ايوان ليبيا

الأثنين , 23 أكتوبر 2017
ننشر رابط نتائج الشهادة الإعدادية للعام الدراسي 2017/2016فوز الرئيس الأرجنتيني ماكري بالانتخابات التشريعية لـ"منتصف الولاية"صعود مؤشرات الأسهم اليابانية في الجلسة الصباحيةمقتل 11 شخصًا في احتجاجات واشتباكات عرقية بإثيوبياالشرطة البريطانية تنهي احتجاز رهائن تحت تهديد السلاحمُداخلة ... بقلم / البانوسى بن عثمانشبح الانتحار يضرب البيضاء من جديد ... طفل ينتحر شنقًاوقفة احتجاجية لأصحاب المساكن المدمرة في سرتمخرج أفلام وثائقية وحفيد ملحن شهير.. 9 معلومات عن أحمد ماجد المصريضبط 6 شاحنات تهريب وقود في صبراتةالأمم المتحدة تنهي محادثات بشأن ليبيا في تونس دون موعد جديد لاستئنافهاأسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي في السوق الموازي اليوم الاحد 22 اكتوبر 2017تعرف على هدافي دوري الأبطال مُنذ بداية الألفيةرئيس برشلونة: ميسي سيُجدد مدى الحياةإنذار بوقوع عاصفة في جزر الكوريل الروسية مع اقتراب إعصار الغد2019 تسطر تاريخًا جديدًا في سجل العرش الياباني بسبب مرض الإمبراطور أكيهيتوللنساء فقط.. طرق بسيطة لتطوير الحاسة السادسةحالة الطقس و درجات الحرارة فى ليبيا اليوم الاحد 22 اكتوبر 2017التحقيق في اغتيال الصحفية المالطية وعلاقته بالمافيا الدولية في 3 دول بينها ليبيامسلحون يوقفون ضخ مياه النهر الصناعي من الجنوب للشمال للافراج عن احنيش

تأثير انفصال جنوب السودان على دول الجوار!!

- كتب   -  
تأثير انفصال جنوب السودان على دول الجوار!!تأثير انفصال جنوب السودان على دول الجوار!!

قراءات أفريقية:

يعاني جنوب السودان منذ انفصاله عن الوطن الأمّ، واعتباره دولةً مستقلةً بعد منتصف ليلة التاسع من يوليو عام 2011م، مشكلات اقتصادية، وسياسية، وأمنية، وتدنيّاً في الخدمات، وحروباً قَبَلية، وحروباً أهلية ذات طابعٍ قبليٍّ؛ تشرّد بسببها الآلاف من أبناء الجنوب، بينما ذهبت أرواح الكثيرين، وقد أدى ذلك إلى عجز الدولة عن ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار الذي يساعد في بناء مؤسسات البلاد وتطويرها، في ظلّ حالةٍ من التدافع بين مختلف الأطراف المدعومين إقليميّاً ودوليّاً.

وقد أدى ذلك إلى زيادة معاناة المواطنين في جنوب السودان، وتفاقم أزمة السكّان المدنيين الذين كانوا يأملون بعد الانفصال في حياةٍ أفضل من تلك التي عاشوها في ظلّ السودان الموحّد، فيما تشير تقارير غربية إلى أنّ الكثير من الجنوبيين يقولون اليوم إنهم لو كانوا يعلمون أنّ هذا سيكون مصير الدولة لما انفصلوا عن الشمال، وصرّحت بذلك بعض القيادات الجنوبية، فقد جاء على لسان المتحدث الرسميّ باسم المجلس الانتقاليّ للثوار في جنوب السودان اللواء محمد شول الأحمر: «إنّ جنوب السودان استعجل تقرير المصير والانفصال»، بل إنهم عرضوا الوحدة مجددّاً مع السودان، وعبّروا عن أسفهم على الانفصال؛ كما جاء على لسان الرئيس عمر البشير.  

من المؤكد أنّ جنوب السودان هي جزءٌ من مشكلةٍ أكبر متعلّقة بالعالم الإسلاميّ ومخططات تمزيقه، بعد انهيار الخلافة الإسلامية، وهيمنة الاستعمار، وهشاشة الدولة الحديثة المستوردة، وبمظلّة الأمان الإقليمية التي لم تعد موجودة، ومن ثمّ بدأ استقطاع أجزاء من أطراف العالم الإسلاميّ تزامناً مع ضعف الدولة المركزية في تلك المنطقة، وهي الدولة المصرية، والتي تناست عمقها الاستراتيجيّ بمناطق منابع النيل؛ في خضم كثرة الملفات الشائكة التي تزاحمت أمام صانع القرار في القاهرة، والذي ظلّ مشغولاً بعملية انتقال السلطة منذ عام 2000م في السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك، وحتى وقتنا الراهن، مما أدى إلى انتقال ملفات الأمن القوميّ المتعلقة بمنابع النيل، وبالعمق الإفريقيّ لمصر، إلى كواليس المشهد.

والسودان إحدى الدول التي استهدفها مخطط التمزيق، الذي بدأ تنفيذه منذ أن كان السودان خاضعاً للحكم الثنائيّ (الإنجليزي – المصري) بموجب اتفاقيات، منها: اتفاقية اللورد كرومر 1898م بين الاستعمار الإنجليزي ومصر، ومبادئ كتشنر لحكم السودان وإدارته، والذي تعدّ فترته من أسوأ فترات الحكم في تاريخ السودان، فقد تمّ من خلال سياسته تهيئة الجنوب للانفصال قبل أن يُعطى السودان  استقلاله عام 1956م؛ حيث بدأت الحرب الأهلية في ظلّ وجوده، وقبل خروجه بعام، باندلاع التمرد المشهور في عام 1955م، في حامية توريت في جنوب السودان، وقد ظلت الحرب مستمرة تغذوها المؤامرات الخارجية  الغربية والتنصيرية والإسرائيلية، ومشاركة بعض القوى الإقليمية، حتى تمّ تنفيذ المرحلة الأولى من مخطط تفتيت السودان بإعلان انفصال الجنوب في 5 يوليو 2011م، لم يهنأ جنوب السودان بما كان يحلم به أبناؤه من الاستقرار في بلدٍ آمن؛ حيث ظلت تتفاقم مشكلاته الداخلية؛ حتى دخل في حروب أهلية – قبلية منذ عام 2005م؛ لاختلال التوازنات الداخلية والخارجية، وتقاطع المصالح والمطامع.

جذور الأزمة وأسبابها:

يذهب الكثيرون، بمن فيهم بعض أبناء الجنوب وقياداته، إلى أنّ التركيبة الاجتماعية والأوضاع السياسية والاقتصادية لم تكن تساعد على قيام دولةٍ يمكن أن تتمتع بالأمن والاستقرار عند الانفصال؛ لذلك أخفقت الأشكال الإدارية التي خلقها النظام في إيصال الخدمات للمواطنين في المدن والريف؛ ما خلق دولة هشة؛ تعتمد فقط على الجيش في إدارة شؤونها بدون خلق مؤسسات دولة فعّالة، ودون إجراء تعديلاتٍ تستهدف تغيير طبيعة الجيش الشعبيّ وتركيبته، التي يغلب عليها الطابع القَبَلي، إلى جيشٍ ولاؤه للوطن وليس للقبيلة.

وتعثّر اقتصاد جنوب السودان الذي كان يعتمد على الزراعة مصدراً رئيساً للغذاء، وقد ساهمت الحروب الكثيرة في تدمير هذا القطاع ليحلّ محلّه البترول بوصفه المصدر الرئيس الذي تعتمد عليه الدولة في تسيير شؤونها، وتوفير احتياجات المواطنين الأساسية، بعد تدهور الزراعة بسبب الحروب المستمرة، كما أنّ استمرار إنتاج البترول وضخّه تعرّض هو الآخر لفترات توقّف بسبب انعدام الأمن والصراع عليه. ونشطت حركة المتاجرة والمضاربة في الأموال؛ ما أدى إلى ظهور نمطٍ من الاقتصاد الرأسماليّ الطفيليّ الذي أسهم في اتساع دائرة الفقر في الجنوب.

وبالنسبة للجانب الاجتماعيّ؛ فإنّ معظم سكان جنوب السودان قرويون، يتوزّعون على أكثر من 64 قبيلة، تتعدد لغاتها، وتختلف أعرافها وعاداتها وتقاليدها، ويسود في كلٍّ منها نظامٌ إداريٌّ وقانونيٌّ يحكم أنشطتها وينظّم علاقات أفرادها، ويكرّس الولاء القَبَلي، الذي ساعدت الأمّية في تعميقه. ويمارس بعض هذه القبائل الزراعة، بينما يعتمد بعضها على الرعي والصيد، وقد أدّى التنافس على الأراضي، وعلى مصادر المياه، والاعتداءات المتكررة على الزرع، ونهب المواشي والأبقار، إلى النزاعات المتكرّرة بين القبائل.

وبعد انفصال الجنوب؛ تحولت بعض هذه المعطيات إلى أسبابٍ مباشرةٍ لأزمة جنوب السودان؛ حيث طغت روح القَبَلية وانتماءاتها على الولاء للوطن، وأصبحت هي المحرك للمكوّنات والقوى البشرية أكثر من الأحزاب السياسية في الجنوب، والتي تزيد على 30 حزباً، منها 18 أو أكثر معارضاً، و 11 حزباً موالياً للحكومة، ومؤسسات الدولة الهشة، والمؤسسة العسكرية وغيرها، والتي أصبحت كلها محلاً للتنافس القَبَلي الذي يُعتقد أنّ أطرافًا خارجية استغلته من أجل تحقيق أهدافها، وكذلك النزاع على السلطة والجيش الذي تهيمن عليه قبيلة الدينكا، والثروة ومواردها، وبخاصّة حقول البترول في ولايات الوحدة وأعالي النيل وغيرها.

ويدخل ضمن الأسباب المباشرة: هيمنة الحركة الشعبية على مقاليد الأمور في الجنوب بشكلٍ كامل، من خلال نظامٍ سياسيٍّ لا مركزي، زاد فيه عدد الولايات من 10 إلى 28 ولاية، وما صاحب ذلك من ضعف الخبرة وحداثة التجربة في ظلّ واقع الجنوب ومواريثه المعقدة، وضعف البنى التحتية؛ ما أدى إلى عدم فعالية الأشكال الإدارية التي خلقها النظام، وعجزها عن إيصال الخدمات للمواطنين في المدن والريف، فقامت دولة هشة؛ تعتمد فقط على جيشٍ تكاد تكون الهيمنة فيه لقبيلة الدينكا، دون إجراء تعديلات تستهدف تغيير طبيعته إلى جيشٍ وطنيٍّ حديثٍ تحكمه علاقات انضباط المؤسسات العسكرية الحيادية.

ومن مسبّبات الأزمة المباشرة: تخويل رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، وغموض شخصيته- كما وصفه كثيرٌ من المحللين-، وطريقة حكمه، وأسلوب إدارته.

يسود عدم الرضا عن حكومة سلفا كير على نطاقٍ واسعٍ بين المواطنين، لإخفاقها في توفير فرص العمل، والرعاية الصحية الكافية، والمدارس والمساكن والطرق، والاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الرئيسة، مثل الزراعة، إضافة إلى الفجوة الغذائية؛ إذ «تقول الأمم المتحدة وشركاؤها إنّ 2.3 مليون شخص سيحتاجون لمساعدات غذائية هذا العام... موضّحةً أنّ 4.6 ملايين شخص، من جملة عدد السكان البالغ عددهم 12 مليوناً، يعانون من انعدام الأمن الغذائي... » .

هذا في الوقت الذي بلغ فيه الإنفاق الحكوميّ على الزراعة، بين عامَي 2012م و 2013م، نحو 5.2% فقط من الميزانية الوطنية، مقارنة بإنفاق 25% على الخدمات العسكرية والأمنية، وتنفق الحكومة نحو نصف الميزانية على نفسها، معظمها على الرواتب، وعلى سيارات باهظة الثمن للوزراء، واعترف الرئيس سلفا كير بأنّ مليارات من الجنيهات السودانية تعرضت للاختلاس وقد احتجّ بعض المسؤولين الأمريكيين في واشنطن، وبخاصة الذين كانوا بالأمس القريب داعمين للانفصال، ومنهم المدير السابق للشؤون الإفريقية في مجلس الأمن القومي الأمريكي جون بردر غاست، والمسؤول السابق في وزارة الخارجية روجر وينتر، فنددوا بانتشار الفساد بعد حصولهم على أدلة واضحة.

وقالو إنّ حكومة الجنوب لم تقدّم الخدمات اللازمة في مجال البنى التحتية، وجاء في رسالة وقّعها مَن يُطلقون على أنفسهم «أصدقاء جنوب السودان» أنّ: كثيرين في جنوب السودان يعانون، ويبدو أنّ أعضاء الحكومة يفكرون في أنفسهم فقط، وقد ذكروا أنه ارتكبت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، مشيرين إلى أنّ مستقبل هذه الدولة الناشئة غير واضح المعالم .

 الأزمة وتداعياتها:

تجدّدت الاشتباكات بين قوات «رياك مشار» وقوات الحكومة بعدما عُقد اتفاق مصالحة بين سلفا كير ونائبه «رياك مشار»، وذلك في يوم 9 يوليو 2016م أثناء الاحتفال بعيد استقلال جنوب السودان الموافق 9 يوليو، بعد خمسة أعوام من احتفال سلفا كير و «مشار» بإنزال العلم السودانيّ ورفع علم جنوب السودان، وذلك غداة مقتل ضابطَيْن من قوات «مشار» في نقطة تفتيش خارج جوبا على أيدي قواتٍ لحكومة سلفا كير.

في بداية الأزمة؛ حاول الرئيس سلفا كير ونائبه «مشار» حلّ الأزمة، وبينما كان سلفا كير و «مشار» في مؤتمرٍ صحافيٍّ مشتركٍ في القصر الجمهوري؛ تمّ قصف القصر ليلة التاسع من يوليو، وقتها فقد الرجلان أيّ تأثيرٍ في الجنود على الأرض التي كانوا يتقاتلون عليها بضراوة، حيث يسيطر كلّ فصيلٍ على أراض يضع يده عليها، ومن ثمّ رفضوا كلّ دعوات التهدئة، ما تسبّب في نزوح 40 ألف مواطن جنوب سودانيّ خارج العاصمة جوبا .

وترى بعض الأطراف أنّ أوغندا لها مصلحة في عدم توقف القتال؛ حتى لا يفرض سلفا كير سيطرته على دولة الجنوب، أو حتى ينتصر «رياك مشار»، وتظلّ العداوة مشتعلة بين «الدينكا» التي أتى منها سلفا كير، وهي العِرْقية الأكبر في البلاد، وبين «النوير» التي ينحدر منها «مشار»، والتي تأتي في المرتبة الثانية من حيث العدد في جنوب السودان، بالرغم من أنّ هناك اتهامات متبادلة بالفساد بين الرجلَيْن، وكذلك الفشل في السيطرة على البلاد، وعدم إرساء حكمٍ عادلٍ دون محاباةٍ لأي قبيلة من الاثنتَيْن (6).

ومن المؤكد أنّ تلك الخلفية التاريخية والإثنية هي التي أدّت إلى تفجّر الأحداث عشية الاحتفال بالذكرى الخامسة لانفصال جنوب السودان، وأنّ الأمر يتخطّى مجرد شجارٍ على نقاط تفتيش بين الجنود أدى إلى مقتل جندَيّين، فالغضب الذي تلا ذلك يشير إلى تجذّر العداوة والبغضاء بين الفصيلَيْن، وأنّ الأمر ربما كان مخططاً له من أطراف قَبَلية تمتد علاقاتها لخارج السودان، وكذلك دول إقليمية ربما لا تريد أن يستقر الوضع في البلاد.

كما تشير حكومة سلفا كير إلى احتمالية وجود محاولةٍ انقلابيةٍ بعد انتهاء اجتماعات مجلس التحرير الوطني، حيث قام مجهولون بإطلاق نارٍ في الهواء بالقرب من مركز نياكرون الثقافي، ثم هربوا، وربما كانت تلك إشارة لبدء الهجوم على ثكنة جيادا العسكرية على يد جنودٍ من الحرس الجمهوري، ولكنهم موالون لـ «مشار» نائب الرئيس، وتذكر مصادر سلفا كير أنهم حاولوا في البداية الوصول إلى مستودعات الأسلحة والذخيرة، ولكنهم أخفقوا، ولذلك هاجموا مجموعة من الحرس الجمهوريّ موالين للرئيس من أجل الوصول إلى المستودع، وقُتل ضابطٌ فاندلع القتال بعدها، وتلاه هجومٌ على بيلبام، وفي الصباح الباكر تمّ الهجوم على مراكز أخرى للجيش، واخترقوا مستودعاته، وسرقوا أسلحة وأزياء عسكرية، وترى الحكومة أنّ ذلك تخطيطٌ مسبقٌ وليس انتفاضة عفوية.

تداعيات الاشتباكات:

بعد ذلك؛ ألغت حكومة جنوب السودان الاحتفالات بالذكرى الخامسة للاستقلال، في حدثٍ دالٍ على تدنّي معنويات الشعب الغارق في الدماء ورائحة البارود، واندلاع القتال بين الفصائل المتناحرة الذي خلّف أعداداً كبيرة من المدنيين بين جريحٍ وقتيل، وقد كان هذا هو مصير الجنوب منذ عدة سنوات، وسقط عشرات الآلاف في العنف المتبادل بين مختلف الأطراف الحكومية وغير الحكومية، وتمّ تهجير مليونَيْن من السكان، فيما لم تبخل عليهم الفياضانات بمزيدٍ من الآلام؛ في خضم حالةٍ مزمنةٍ من نقص الغذاء وفقرٍ مدقعٍ وعنفٍ وأمية؛ في ظلّ غيابٍ تامٍّ لمؤسسات الدولة، أو أي مشروعات بنى تحتية، مما يجعل الوضع مرشّحاً دائماً لمزيدٍ من التدهور في ظلّ فسادٍ وابتزازٍ للسكان من مختلف الأطراف.

كما لم يسلم الأطفال من عمليات الاختطاف لتجنيدهم في الميليشيات المتناحرة، كما تعرّضت النساء لحالات اغتصابٍ جماعيةٍ على أيدي الجيش والميليشيات على حدٍّ سواء، فيما تتوافر تقارير عن تعذيب المعتقلين وضربهم داخل المقار التابعة لحكومة جنوب السودان، وتعرّضت صناعة النفط التي هي عصب اقتصاد البلاد، وكانت تمثّل في السابق 98% من عائدات الحكومة، إلى عملياتٍ واسعةٍ من التخريب والإهمال.

فقد أخفقت الأطراف المتناحرة في أن تصل إلى حلٍّ لتقاسم السلطة؛ حتى بعدما قام الرئيس سلفا كير وقائد المتمردين «رياك مشار» بالإعلان عن إنهاء الحرب الأهلية التي دامت لعامَيْن، واستئناف ترتيبات تقاسم السلطة، فعندما عاد «مشار» إلى العاصمة جوبا في أبريل الماضي لتقلّد وظيفته نائباً للرئيس؛ مرةً ثانيةً انهار السّلام الهشّ بعد ذلك بشهرين؛ بعد تبادلٍ لإطلاق النار بين الميليشيات على إحدى نقاط التفتيش.

وطبقاً لبعض المصادر؛ فإنّ الظروف الآن في جنوب السودان تعدّ أسوأ مما كانت عليه قبل الاستقلال عن النظام السودانيّ في الخرطوم عام 2011م، وهذه مأساة للشعب هناك، كما أنها خيبة أملٍ كبيرة للدول الغربية والإفريقية التي ساعدت على إخراج الانفصال إلى الحياة وولادة الدولة الجديدة.

 حظر السلاح ودَوْر المجتمع الدولي:

من المؤكد أنّ هناك دَوْراً على المجتمع الدوليّ يجب القيام به من أجل إنهاء مأساة الشعب هناك، في حين أنّ قوات حفظ السلام وحدها، سواء من الأمم المتحدة أو من الاتحاد الإفريقي، لن تحلّ المعضلة، حيث إنّ الأمر يتعدى مجرّد صنع السلام أو حفظه إلى فسادٍ ممنهجٍ ومتجذّر، تساهم فيه الحكومة الحالية بصورةٍ كبيرةٍ- حسب مراقبين-، وكذلك تظلّ مسألة بناء مؤسسات فاعلة للدولة هي التحدي الأكبر، بالإضافة إلى المعضلة الكبرى بعدم تسييس الجيش، ووقوفه على الحياد في ذلك الصراع والاحتراب الأهلي.

فالكثير من المراقبين يتساءلون: إذا ما كانت الحكومة الحالية، والتي أخفقت بصورةٍ مذريةٍ حتى الآن، يمكن أن يوثق بها في إجراء تلك الإصلاحات؟ فقد وصف «برينستون ليمان» المبعوث الأمريكي الخاصّ السابق للسودان، و «كيت نوف» المدير السابق للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في جنوب السودان، وصفَا كلا الطرفَيْن (سلفا كير و مشار) بـ «ملوثَيْن بالشبهات» بصورةٍ كبيرة، ومن ثمّ اقترحَا إنشاء صلاحية لكلٍّ من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لإدارة البلاد لفترة انتقالية.

 وفي الوقت نفسه؛ يقول البعض بأنّ الوضع السيّئ لجنوب السودان يجب أن يعطي للولايات المتحدة درساً؛ ففي افتتاحية جريدة بوسطن جلوب الأمريكية- مؤخّراً- خلص كاتب المقال إلى أنّ الانفصال عن السودان كان خطأً من البداية، ونتج عنه نتائج كارثية بذلك التدخل في الشأن السوداني على يد ثلّة من الأمريكيين؛ الذين ربما كانت لديهم نياتٌ جيدة ولكنهم كانوا جاهلين تماماً بالأوضاع في البلاد، وقد لام المقال ذلك التحالف بين الإرساليات التبشيرية النصرانية وناشطي حقوق الإنسان، مثل جورج كلوني، بالإضافة إلى صنّاع السياسات الأمريكيين الذين دفعتهم «مشاعر غير منطقية لمثاليةٍ أخلاقية»؛ بدلاً من «اعترافٍ واضحٍ بمصالح الأمن الوطني» لتلك الدولة، كما قال المقال: إنّ الأمريكيين أخفقوا في رؤية الحمق في جهودهم الفاشلة لتغيير العالم وإنهاء المعاناة.

كما قالت الصحف الأمريكية إنّ الجهل وخداع الذات من المؤكد أنهما أوقعَا الولايات المتحدة في مشكلات على مرّ السنوات الماضية، فالولايات المتحدة كثيراً ما تعثّرت بلا هدى في صراعاتٍ خارجيةٍ دون أهدافٍ واضحةٍ، أو خططٍ متماسكةٍ، أو حتى استراتيجية للخروج، ومن المؤكد أنّ ذلك ما حدث في جنوب السودان ، فخطوة انفصال جنوب السودان كانت نتيجة لجهود عدّة دول لإنهاء الحرب الأهلية الأطول في تاريخ إفريقيا، فشمال السودان وجنوبه حُشرَا في تلك الدولة الواحدة، على يد البريطانيين عام 1956م، بالرغم من الاختلافات الكبيرة، العِرْقية واللغوية والقَبَلية والثقافية، وكانت النتيجة نصف قرنٍ من العنف، سقط فيه مليونَا شخصٍ، في هجمات عابرة للحدود من العرب في الشمال على السود الأفارقة في الجنوب، وعندما تمّ توقيع اتفاقية سلامٍ شاملةٍ في النهاية، بمساعدة الاتحاد الإفريقيّ والولايات المتحدة، فإنها اشتملت على فقرةٍ تسمح للجنوبيين بالاستفتاء على إعلان استقلالهم عن الشمال، وهذا الاستفتاء كان هدفاً سياسيّاً، ليس فقط للولايات المتحدة ولكن للجنوبيين أنفسهم، وسارت الولايات المتحدة في ذلك الطريق، وفي النهاية صوّت 99% تقريباً من الجنوبيين لصالح الانفصال.

والولايات المتحدة لم تكن عمياء تماماً عن مشكلات البلاد ومستقبلها، ففي التمهيد للاستفتاء على الانفصال أوضح المسؤولون الأمريكيون بجلاءٍ أنّ العوائق التي تواجه جنوب السودان عوائق كبيرة، وأنّ النجاح ليس مضموناً في النهاية، وكانت التوقعات بأن يكون جنوب السودان في النهاية سعيداً، ويشعر بالرخاء والديمقراطية، هي توقعات بعيدة، ولكن وقع الانفصال، وتعلّق الجنوبيون بأهداف الدول الكبرى والمنظمات الدولية والإغاثية، ولكن ثبت أنّ كلّ ذلك ليس له قيمة في بيئةٍ تفتقر إلى أبسط قواعد الدولة ومؤسساتها، وإلى الحدّ الأدنى من الموارد والاتفاق المجتمعيّ على إنشاء دولتهم التي ترتفع فوق المصالح القَبَلية الضيقة.

وقد نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية تقريراً مثيراً عن حياة المدنيين في ظلّ القصف العشوائيّ والاستهداف المتبادل بين الميليشيات، فكتب جاستن لينش مقالاً؛ يناشد فيه المجتمع الدوليّ بفرض حظر السلاح على جنوب السودان بوصفه الخطوة الأولى لإحلال السلام، وحكى قصة الفتى «لاتجور ثيانج» الذي كان يجلس في سريره في معسكرٍ للنازحين، تحميه قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جوبا عاصمة جنوب السودان في يوليو الماضي، عندما اصطدمت قذيفة آر بي جي في منزله العشوائي وأسقطته فاقداً للوعي، بعد ذلك بلحظات وجد نفسه في نهرٍ من الدماء يتدفق من رأسه ورجلَيْه وإحدى ذراعَيْه، وأوضح «ثيانج» بعد ذلك قائلاً: «الصاروخ لديه أجزاء، وينتج في النهاية ما تبقّى من قذيفة الآر بي جي، وبمجرد أن تسقط أو تنفجر؛ فإنها تتحول إلى العديد من القطع، والتي تُحدث جروحاً ونزيفاً حادّاً».

وتلك القذيفة التي يبلغ طولها مترَيْن تقريباً؛ ربما أتت من سلاح آر بي جي 69 المخصّص لاستهداف الدبابات؛ طبقاً لخبيرٍ في الأسلحة، والذي راجع الصور التي خلّفها انفجار الصاروخ، ومن الأرجح أنها من إنتاج شركة «نورينكو»، وهي شركة تصنيع السلاح المملوكة للحكومة الصينية، والتي ورّدتها إلى حكومة جنوب السودان كجزءٍ من صفقة عام 2014م بقيمة 38 مليون دولار نظير 40 ألف سلاح مثل ذلك، بالإضافة إلى مليونَي قذيفة من الذخيرة، و 2394 قاذفة قنابل؛ كما يقول الخبير العسكريّ الذي استعانت به مجلة فورين بوليسي.

ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان في ديسمبر 2013م؛ اشترت حكومة جنوب السودان بمئات ملايين الدولارات أسلحة ومعدات عسكرية من السوق العالمية، بما في ذلك مروحيات هجومية، ومركبات أفراد مدرّعة، وصواريخ موجهة حراريّاً، استُخدمت جميعها لقتل عددٍ غير معروف من المدنيين، حيث تشير تقديرات القتلى من المدنيين، في فترة العامَيْن ونصف العام الماضية، إلى ما بين 50 إلى 300 ألف قتيل.

كلّ تلك الأسلحة حصلت عليها الحكومة بصورةٍ قانونية؛ لأنّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رفض أن يفرض حظراً على السلاح بالرغم من الدعوات المتكررة من الدول الأوروبية لتطبيقه (كما حصلت قوات المتمردين كذلك على أسلحةٍ أثناء مسار الحرب، ولكن بكمياتٍ أقلّ، وبالأساس من السودان).

ويرى كاتب المقال أنّ الولايات المتحدة كانت أكبر عائقٍ أمام فرض حظر التسليح على جنوب السودان، حيث إنّ الولايات المتحدة استخدمت موقعها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحجب قرارٍ بفرض حظر سلاحٍ على حكومة جنوب السودان، وقدّم المسؤولون الأمريكيون عدة تبريرات لهذا الموقف؛ بما في ذلك أنّ حظر السلاح سوف يحفّز الحكومة على تصعيد الحرب، وأنّ ذلك الحظر لن يؤتي ثماره إلا إذا وافق جيران جنوب السودان على تفعيله.

وكانت أشرس المعارضين لفرض حظر السلاح على جنوب السودان هي: سوزان رايس مستشارة الأمن القوميّ الأمريكي، والتي يعود تورّطها في سياسات جنوب السودان إلى إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون.

ولكن بدَا أنّ الولايات المتحدة اقتنعت أخيراً بجدوى حظر السلاح؛ حيث التقى مسؤولون أمريكيون مع نظرائهم الروس والصينيين في الأمم المتحدة لمناقشة مشروع قرارٍ يتضمن حظر السلاح، بالإضافة إلى تفويضٍ بإرسال قواتٍ إقليميةٍ جديدة لحفظ السلام، والذي عُرض على مجلس الأمن في 12 أغسطس الماضي.

وجاءت تلك المفاوضات في وقتٍ حرجٍ لجنوب السودان؛ مع تهديد المتمردين بالسير إلى العاصمة إذا لم يتمّ إرسال قوات تدخّلٍ إقليميةٍ لتأمين جوبا، وتنفيذ اتفاقية السلام المتداعية، ولكن الحكومة في الوقت نفسه صرّحت أنها لن تقبل بوجود قوةٍ إقليمية، وهدّد متحدثٌ عسكريٌّ بأنه سيقاتل القوات الأجنيبة التي ستدخل بلاده دون إذن، ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى مزيدٍ من الدماء في الأفق القريب.

ويقول الخبراء إنّ حظر السلاح لن يستطيع وحده أن يوقف تدفق الأسلحة الخفيفة أو الذخيرة إلى جنوب السودان بصورةٍ كاملة، فالذخيرة والرصاص من السهل إخفاؤها، ومن الصعب تعقّبها، مما يجعل الأمر سهلاً على المهرّبين أن يخترقوا الحظر، وبالمثل؛ فإنّ الأسلحة الخفيفة، مثل الكلاشينكوف، شائعة بكثرةٍ حتى في المناطق النائية والقرى.

ولكن يقول الخبراء إنّ الحظر سيؤتي أُكله في منع شراء الأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة؛ بما في ذلك المركبات والطائرات، والتي كانت تُستخدم بتأثيراتٍ مدمّرة ضدّ الجنود والمدنيين- على حدٍّ سواء- على مدى فترة العامَيْن ونصف العام الماضية، فالمروحيات الهجومية التي حصلت عليها حكومة جنوب السودان في عامَي 2014م و 2015م أعطت الحكومة اليد العسكرية العليا، ومكّنتها من استعادة العديد من مكاسب المتمردين في الأجزاء الشمالية من البلاد، فقد اشترت الحكومة أربع مروحيات من طراز مي 24 أثناء تلك الفترة، على الأقلّ ثلاث منها كانوا من شركةٍ أوكرانية؛ كجزءٍ من صفقةٍ بقيمة 42.8 مليون دولار.

ولكنّ الجنود المتمردين لم يكونوا وحدهم المستهدفين، ففي يوليو 2015م أطلقت طائرات الحكومة من طراز مي 24 صواريخها؛ فيما وصفته الأمم المتحدة بأنه هجومٌ على مستشفى للصليب الأحمر في مدينة كودوك في ولاية النيل العليا، مما أسفر عن مقتل شخصَيْن وجرح 11 شخصاً، كما استخدمت المروحيات الهجومية مرةً ثانيةً في يوليو الماضي لقصف مجمع يستخدمه «مشار» في جوبا أثناء أسبوعٍ من القتال، خلّف 500 قتيل على الأقل؛ بما فيهم عشرات المدنيون.

كما اشتملت قائمة الأسلحة الثقيلة التي اشترتها الحكومة أيضاً في أثناء الحرب: حاملات جند مدرّعة من طراز كوجار وتايفون، والتي وفرتها شركة كندية، وما يعتقد الخبراء أنه 10 دبابات روسية برمائية لا تزال الشركة الموفرة لهم مجهولة، كلّ تلك المركبات يبدو أنها استُخدمت في استهداف المدنيين، وأثناء عمليات حرق الأرض في ولاية يونيتي الصيف الماضي، على سبيل المثال استخدمت الحكومة دبابات برمائية اشترتها عام 2014م لملاحقة «مقاتلين ومدنيين داخل مستنقعات منطقة سود»؛ كما أفاد تقريرٌ للأمم المتحدة، وبالمثل فإنّ تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش عام 2015م أورد العشرات من الحوادث التي استخدمت فيها الحكومة دبابات لسحق المدنيين أثناء الهجوم نفسه.

لذلك؛ فإنّ حظر السلاح لن يمنع فقط الحكومة من شراء دبابات وطائرات ومركبات برمائية هجومية إضافية، ولكن ذلك سيعني أنّ الأفراد الأجانب، مثل المواطنين الأوكرانيين الذين يقومون بصيانة طائرات الهليكوبتر الحكومية من طراز مي 24، سيتوجب عليهم مغادرة البلاد؛ طبقاً لـ «لوكاس فان دي فاندرفوت» العضو السابق بلجنة خبراء الأمم المتحدة بجنوب السودان، ونتيجةً لذلك فإنّ بعض المعدات ربما تصبح في النهاية غير ذات جدوى.

كما أنّ حظر السلاح سيقدّم أيضاً رادعاً رمزيّاً للدول التي تهرّب الأسلحة إلى الأطراف المتحاربة، فالصين تعهدت بوقف نقل الأسلحة إلى الحكومة بعدما نشرت أنباء عن شحنة شركة نورينكو الصينية عام 2014م، مما أسفر عن اعتراضاتٍ واسعةٍ من جانب الجماعات الحقوقية، ولكن الدول الأخرى تقدّمت لملء ذلك الفراغ.

وفي أغسطس الماضي؛ اتخذ مجلس الأمن الدوليّ موقفاً نوعيّاً، وأصدر قراراً تحت رقم 2304 يقضي بإرسال أربعة آلاف عنصر، من كلٍّ من كينيا وإثيوبيا وراوندا، ضمن قوات أممية جديدة، تختصّ مهمتها بحماية بعض الأماكن الحيوية في العاصمة جوبا، أملاً في وقف الاشتباكات التي تجدّدت بين قوات الرئيس سلفا كير وغريمه نائبه الأول (المُقال) «رياك مشار»، الذي فرّ من جوبا بعد معارك حدثت في 7 يوليو الماضي، مؤكداً أنه لن يدخلها مرة أخرى قبل وصول قوات دولية تؤمّن حياته وحياة معاونيه.

التداعيات الإقليمية:

كما سبق الإشارة إليه؛ فإنّ أوغندا من إحدى الدول التي تُتهم بأنها تستفيد من استمرار الأزمة، كما أنها أصبحت مورّداً مهمّاً للأسلحة لجنوب السودان، ويُعتقد أنها اشترت أسلحة نيابة عن الحكومة من إسرائيل، وعدة دول أخرى، فحكومة جنوب السودان رغبت أيضاً في شراء أربع مروحيات إضافية بقيمة 35.7 مليون دولار من شركة مقرها كمبالا، تُدعى: «بوساسي لوجيستيكس» (ولم يُعرف إذا ما كانت الصفقة قد تمّت أو لا!).

وعلى جانب المتمردين؛ فإنّ السودان كانت الموفر الرئيس للأسلحة، وفي بعض الأوقات كانت تلقي من الجوّ الأسلحة والذخيرة في عمق الأراضي في جنوب السودان، وفي 2014م حللت مؤسسة مختصّة في شؤون الصراع والتسليح مئات من الذخائر الصغيرة والمتوسطة التي أُسقطت على المتمردين، ولكن الحكومة استولت عليها في وقتٍ لاحق، ووجدت كذلك أنّ جزءاً كبيراً من الذخيرة صُنع في السودان بعد بدء الحرب الأهلية؛ مما يعني أنّ ذلك كان سيكون ممنوعاً إذا ما كان الحظر قد طُبّق مع بداية الحرب.

إنّ نجاح حظر السلاح من المتوقع أنه سيلقى دعماً من الدول الإفريقية، أما روسيا والصين، اللتان اعترضتَا على إجراءاتٍ مماثلةٍ في الماضي، فمن غير المتوقع أن تحجبَا حظر السلاح إذا ما قدّمت الدول الإفريقية موقفاً موحّداً لصالح الحظر في مجلس الأمن، كما أنّ مصر يمكن أن يصبح صوتها حاسماً، لأنّ السنغال وأنجولا، وهما الدولتان الإفريقيتان في مجلس الأمن، سيصوتان لصالح الاقتراح؛ طبقاً لدبلوماسيين أجانب رفضوا الإعلان عن أسمائهم.

وقد عارض وزير الإعلام في جنوب السودان «مايكل ماكوي لويس» فكرة الحظر، قائلاً إنها تهدّد استقلالية البلاد، وستُضعف الحكومة أكثر أمام المتمردين، ولكن حظر السلاح وحده لن يُنقذ هذا البلد المشرذم إلى قبائل؛ لأنّ جوهر الصراع هو السيطرة على المصادر والموارد، بالإضافة إلى أنه صراعٌ عِرْقيٌّ أيضاً؛ فقبائل «الدينكا» و «نوير» هي الأبرز بين الإثنيات الكثيرة في جنوب السودان، والانقسامات التاريخية بين الفصيلَيْن أرست قواعد الحرب الأهلية التي بدأت في 2013م في جنوب السودان، كما أنّ سلفا كير الذي ينتمي إلى قبيلة «الدينكا»، ونائب الرئيس السابق الذي تحوّل إلى زعيم المتمردين ينتمي إلى قبيلة «النوير»، فكلاهما ينتميان إلى القبيلتَيْن الكبيرتَيْن في جنوب السودان.

كما برز الصراع العِرْقي على واجهة الأحداث والتصفيات المتبادلة بين الجانبَيْن، وكذلك الإعدامات خارج نطاق القانون من الطرفَيْن ، كما أنّ عمليات التهجير القسرية للمخالفين في العِرْق تنذر بتوسّع دائرة العنف؛ لتضاهي تلك التي كانت في الفترة من 2013م حتى 2015م.

والآن تحاول حكومة جنوب السودان أن تقلل أعداد القوات الأممية والقوات التابعة للاتحاد الإفريقيّ التي يمكن أن تتدخل لوقف الصراع، وكذلك أنواع أسلحتها والدول المشاركة في تلك القوات ، ولكن بالوضع في الاعتبار تاريخ حكومة جنوب السودان في الانتهاكات الحقوقية؛ فلن يكون من الحكمة السماح لها بأن تقرر شروط البعثات الأممية، وفي المقابل؛ يمكن دعم قوات الاتحاد الإفريقي والقرارات التي اتخذت في قمتها في كيجالي في يوليو الماضي، حيث سيكون لقوات الاتحاد الإفريقي «صلاحيات أوسع للمشاركة في العمليات القتالية؛ مقارنة بقوات الأمم المتحدة، وستستطيع الوصول إلى مناطق القتال» .

وتشير مصادر حكومة جنوب السودان إلى أيادي السودان في تسليح المتمردين؛ حيث اتهم القائد السابق لجيش جنوب السودان الجنرال «جيمس هوث ماي» السودان بأنها تسلّح المتمردين، وقال إنه «ليس سرّاً» أنّ حكومة الخرطوم تساند زعيم المتمردين «رياك مشار»؛ في محاولةٍ لزعزعة استقرار جنوب السودان الذي انفصل عن السودان عام 2011م بعد حربٍ بين الشمال والجنوب استمرت عقوداً، في حين نفت السلطات السودانية أن تكون لها أي صلة بالمتمردين.

ولكن على الجانب الآخر من هذا الصراع الدموي؛ فإنّ وجود دولةٍ قويةٍ في جنوب السودان ربما يمثّل تهديداً لمصالح كلٍّ من السودان ومصر على السواء، وذلك في حالة استغلال تلك الدولة لأراضيها ومحاولة استزراعها، حيث سيقلّل ذلك من حصّة المياه الواصلة إلى الدولتَيْن، وربما يشجّعها على بناء مزيدٍ من السدود على الأنهار، وكذلك حصولها على استثمارات أجنبية ودعمٍ دوليٍّ يمكّنها من مواجهة السودان الذي يُعدّ غريماً تقليديّاً لها، ومن ثمّ فإنّ تلك الحرب الأهلية تصبّ في مصلحة دول الشمال.

ومع تواجد القوات الأوغندية في الجنوب لدعم الرئيس سلفا كير، وكذلك الدعم الذي يأتي من حكومة السودان في الشمال، فإنّ الوضع مرشّح للتصاعد، إلا إذا أثمرت الضغوط الدولية واستطاعت وقف التدخلات الإقليمية، فقد صرّح «سام كوتيسا» وزير الخارجية الأوغندي: أنّ أوغندا «سوف تبقى ما دامت حكومة جنوب السودان بحاجة لنا»، فيما قال «أوجستينو تينج ماياي» مدير «معهد سود للأبحاث»: إنّ تدخّل القوات المسلحة الأوغندية في جنوب السودان يرتبط بشكلٍ وثيقٍ بمصالحها المرتبطة بـ «جيش الربّ»، وبالتالي فإنّ أوغندا تحمي مصلحتها، ويقدّر عدد القوات الأوغندية الموجودة في جمهورية جنوب السودان بما بين 2000 و 5000 جندي؛ بما في ذلك الدعم الجويّ والدبابات.

كما أنّ أوغندا هي أيضاً أكبر دولةٍ مساهمةٍ بقواتٍ في البعثة التي يقودها الاتحاد الإفريقي ضدّ «جيش الربّ»، حيث يتمركز نحو ما بين 1000 إلى 1500 جندي في المناطق المتأثرة بأنشطة «جيش الربّ» في كلٍّ من جمهوريتَي إفريقيا الوسطى وجنوب السودان.

كما أنّ التدخّل العسكريّ الأوغندي، الذي وافق عليه برلمانها، قد أضفى على الصراع بُعداً إقليميّاً خطيراً، كما أنه يجازف بتقويض جهود الوساطة التي تبذلها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، التي تُعدّ أوغندا أحد أعضائها .

وقد حذّر منسّق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة «ستيفن أوبراين» من «أزمة إنسانية هائلة ومعقدة» تواجه جنوب السودان، حيث فرّ 70 ألف شخص على الأقلّ إلى أوغندا المجاورة منذ تجدد العنف، وقال أوبراين: «للأسف، في العام الماضي تدهور الوضع الإنسانيّ بشكلٍ كبير، بما في ذلك المناطق التي كانت مستقرة نسبيّاً، والتشريد والجوع ينتشران الآن على نطاقٍ واسعٍ في جميع أنحاء البلاد».

ووفق الأرقام الأممية؛ فقد نزح 1.6 مليون شخص داخل البلاد، في حين يواجه حوالي 4.8 ملايين نسمة خطر المجاعة، وأشار المسؤول الدوليّ إلى أنّ ما لا يقلّ عن 70 ألف شخص فرّوا إلى أوغندا منذ يوليو/تموز، بزيادة عن تقديرات أممية- في الأسبوع الماضي- تحدثت عن فرار 60 ألفاً، وقال أوبراين: إنّ «تدفق اللاجئين يبدو أنه في تزايد».

 وفي النهاية:

يمثّل هذا الصراع تجسيداً لحالةٍ مستمرةٍ من العجز العربيّ عن الحفاظ على الأراضي التي تمثّل عمقاً استراتيجيّاً وحيويّاً للإقليم ككل، ويحوي طُرقاً لمنابع النيل الشريان الحيويّ للدولة المصرية.

كما أخفقت الدول الإقليمية في إدارة الصراع أو التدخل فيه بأي وسيلةٍ دبلوماسيةٍ أو سياسية، ولا يوجد للجانب العربيّ أي ظهور يُذكر، بينما اليد العليا في هذا الصراع تظلّ للولايات المتحدة والاتحاد الإفريقيّ، وبقية الأطراف المتداخلة في الأزمة.

في حين تستمر إثيوبيا هي الأخرى في بناء سدودها على النيل واقتطاع حصّةٍ أكبر من المياه؛ في ظلّ عجز كلٍّ من مصر والسودان عن أي فعل، بما يعزّز من حالة التراجع التي تشهدها الدول العربية في الشمال الإفريقي، والغياب التامّ عن الصراعات التي كانت مسارحها ضمن الدولة المصرية حتى منتصف القرن الماضي.

التعليقات