الجمعة , 20 يناير 2017
اخر الأخبار

ثقافة وفن


4 يناير 2017 7:11 ص
-
في ذكرى رحيل الدبلوماسي المقهور صاحب حكايات الأمس المشنوق

في ذكرى رحيل الدبلوماسي المقهور صاحب حكايات الأمس المشنوق

إيوان ليبيا - إعداد: رامز النويصري

كان لقائي الأول به عابراً، جعلني أبحث عن قصصه، خاصة وإن الأستاذ "محمد سعيد شبيعان" رئيس تحرير الشط (رحمه الله)، كان سعيداً بزيارته لمقر الصحيفة، وعقب خروجه حدثني عنه بحب.

المرة الثانية، كنت بمكتبه بمنطقة الظهرة، جلست إليه صحبة ابنته المحامية، ومر الوقت سريعاً، لتتكرر من بعد اللقاءات.

كما في إبداعه، كان إنساناً استثنائياً، ومميزاً في طريقة حديثه، وعرضه للأفكار، والمناقشة، خاصة وإنه يحسن فن الاستماع.

ولد "كامل حسن المقهور" في 1935، بمحلة الظهرة بمدينة طرابلس، من أسرة ميسورة الحال. أتم دراسته الابتدائية في مدرسة المحلة (مدرسة الظهرة)، ليسافر بعدها صبياً يافعاً إلى القاهرة، وسرعان ما بدأ يكتب القصص القصيرة التي لاقت طريقها إلى النشر في مجلات القاهرة الأدبية.

كان "المقهور" متميزاً بين أقرانه في مدرسة (بنبا قادن الثانوية)، فكان ترتيبه الأول، وكان أستاذه الجزائري الأصل يرى فيه نبوغ المغرب العربي في مشرقه. ليشق طريقه واثقاً إلى كلية الحقوق التي أختارها والده ولم يخترها هو، إذ كان يحلم بأن يكون مهندساً معمارياً.

سيرة مهنية عامرة.

وبحصوله على درجة الليسانس في الحقوق في عام 1957، سافر بعد ذلك مع زملاء له إلى باريس في دورة دراسية، إلا أنه وبناء على نصيحة أستاذه الفرنسي الذي قال له أن بلاده الفتية بحاجة إليه والى أمثاله للنهوض بها في تلك الفترة، عاد إلى بلده.

حياته المهنية، كمحامٍ ورجل قانون، كانت حافلة بالكثير من التجارب.

كان مدافعاً عن المساجين السياسيين في قضايا البعثيين والقوميين. ثم بعد ثورة 1969، فكان مدافعاً عن رجالات عهد ولىّ كانوا يرون فيه يسارياً،

قدم عصارة علمه وجهده في لجان مراجعة التشريعات النافذة وبما يتلاءم مع الشريعة الإسلامية، وشارك في مفاوضات الإجلاء، ومفاوضات تأميم النفط ومفاوضات الوحدة بين ليبيا ومصر والسودان مستشاراً قانونياً.

تولى منصب مستشار في المحكمة العليا، وفي بداية السبعينيات، تولى منصب ممثل ليبيا الدائم في الأمم المتحدة وسفيراً غير مقيم لدى كندا. وشارك مشاركة فعالة في أن تتبنى الأمم المتحدة اللغة العربية لغة رسمية من بين لغاتها، وفي أن تصبح فلسطين عضواً مراقباً لدى الأمم المتحدة. وكانت دول عدم الانحياز والعالم الثالث في أوج عنفوانها.

ثم عين بعد ذلك سفيراً في فرنسا وكانت العلاقات الليبية الفرنسية تمر بأزمات متقطعة بسبب الحرب الأهلية في تشاد، إلا أن تلك الفترة شهدت أول زيارة لجاك شيراك رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك إلى ليبيا.

ثم كان أول سفيراً لليبيا في الصين حيث افتتح أول سفارة ليبية هناك.

اختير وزيراً للنفط، وهو الذي نأى بهذه الأمانة عن السياسة وجعل منها أمانة فنية بمعنى الكلمة. وقد نتج عن نهجه هذا أن اختير بالإجماع أميناً لمؤتمر وزراء الدول الأعضاء في منظمة الأوبك لأول مرة من قبل وزراء دول كانت تشهد علاقاتها مع ليبيا فتوراً.

اختير ليساهم في فتح صفحة جديدة في العلاقات الليبية المغربية، أسفرت عن وضع لبنة الاتحاد المغاربي بتأسيس الاتحاد العربي الأفريقي (اتفاقية وجده). ووسم بوسام العرش من درجة قائد من المملكة المغربية.

في عام 1986 أنتقل المقهور إلى الخارجية وزيراً لها ولمدة سنة. كما ساهم في فترة لاحقة في وضع اتفاقية دول المغرب العربي بملاحقها في مراكش بصفته عضو في اللجنة القانونية. وعين بمرسوم ملكي عضو في أكاديمية المملكة المغربية، وكان أول شخصية ليبية يعين في الأكاديمية المغربية

أنهى حياته المهنية برئاسة الوفد القانوني المفاوض لدى الأمم المتحدة لحل أزمة لوكربي، ثم تولى رئاسة الفريق القانوني في دعوى لوكربي أمام المحكمة الأسكتلندية في لاهاي.

وسم بوسام العمل الصالح في عام 1978، تقديراً لإعماله المنتجة والمتصفة بالإتقان لصالح الوطن.

عالم القصة.

بدأ "كامل المقهور" نشر نصوصه القصصية في 1957، من خلال مجلة (هنا طرابلس الغرب). وبفضل أسلوبه المميز ولغته السلسة شد إليه الانتباه.

وفي قراءته لبدايات القصة الليبية، يقول الناقد أحمد "الفيتوري" في سياق حديثه تحت عنوان (جيل 57 بدايات الواقعـية الليبية.. مقاربة تاريخية): (...، لكن هذه الكتابة الأولى لم تخلق تياراً قصصياً رائداً، كما تخلق ذلك على يد من أسميتهم جيل 57، هذا الجيل الذي بدأ النشر مع نهاية الخمسينات واضعاً القصة القصيرة على رأس الحالة الإبداعية الليبية، وهذا في الحقيقية حصل في مجمل المنطقة العربية كذلك. وبالتالي فإن الريادة بمعنى إدخال هذا الجنس الأدبي في متن الثقافة الليبية كان الدور البارز فيه للفرد الذي هو هنا "وهبي البوري"، لكن من جعل من هذا الجنس الأدبي متناً في هذه الثقافة هو جيل 57 من: عبد القادر بوهروس، زعيمة الباروني، عبدالله القويري، خليفة التليسي، كامل المقهور، رمضان عبد الله بوخيط، أحمد العنيزي، طالب الرويعي، يوسف الشريف، يوسف الدلنسي. وغيرهم، وكان الأبرز في هذا الجيل هو التيار الواقعي الذي عد القصة انقطاعا عن التقاليد الثقافية السائدة وتواصلاً مع قارئ فك الخط لتوه وجماهير مضطهدة بالفقر والجهل والمرض، وأن القصة القصيرة بيان الحداثة في أدبيات التحرير والتحديث).

تميزت قصته بلغته السلسلة، وقدرته المذهلة على التصوير، ومنح المشهد كامل تفاصيله التي تجعلك جزءًا منه، حتى لكأنك ضمن دائرته. تقوم قصته على المكان، والشخوص المعجونون به، ولا تكاد تفصلهم عنه.

عام القصة عند "المقهور" عالم محتشد، وغني بالتفاصيل التي تجعل من النص حالة من البهجة على المستوى البصري، وعميق على المستوى النفسي، وهو استفاد ككاتب ن بيئته، وعرف كيف يحتفظ في ذاكرته بالكثير ممن عايش ومر به من شخوص وحوادث، فهو قريب منهم، عميق المعرفة بهم.

وبالرغم من تجربته الطويلة في كتابة القصة القصيرة، والتي بدأت على صفحات مجلة (هنا طرابلس الغرب) في 1957، إلا أن حجم ما نشر له من كتب، لا يتوافق مع هذه التجربة، زمنياً على مستوى الكم؛ في المقابل على مستوى الكيف، قدم "المقهور" قصة قصيرة مميزة، ومتطورة.

 صدرت مجموعته الأولى (14 قصة من مدينتي) في 1964، تلتها مجموعته (الأمس المشنوق) في 1968. ثم كتابه (هيمنة القرون الأربعة)، بعد 27 عاماً، وهو مجموعة مقالات، في 1995، ثم سيرته شبه الذاتية (محطات) في 1995. جاء بعدها كتابه (حكايات من المدينة البيضاء) في 1997، وهي مجموعة قصصية، تلاه كتابه (عن الثقافة وهموم الناس) وهو مجموعة مقالات في 1998، . (يا سمي صبي المي) وهو مجموعة قصصية، صدرت في 2000، وكانت أخر إصداراته (نصوص)، وهو مجموعة مقالات في 2000.

عطاء وعطاء.

كانت سيرته، المهنية غنية وثرية، وربما كان لها تأثير مباشر في استهلاكها للكثير من وقت "المقهور" كقاص، وخلال حياته توج بأكثر من وسام؛ فحصل على:

وسام العمل الصالح 1978.

نوط الواجب العسكري 1982.

وسام العرش من درجة قائد (المغرب) 1986.

وسام (الفاتح) 1989.

توفي في الـ4 من شهر يناير للعام 2002، بإيطاليا، بعد صراعٍ مع المرض، ودفن بمدينة طرابلس، بمحلة الظهرة مسقط رأسه، في 5 يناير من ذات العام، بمقبرة سيدي بوكر.

 



التعليقات