين والأخلاق والوطنية، فلا يمكن أن نُلازم مقعد المتفرج على الليبيين وهم يموتون دون تمييز، وعلى أموالنا تُهدر في هذه الحروب، وعلى دولتنا تتأخر، وعلى الشرخ الاجتماعي يتّسع.

إن الأطراف المُتصارعة معروفة لدينا جميعا، ويجب إيقافها عند حدّها كي تتوقف هذه المأساة ، فحروبها العبثية تقرع أبواب جديدة وشراهتها للمال والنفوذ تزداد كل يوم، ولا يلجم طمع أمرائها وجشعهم شيء ممّا نراه من معاناة المدنيين أو خراب الوطن.

يقول المهاتما غاندي: ((قليلون من هم حول الوطن كثيرون حول السلطة. الدنيا جيفة تتكالب حولها الكلاب. وأغلب البشر لا يتعضون من التاريخ، وهم من يجعلون التاريخ يعيد نفسه)).

وللحديث بقية.



التعليقات