الثلاثاء , 25 أبريل 2017
اخر الأخبار

دراسات وتراجم


كتب غرفة التحرير
6 يناير 2017 4:20 م
-
هل هناك علاقة بين الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للرؤساء وطرق ممارستهم السلطة؟!!

هل هناك علاقة بين الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للرؤساء وطرق ممارستهم السلطة؟!!

مركز المستقبل للدراسات المتقدمة

"إن وصول قائد من طبقة فقيرة للسلطة عادةً ما يؤدي إلى حدوث أزمة اقتصادية في البلاد".. هذه النتيجة الجدلية هي أبرز ما توصلت إليه الدراسة المعنونة "الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للقادة، وعجز الموازنة العامة: أدلة من دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية"، وقد قام بإعداد الدراسة كل من "فلوريان نيوميير" و"بيرند هايو" (أستاذا الاقتصاد بجامعة فيليب، ماربورج بألمانيا)، ونشرت في دورية "الاقتصاد والسياسة" في عام 2016.

تحاول الدراسة مناقشة تأثير شخصيات القادة والرؤساء في السياسات الاقتصادية في الدول التي يديرونها. وبشكل أكثر تفصيلاً، تحاول التساؤل حول مدى تأثير الخلفية الاقتصادية والاجتماعية للرؤساء قبل توليهم السلطة على السياسات المالية التي يتبعونها لحل مشكلات عجز الموازنة بعد توليهم السلطة.

 وقد شغلت قضايا الطبقة الاجتماعية اهتماماً خاصاً لدى هذه الدراسة، والتي افترضت أنّ عجز الموازنة من المتوقع أن يكون أكثر ارتفاعاً كلما كان القائد، سواء كان رئيساً في الأنظمة الرئاسية أو رئيس وزراء في الأنظمة البرلمانية، ينتمي إلى طبقة اجتماعية فقيرة مقارنةً بالقائد الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية عُليا. ومن ثم، فهي تفترض أنّ هناك علاقة بين الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للرؤساء وطرق ممارستهم السلطة واتخاذهم القرارات بعد توليهم السلطة.

الخلفية الاجتماعية.. والأداء الاقتصادي:

تشير دراسة نيوميير وهايو في بدايتها إلى عدة دراسات سابقة أسهمت في بناء علاقة ارتباطية بين خلفيات القادة وأداء السياسات الاقتصادية، فعلي سبيل المثال، لاحظ بعض الباحثين في علم الاقتصاد أنّ الأداء الاقتصادي لبعض الدول يختلف فور تغيّر القيادة السياسية فيها ممثلة في رأس السلطة التنفيذية. إذ أشارت دراسة "بنيامين جونز" و "بنيامين أولكن" الصادرة في فبراير 2015 تحت عنوان "القيادة الوطنية" والمنشورة في دورية quarterly journal of economics، إلى تأثير الهوية على القرارات الاقتصادية للقائد.

كما أشارت الدراسة المعنونة "هل القادة المتعلمون مهمون؟"، والتي قامت بتحليل العلاقة بين المستوى التعليمي للقادة والنمو الاقتصادي، معتمدة في ذلك على تحليل بيانات آلاف القادة السياسيين في الفترة ما بين 1875 إلى 2004، إلى أنه كلما ارتفع المستوى التعليمي للقادة زاد مستوى النمو الاقتصادي.

فيما توصلت دراسة "تأثير مهنة القادة السياسيين وتعليمهم على الإصلاحات" إلى أن القادة المتخصصين في الاقتصاد عادةً ما يميلون إلى اتباع سياسات ليبرالية. وأوضحت دراسةُ "الأفراد مقابل المؤسسات: أثر تعليم القادة على العجز العام" أن الدول عادةً ما تُصاب بعجز مالي كبير بعد وصول القادة المتخصصين في الاقتصاد إلى سدة الحكم على النقيض من السياسيين الذين يتمتعون بقدر كبير من المناورة، ولا يلتزمون عادةً بالنماذج النظرية المثالية السائدة في أدبيات الاقتصاد. حتى وإن كان القائد الجديد يتبع نفس التوجه الأيديولوجي الذي اتبعه سابقه.

عوامل نفسية واجتماعية:

تقوم دراسة نيوميير وهايو على إعطاء اهتمام كبير للطبقة الاجتماعية التي انتمى إليها القائد. وبشكلٍ عام، اكتسب التكوين الطبقي للمجتمع أهمية كبيرة منذ كتابات أفلاطون وأرسطو، وقد أضاف كارل ماركس أفكاراً هامة حول كيفية تشكيل الوعي في داخل الطبقات المختلفة تبعاً لتقسيم الأدوار التي تقوم بها كل طبقة في المجتمع. فالأفراد الذين ينتمون لطبقة واحدة لديهم سلوكيات وسمات شخصية متشابهة. واكتسب هذا التكوين الطبقي أهمية كبيرة لدى علماء الاجتماع. ولكن -في الوقت نفسه- تبرز تساؤلات كبيرة حول طريقة تعريف الطبقة، وكذلك الوضع الاجتماعي المصاحب لها.

ويزعم علماء الاجتماع أنّ الأفراد الذين ينتمون لنفس الطبقة الاجتماعية غالباً ما يتشابه سلوكهم في الحياة وكذلك طريقة تعاملهم مع المواقف المختلفة، وذلك لأنّ هؤلاء الأفراد غالباً ما يمرّون بنفس الظروف الاجتماعية، وتكون لهم دخول متقاربة، ويتلقون تعليماً متشابهاً، ويواجهون مواقف حياتية مشتركة، وهو ما يشكل وعياً واحداً تقريباً لدى هؤلاء الأفراد.

 وفي هذا الإطار، تقدم دراسة نيوميير وهايو مجموعة من التفسيرات النفسية والاجتماعية تعزز الافتراض الذي قامت عليه بأن وصول قائد فقير للسلطة يُعرِّض الدولة لمجموعة من الأزمات الاقتصادية على النحو التالي:

 1- محاكاة الخبرات السابقة: يؤكد بعض علماء النفس والاجتماع أن الخبرات السابقة تؤثر على إدراك الإنسان وتصرفاته، وقد يميل إلى محاكاتها من جديد بشكل غير واعٍ حتى لو كانت هذه المحاكاة تتم على نطاق أوسع. فعلى سبيل المثال، أشارت بعض الدراسات إلى أن الأشخاص من الطبقة الفقيرة يتقبلون فكرة الديون مقارنة بغيرهم.

2- الانخراط في أزمات الحاضر: أثبت عدد من دراسات علم الاجتماع عن طريق أدلة إمبريقية أن المستوى الاجتماعي للفرد يؤثر على درجة استعداد الفرد للمستقبل؛ إذ يميل الأشخاص من الطبقة الفقيرة إلى تأجيل إشباع حاجاتهم، وعادةً ما يركزون على كيفية إدارة مشكلاتهم في الحاضر مع إغفال التخطيط للمستقبل.

3- خطط قريبة المدى: تؤكد معظم الدراسات النفسية أن درجة ميل الأفراد للتفكير في المستقبل والتخطيط له تتأثر بمستوى التعليم الذي يتلقاه الفرد، فكلما زاد مستوى التعليم -سواء أكان تعليماً نظامياً أو غير نظامي- اتجه الفرد إلى وضع خطط مستقبلية بعيدة المدى، فيما يقوم ذوو المستوى التعليمي المنخفض بوضع خطط مستقبلية قريبة المدى، وبالطبع تؤثر الأوضاع الاقتصادية للفرد على مستوى التعليم الذي يتلقاه في كثيرٍ من الأحيان.

4- المخاطرة الزائدة: ترى بعض دراسات علم الاجتماع أنه عادةً ما يميل الأفراد من الطبقة الفقيرة إلى المخاطرة الزائدة، فهي أسلوب حياة قد يعتادون على اتباعه في ظل قناعاتهم بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، وبسبب تعدد العقبات التي يواجهونها في حياتهم في سبيل تحقيق أهدافهم وطموحاتهم يميلون للتشاؤم حول المستقبل، وبالتالي تُصبح لديهم رغبة في تحقيق ما يطمحون إليه بشكل فوري غير عابئين بالمستقبل.

5- تفسيرات اقتصادية مختلفة: أجرى عالم الاقتصاد J.Paul Leigh استبياناً في الولايات المتحدة في عام 1972 أثبتت نتائجه أن ارتفاع مستوى التعليم والأجور والانتماء لأسرة ثرية يجعل الأشخاص يميلون للتفكير في المستقبل. كما تؤكد بعض الأدبيات الاقتصادية أن الأشخاص الذين لا يخططون للمستقبل يصبحون أكثر تعرضاً للديون. وذهب استطلاع تم إجراؤه في النمسا في عام 2013 إلى التأكيد على أن الأشخاص من ذوي الدخل المنخفض والمستوى التعليمي المنخفض أكثر معارضة لتخفيض الدين العام.

وقد توصلت دراسة نيوميير وهايو إلى نتائج علمية تؤيد الافتراضات التي قامت بوضعها بناء على تحليل إمبريقي لبيانات 21 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خلال الفترة من (1980-2008)، وهي: أستراليا، والنمسا، وبلجيكا، وكندا، والدنمارك، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، وأيرلندا، وإيطاليا، ولوكسمبورج، واليابان، وهولندا، ونيوزلندا، والنرويج، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة.

فأولاً، توصلت الدراسة إلى نتائج تؤكد تأثير الوظائف التي كان يشغلها القادة قبل توليهم السلطة، فالفترات التي تولى فيها السلطة رؤساء كانوا يعملون بوظائف أكاديمية -والذين تعتبرهم الدراسة ضمن فئات اجتماعية مرموقة- اتسمت بانخفاض عجز الموازنة بنسبة 1% مقارنة بالرؤساء والقادة الذين تولوا وظائف ميدانية (مثل العمال)، والذين تعتبرهم ضمن فئات اجتماعية أدنى. وعلى المدى الطويل، ترتفع النسبة لفارق 7.7% في عجز الموازنة العامة بين المجموعتين، وهو ما يؤكد الافتراض الذي طرحته الدراسة.

رؤية نقدية:

وبغض النظر عن اتفاق النظرية التي تطرحها هذه الدراسة مع نظريات علم الاقتصاد والاجتماع، إلا أنّه لا بد من الإشارة إلى نقطتين هامتين لم تلتفت إليهما الدراسة:

أولاً: استندت هذه الدراسة إلى منطق شديد البساطة في التبرير للنتائج التي توصلت إليها، وهو ما لا يتفق مع واقع الدراسات العلمية وكذلك مع طبيعة الدولة الحديثة. فالدولة لا تتكون فقط من شخصية القادة، وإنما هي عبارة عن مؤسسات كثيرة متشابكة ومعقدة، وطرق اتخاذ القرار ليست بمثل هذا التبسيط على الإطلاق، إذ لا يمكن القول إنّ خبرات الرئيس السابقة عامل محدد بمثل هذه الخطورة، ومن ثم غض النظر عن كافة المؤسسات الاقتصادية المسؤولة عن رسم السياسات العامة في الدولة، والتي تضم العديد من الخبراء والمتخصصين الذين بدورهم ينتمون لخلفيات اجتماعية مختلفة ومتنوعة حتى مع افتراض صحة تأثير الانتماء الطبقي للقادة على طرق إدارتهم للمؤسسات.

ثانياً: أغفلت الدراسة الحديث عن طبيعة النظام السياسي في الدولة، وما إذا كان نظاماً ديمقراطياً أو سلطوياً. فهذا التحليل ربما يُمكن قبوله في دولة سلطوية، نظراً لما يتمتع به الرئيس في مثل هذه الدول من سلطات واسعة تمكنه من أن يكون رأيُه في العديد من القضايا هو القول الفصل. ومن ثم، يصبح تأثير شخصية القائد وخبراته الاجتماعية والوظيفية السابقة منطقياً.

أما إن كان النظام السياسي ديمقراطياً، وهو ما يعني حكم المؤسسات، ووجود حد أدنى من التوجهات الأيديولوجية للأحزاب السياسية الرئيسية في الدولة والتي تترجم إلى سياسات اقتصادية مُعدة ومعروفة سلفاً، وطرق اتخاذ القرار فيها تميل نحو الديمقراطية والتشاركية؛ فإنّه لا يمكن الجزم بقبول هذا المنطق في مثل هذه الدول على الإطلاق.

ولكن على كل حال، فقد أسهمت دراسة نيوميير وهايو على مستويين: المستوى الأول هو المستوى النظري، من خلال الربط بين السمات الشخصية للقادة وطبيعة البيئة الاجتماعية التي نشأوا فيها، وبين طرق اتخاذهم للقرارات الاقتصادية حال وصولهم للسلطة، وتأثير ذلك على الأداء الاقتصادي للدولة. أما على المستوى العملي، فقد أعطت هذه الدراسة إشارة للناخبين إلى أنّه من الأفضل التصويت لصالح الرؤساء الذين يتحلون بصفات معينة، كالوظائف الاجتماعية المرموقة، والخلفية الاجتماعية المقبولة، وهو الأمر الذي قد يُثير جدلا كبيراً بين مؤيدٍ ومعارض.



التعليقات