الأربعاء , 23 أغسطس 2017
نشرة أخبار " ايوان ليبيا " ليوم الثلاثاء 22 أغسطس 2017تداول انباء عن الإفراج عن علي زيدان بطرابلسالمؤسسة العسكرية ..متى تستفيق ؟؟ ... بقلم / المنتصر خلاصةإعادة افتتاح حقل الشرارة بعد غلقه ثلاثة ايام و خسائر 40 مليون دولار جراء الغلقروسيا تبدأ توريد 15 مروحية «كا 52» إلى مصربعثة المنتخب الليبي للتايكوندو تشارك في بطولة العالم الثالثة للناشئين بشرم الشيخالمؤقتة تشكل لجنة لمنع التلاعب أو الاستغلال في رفع أسعار أضاحي العيدالغزالي: سرت مغتصبة ومحتلة من قبل الميليشيات المسلحةاليورو يهبط فى مواجهة الدولارأسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي في السوق الموازي اليوم الثلاثاء 22 أغسطس 2017هل يستعد " داعش " للانتقال من العالم العربي للغربي ؟!!تنبأ بالنوبات القلبية قبل حدوثهاالجزائر تمنع دخول جريدة فرنسية لاراضيها بسبب " تحقيق صحفي "السياحة فى المغرب تنتعش لاقصى درجاتهالندن تلغي حظر حمل الأجهزة الإلكترونية على متن الرحلات الجوية القادمة من تونساحباط عمليات تخريبية لقطع التيار الكهربائي عن بعض مناطق بنغازيتوقعات بطقس مستقرًا على أغلب مناطق ليبيا مع رطوبة عالية على المناطق الساحليةشركة الكهرباء : العجز المتوقع يقدر بـ 1600 ميجاواتالجيش المصري يدمر 9 سيارات دفع رباعي محملة بكميات من الأسلحة والذخائر على الحدود المصرية الليبيةكاتب ليبي يعلن عن مبادرة لانقاذ ليبيا من الفوضي
تونس تنتظر ولادة ديمقراطية جديدة على أراضيها

تونس تنتظر ولادة ديمقراطية جديدة على أراضيها

مركز الدراسات الاستراتيجية و الدبلوماسية:

دخلت تونس الزمن الديمقراطي “على حين غفلة من أهلها”، وهي تتقدّم على طريق الديمقراطية بما يشبه “طاقة دفع ذاتي” تولّدت بدورها عن زخم سياسي نوعي خلقته الثورة التونسية التي افتتحت تاريخا عربيا جديدا( لا يزال يتفاعل بشدّة وعمق)، ولكنّ استقرارها في هذا الزمن الجديد لن يكون يسيرا بالنظر إلى عدم وضوح الهويات الحزبية اللازمة لاشتغال الديمقراطية. ومن اليسير الانتباه إلى أن ما وعد به الدستور التونسي الجديد من ديمقراطية محلية تشاركيّة مباشرة يحتاج أحزابا قادرة على تأمين العملية الانتخابية الواسعة وهو ما لا يتوفّر لتونس اليوم بالنظر للتحوّلات الكبيرة والسريعة التي تعصف بالمشهد الحزبي التونسي. مشهد “تصنعه” الديمقراطية الناشئة بكلّ تناقضاتها المعلنة والخفية.

مقدّمة:

تستعدّ تونس خلال الأشهر القادمة(نهاية السنة الحالية أو خلال شهر مارس من السنة القادمة)  لخوض غمار انتخابات نوعية من حيث الحجم والرهان، ومن حيث تداعياتها الممكنة على شكل الديمقراطية التونسية ومستقبلها. انتخابات محلية وجهوية(متزامنتان أو منفصلتان) لاختيار قرابة 7200 مستشار بلدي في 350 بلدية تغطي كامل تراب البلاد لأوّل مرة في تاريخها الحديث. ستكون هذه الانتخابات محطّة سياسية مصيرية تختبر فيها البلاد واقعية خيار الديمقراطية المحلية التشاركية المباشرة، وتختبر جاهزية الدولة بأحزابها ومنظماتها ومؤسساتها للتفاعل مع استحقاق انتخابي “ضخم” سيغيّر شكل الدولة وهوية الأحزاب وقواعد السياسة.
كيف بلغت تونس هذه المحطة المتقدّمة على طريق الديمقراطية رغم حالة انفضاض الرأي العام عن السياسة ورغم حالة الضبابية التي تحيط بالمشهد السياسي العامّ؟ وكيف تبدو فرص تثبيت وتفعيل “المنجز” الديمقراطي التونسي في ظل مشهد حزبي يمرّ بتحوّلات عميقة؟   
ديمقراطية “الدفع الذاتي”:
توصّل البرلمان التونسي نهاية شهر جانفي الماضي فيما يشبه “المفاجأة” إلى إقرار قانون الانتخابات المحلية والجهوية. انتخابات تمّ تأجيلها مرتين متتاليتين ( كانت مبرمجة ليوم 30 أكتوبر 2016 ثم ليوم 26 مارس 2017) وبعد أن فشلت القوى السياسية على امتداد أشهر طويلة في الاتفاق حول مشاركة الأمنيين والعسكريين في العملية الانتخابية وحول نسبة الأصوات المطلوبة للحصول على مقاعد في المجالس البلدية والجهوية ( العتبة)، وفي ظلّ مناخ من التحلّل السياسي الحزبي والانفضاض الشعبي عن موضوع السياسة وعن مشاغل السياسيين، بما يعطي الانطباع بأن الديمقراطية التونسية الوليدة تعاني ما يشبه حالة يتم مبكّر. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن مقوّمات اشتغال ديمقراطية وليدة في بيئة محلية منقسمة أو لامبالية، وإقليمية رافضة أو منزعجة، ودولية بين حذرة ومحاربة. والمتابع لمسار الانتقال السياسي التونسي بعد ثورة جانفي 2011 لن يفوته أن يلاحظ أن ما يشبه قانونا تاريخيا هو بصدد التبلور في السياق التونسي “الصغير”، هو ما يمكن أن نسميه ب”الاشتغال الذاتي للديمقراطية” المتولّد بدوره عمّا خلقته الثورة من طاقة “دفع ذاتي” عاطفي وجداني طفولي أحيانا وسياسي انفعالي(محكوم بردّ الفعل الآني) ولكنه متوفّر على الحدّ الأدنى من الجدوى العملية. هذه الطاقة هي التي مكّنت التونسيين من إنجاز انتخابات تأسيسية سنة 2011 في ظل حالة احتفاء وانتشاء شعبي بالحرية الجديدة وذهول قوى الثورة المضادة محليا وإقليميا ودوليا أمام غموض اللحظة وعدم تشكّل مكوّناتها وضبابية اتجاهاتها. طاقة الدفع تلك ( إلى جانب عوامل أخرى كثيرة منها الخبرة الديمقراطية المتراكمة على بساطتها للمعارضة الوطنية ورسوخ نسبي لفكرة الدولة في غياب فكرة الطائفة والمذهب والقبيلة،والحضور الفاعل لتنظيمات اجتماعية استطاعت تأطير ومرافقة الحراك الثوري ثم التأسيسي ثم السياسي وعلى رأسها اتحاد الشغل رغم كل التجاذب داخله وحوله) هي التي استمرّت في الاشتغال رغم انفجار الظاهرة الإرهابية في وجه المسار التأسيسي الذي توّج يوم 27 جانفي 2014 بدستور نوعي حفظ العملية السياسية برمّتها ووفّر قاعدة اجتماع سياسي مدني ديمقراطي حديث وفرض على الجميع الحركة تحت سقف القانون والسياسة المدنية رغم هشاشة هذا السقف ( رغم ما يجري اليوم من حديث عن تعقّد النظام السياسي وضرورة مراجعته في اتجاه رئاسي يسهّل أداء المؤسسة التنفيذية، وهو حديث ينمّ عن حيوية سياسية بقطع النظر عن خلفياته).

لقد نجح التونسيون خلال ست سنوات في تنظيم انتخابات تأسيسية ثم رئاسية وتشريعية وفي تشكيل هيئات دستورية متكاملة تشمل كل استحقاقات الترجمة السياسية للثورة: هيئة الحقيقة والكرامة، هيئة عليا مستقلة للانتخابات، مجلس أعلى للقضاء ( رغم تعثّر انطلاقته)، هيئة الاتصال السمعي البصري، هيئة الوقاية من التعذيب، هيئة عليا لمقاومة الفساد.

ربما كان التعاطي الإعلامي والشعبي مع هذه المنجزات باهتا ولامباليا أحيانا، ولكن المراقبين يدركون أن بناء هذه العمارة السياسية المؤسساتية المدنية الديمقراطية في سياق انتقالي هشّ ترنّح مرارا على شفا الفوضى وربما الحرب الأهلية لم يكن أمرا يسيرا بالمرةّ، بل لعلّه إنجاز يقارب المعجزة خاصّة إن قيّض له التواصل والدعم المنتظر من انتخابات محلية وجهوية سترسّخ الديمقراطية في إدارة الشأن اليومي للمواطن وبالتالي ستحوّلها إلى شأن معيشي عملي يتجاوز التنظير المجرّد. لذلك ستكون الانتخابات القادمة مختبرا حقيقيا للطبقة السياسية التونسية بأحزابها وناشطيها ومناسبة لامتحان أداء المؤسسات السياسية الجديدة ولاستشراف اتجاهات الديمقراطية التونسية في سياق حزبي داخلي “باهت” وفي سياق دولي يسير في اتجاه مضادّ للديمقراطية ويوقظ باندفاع أحمق شياطين العنصرية والشوفينية والحروب الدينية بما يفتح أبوابا لا تحصى أمام أشكال جديدة من الاستعمار والتدخّل العسكري في شؤون الدول الضعيفة وعسكرة السياسة الدولية عموما.وربما بمقتضى هذا “الدفع الذاتي” أيضا اضطرّت الأحزاب والقوى السياسية إلى القبول بإجراء الانتخابات المحلية بعد طول ممانعة ومماطلة وتأجيل بعد أن اشترك الجميع في تأجيل موعد الانتخابات لأنهم يشتركون في إدراك تداعياتها على مستقبلهم السياسي وعلى التجربة الديمقراطية التونسية برمتها.

“فرن” الديمقراطية و”معادن” السياسيين:

الإنتخابات القادمة خلال أشهر ستفرض على كلّ الأحزاب الدخول إلى “فرن” الديمقراطية حيث سيقع اختبار حقيقة معدنها الديمقراطي بعد أن تصهر حرارة حقائق الواقع المعيشي اليومي شعاراتها العالية. ستحترق “زوائد” كثيرة ستتخذها الديمقراطية “حطبا” لتواصل اشتغالها، وستنضج أجسام أخرى إن ناسبتها حرارة الفرن فتستوي على هيئة أكثر إغراء للناخبين وأكثر قابلية للعيش، وستتخلّق من إحدى الزوايا البعيدة أجسام أخرى هي حصيلة تفاعلات غير مرئية ربما تفاجئ الناظرين.

سنعمد إلى اختبار ملامح القوى السياسية التي ستؤمّن إنجاز الحلقة القادمة من الديمقراطية التونسية بهدف استشراف ملامح المشهد السياسي القادم الذي سيحدّد شكل الدولة ومصير الديمقراطية.

* حزب/ظاهرة نداء تونس:

“حتى هذه اللحظة لم تؤاتنا الجرأة على أن نجزم بحقيقة موته”، هكذا تحدّث “قابريال قارسيا ماركيز” في “خريف البطريق” عن حيرة الجميع أمام “جثة” الحاكم/الخرافي وعجزهم عن الجزم بحياته أو موته. هكذا هو حال المراقبين أمام حالة حزب نداء تونس. حزب انبثق من العدم ونجح في ظرف وجيز جدا في صهر مكوّنات وروافد ووفود سياسية مختلفة الأصول في كيان سياسي انتخابي شديد الفاعلية بما جعله يهيمن، وسط ذهول الكثيرين وعدم تصديق البعض، على المشهد السياسي برمّته فيفوز بالانتخابات الرئاسية ثم التشريعية قبل أن يدخل متاهة انقسامات داخلية لانهائية وينتهي إلى وضع “عجائبي” تقريبا. ربما اطمأن الكثيرون إلى تصنيف نداء تونس في سياق الثورة المضادّة، ولكننا نجازف بالقول انه مثّل ظاهرة سياسية “متفرّدة” تعبّر بصورة مثلى عمّا يمكن تسميته ب “الاشتغال الموضوعي للديمقراطية”. فقد نجح هذا الحزب/الظاهرة في عملية “إدماج ديمقراطي” عسير للقديم بما هو نقيض جذري للجديد الثوري، إذ زجّ بقطاعات كبيرة من مختلف الفئات الاجتماعية وبجزء هامّ من مراكز النفوذ القديمة وبأطراف دولية مؤثرة داخل ساحة الفعل السياسي السلمي على قاعدة استحقاقات الثورة رغم كل ما يمكن قوله حول حقيقة “النوايا” والأجندات والمخططات ممّا يمكن أن يحتمل الصحة والخطأ ولا يمسّ من موضوعية المعطى الذي نقرّره.

إن الدور التاريخي الذي لعبه نداء تونس في إرباك العملية الانتقالية حين ظهوره لا يمكن أن يحجب دوره في المصالحة السياسية الكبرى بين مشروعين سياسيّين نقيضين: مشروع مدني تحديثي فشل في مصالحة الدولة مع الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، ومشروع “إسلام سياسي” ظلّ هلاميا وغامضا و”حلميّا” عند أصحابه ومخيفا لخصومه في الداخل والخارج، ولكنه مثّل عنوانا لمرحلة تاريخية ما زالت تعتمل وتتفاعل. تلك المصالحة “الحذرة” أو الوقتية أو الاضطرارية جنّبت البلاد حربا أهلية توافرت كل شروطها وكانت على وشك الاندلاع لولا الالتقاء الشجاع بين قيادتي التيارين رغما عن الرفض القاعدي من الطرفين شبه المطلق لهذا الالتقاء. فهذا الدور “الوظيفي” الذي لعبه نداء تونس دفع ثمنه الحزب “نقدا” حيث انقسمت قياداته حول هذه الخطوة الجريئة، قبل أن يستفحل الانقسام بذهاب زعيمه المؤسس إلى رئاسة الدولة وما خلّفه ذهابه من فراغ قيادي كبير عجزت الأسماء المتبقية في الحزب على كثرتها عن ملئه. ولكن حدة الانقسامات ونشأة كيانات حزبية من داخل الحزب (حركة مشروع تونس) حاملة لنفس شعاراته التأسيسية ثم حالة الشلل المؤسساتي التي انتهى إليها الحزب لا تعني بالضرورة موته ونهايته. بل أننا نكاد نجزم بأن الحزب ما زال يحافظ على الجزء الأكبر من طاقته الانتخابية في الجهات، حيث حافظت تنسيقياته الجهوية على وحدتها ووفائها للحزب كهويّة “معنوية” بقطع النظر عن أسماء قيادييه الحاليين. وما  تهيّب البعض من قياديّيه المنشقين وتردّدهم في الالتحاق بمبادرات سياسية منافسة إلا لاعتقادهم الراسخ في قدرة الحزب على العودة وعدم اطمئنانهم لجدية المبادرات السياسية البديلة وقدرتها على الاستمرار والصمود أمام الرصيد “الكامن” لحزب نداء تونس في شكله القديم.

نضيف أن انتقال مؤسس الحزب لرئاسة الدولة لم يمنعه أبدا من مواصلة إدارته لأزمة الحزب ونجاحه في المحافظة على حياته ( رغم كل ما يمكن أن يسجّل على هذا السلوك من مؤاخذات دستورية وجيهة ولكنها لا “تنقض” الديمقراطية). ثم إن الأداء الرئاسي للباجي قائد السبسي نفسه قد يتحوّل قريبا إلى رصيد سياسي قابل للتوظيف الانتخابي من قبل الحزب بالنظر إلى الاستقرار النسبي في المجال السياسي والاجتماعي والأمني مقارنة بالسنوات السابقة، بقطع النظر عن حقيقة أسباب هذا الاستقرار ونسبيته.
سيكون على ناشطي هذا الحزب وقياداته إثبات جدارته بالوجود وتثمين دوره الهام في استدراج القديم وإدماجه في الديمقراطية الجديدة بديلا عن الفوضى والاحتراب الذين دمّرا الثورات العربية الأخرى، أو أنهم سيواجهون مصير “الصهيرة” التي تحترق لتمنع انهيار المنظومة كلّها، وهو مصير لا يخلو في وجه من وجوهه من الشرف رغم تراجيديّته.

* حركة النهضة:

كل التقارير الإعلامية تشير إلى أن حركة النهضة هي الحزب الوحيد الجاهز للانتخابات القادمة والقادر على التقدّم في كل الدوائر الانتخابية بمفرده دون الحاجة إلى تحالفات. ولكن هذه القدرة المفترضة لا يمكن أن تحجب حجم التحوّلات المتسارعة التي يمرّ بها الحزب. تحوّلات يمكن إجمالها في :
– انخراط حركة النهضة منذ مؤتمرها الأخير في رحلة التخفّف من عبء الصفة الايديولوجية  تجنّبا لشبهة التقاطع مع “الإسلام السياسي” العنيف الذي يصنّف “إرهابا” يبرّر كلّ أشكال التدخّل الخارجي واستباحة سيادة الدول التي يمكن أن تشكّل تهديدا للتوازنات السياسية العالمية القائمة. هذا التخفّف  الذي كان  تطوّرا حقيقيا في التعامل مع الخلفية الدينية لمشروعها السياسي سيكون له اثر فعلي في حجم حركة النهضة الانتخابي لا محالة.

– ما قامت به الحركة قد يكون تسبب لها  في بعض  الخسائر الصغيرة،ولكنها  ستدخل الانتخابات القادمة معتدّة بوحدتها بعد نجاحها في ضبط خلافاتها الداخلية التي برزت خلال مؤتمرها الأخير، وبرصيد سياسي كبير من النجاح الدبلوماسي مكّنها من الحضور الدائم في المشهد الدولي كعنصر ضامن للاستقرار والتوازن والثقة في المسار السياسي. وهي صورة يمكن أن تُتَرجم أصواتا انتخابية داخل قطاع النخب المدنية التي كانت تتعامل بحذر من النهضة قبل أن تتأكد من هويّتها السياسية المدنية المعترف بها دوليا.
– ستكون حركة النهضة مسكونة بهاجس تجنّب تصدّر المشهد السياسي والاكتفاء بدور ثان(لا ثانوي) مؤثر ولكنه يعفيها من تبعات قيادة تجربة انتقال ديمقراطي أعداؤه أكثر من أصدقائه. هذا الهاجس تحديدا هو الذي يغري منافسين جددا بالتقدّم نحو موقع أوّل كان يشغله نداء تونس قبل أن تعصف به أنواء الحكم. من هذه القوى:

* جبهة الإنقاذ:

وهي مكوّنة من حركة مشروع تونس والاتحاد الوطني الحرّ وجزء من قيادات النداء المنشقّة. وهي مبادرة سياسية تطمح إلى وراثة الرصيد السياسي والآلة الانتخابية للنداء، ولكنها تدرك صعوبة مهمتها في ظل صمود ما تبقى من النداء القديم وفي ظلّ افتقار قيادات هذه الجبهة الغامضة للثقل السياسي الضروري لقيادة مشروع يجمع حوله “تركة” النداء. يكفي أن نستحضر سيرة قيادييه الأولين ( الأمين العام لمشروع تونس ورئيس الوطني الحرّ) لندرك عجز هذه المبادرة عن إنقاذ نفسها فضلا عن أن تستطيع إنقاذ غيرها.

* الجبهة الشعبية:

هي الطرف السياسي الوحيد تقريبا الذي يحافظ على هويته “الإيديولوجية” الخالصة، ويستمرّ في رفع الشعار اليساري الراديكالي في لغته السياسية (من قبيل وقف المديونية ووقف دفع الديون الخارجية ويعد بتشغيل كل طالبي الشغل…) رغم اقتراب أحد قياداته من المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية الأخيرة والتجاء هذا الوجه القيادي الراديكالي عادة إلى لغة براغماتية مفاجئة قبل أن يتراجع تحت عنف القصف الإيديولوجي الذي تعرّض له من داخل الجبهة.

إلى جانب هذا الرصيد الإيديولوجي الثابت تقريبا جرّبت الجبهة خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة الانفتاح على “المال السياسي” السخيّ مجهول الهوية لممارسة الديمقراطية بأدوات الرأسمالية بغضّ النظر عن وطنيتها من عدمها. هذا الانفتاح الواقعي، إلى جانب الرصيد السياسي الحقيقي الذي اكتسبته بفقدان قياديين تاريخيين من قياداتها، سيجعل من الجبهة الشعبية في المدى المنظور رقما ثابتا في المشهد السياسي.

* مشاريع سياسية ليبرالية :

تتبلور حاليا على تخوم نداء تونس وتتحفّز للقفز على تركته(منها مبادرة المهدي جمعة والمنذر الزنايدي ونجيب الشابي العنيد وربما آخرون متكتمون) ولكنّها متردّدة وغير مكتملة الهيكلة وتفتقد قيادات كارزماتية جامعة ونظنّها ستنتظر انجلاء غبار معركة البلديات لتتبين طريقها نحو الانتخابات الرئاسية وربما التشريعية أيضا. ولكنّ هذا الحذر الذي ميّز أغلب هذه المشاريع لم يمنع القيادي السابق في نداء تونس الطاهر بن حسين من الإعلان عن تأسيس حزب جديد تحت اسم “حركة مستقبل تونس” (قبل أن ينتبه إلى أن الاسم محجوز من طرف حزب قانوني غير ناشط ! ويضطر إلى اختيار اسم اضطراري هو “حركة طريق المستقبل”)، وها هو زميله السابق في قيادة النداء سعيد العايدي يستعدّ لإعلان مبادرة سياسية بنفس الخلفيات ونفس الأهداف، وهو ما يؤكّد ضراوة المعركة حول الرصيد السياسي لحركة نداء تونس من قبل مؤسسيها الذين يغفلون عن حقيقة كبرى هي أن استعادة ظروف نجاح الحزب مهمّة تتجاوز قدرات أي اسم من الأسماء المؤسسة لافتقادها جميعا إلى الإشعاع القيادي الأدنى الذي توفّر لشخص الباجي قائد السبسي لحظة تكوين نداء تونس.     

* حراك تونس الإرادة(برصيد أخلاقي عال لزعيمه المرزوقي المتردّد، وبغياب هيكلي شبه كلي) والتيار الديمقراطي ( بتجربة السيدة عبّو البرلمانية الهادرة وربما برصانة أمينه العام غازي الشواشي) وبدرجة ثانية حركة الشعب( المحتفظة برصيدها الإيديولوجي الوسطي) والحزب الجمهوري (العائد من بعيد).. كل هذه الأحزاب ستدخل الانتخابات في أغلب أو كلّ البلديات منفردة حينا ومتحالفة أحيانا وهي تعي أن الانتخابات القادمة لن يكون الشعار الثوري فيها كافيا لحصاد الأصوات بعد ابتعاد الناس عن منطقة الصراخ واقترابهم أكثر من امتحان الضرورة.

* ربما كان حزب آفاق تونس من بين الأحزاب الليبرالية الجادة التي نجحت في امتحان الهيكلة ( قريبا يعقد مؤتمره الثاني) وفي اكتساب هوية سياسية مميّزة في مناخ سياسي معقّد، وقد يكون مؤهلا للتقدم انتخابيا بعد تراجع منسوب الإيديولوجيا في الخطاب السياسي العامّ، وربما كان مؤهلا لوراثة جزء من جمهور نداء تونس. ولكن نخبويته لا تتناسب مع اتساع البلديات وستظلّ حاضرة في السياسة المركزية.
* القوة السياسية الأخيرة التي ستلعب دورا هاما في معركة الحكم المحلّي هي السياسيّون المحليون المستقلون الذين ينطلقون في جهاتهم بخبرات إدارية محترمة وبكفاءات تقنية وعلمية تحتاجها البلديات المعطّلة منذ سنوات. هذه الخبرات المحلية قد يتحوّل جزء منها إلى أرقام سياسية فاعلة تغطّي مناطق الفراغ الشاسعة التي تعجز القوى السياسية التقليدية والجديدة عن الوصول إليها. وهي بذلك قد تلعب دورا هاما في ترسيخ السلوك الديمقراطي العملي وتخفّف على الأحزاب عبء السياسة الثقيل.   

 خاتمة:      

“العرض” الديمقراطي  بمناسبة الانتخابات المحلية والجهوية القادمة يتجاوز موضوعيا بكثير “طلب” وقدرات الطبقة السياسية بأحزابها ومنظماتها وجمعياتها. هذا المعطى يفسّر تأخّر الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات في الإعلان عن تاريخ نهائي ثابت للانتخابات البلدية رغم تأكيدها المتكرر لجاهزيتها الكاملة لهذا الموعد المؤجل منذ سنتين. وها هي تجد نفسها أمام شبه مماطلة من بعض الأحزاب التي لم تحسم وضعها الداخلي والقانوني( قد تتقدم قائمات مختلفة باسم حزب واحد)، وأمام تأخّر استكمال التقسيم الإداري البلدي الجديد، وأمام بعض الصعوبات اللوجستية المالية والبشرية. لكلّ هذه الظروف ستشهد تونس بمناسبة الانتخابات المحلية القادمة مخاضا تاريخيا عميقا ربما تنجح الديمقراطية التونسية الهشة والهادئة في ضبطه داخل مجال فعلها القانوني السلمي فتتدعّم وترسخ في الوعي السياسي التونسي وفي هوية الدولة، وربما يفيض المخاض عن قدرتها فيربك سيرها ويستدعي فاعلين آخرين من خارجها يوجّهون تاريخ البلاد وجهة أخرى.         

التعليقات