الثلاثاء , 28 فبراير 2017
اخر الأخبار

ثقافة وفن


3 يناير 2017 7:47 ص
-
طرابلس.. حوار قديم بين السرايا والمنشية

طرابلس.. حوار قديم بين السرايا والمنشية

 بقلم / زكريا العنقودي.

 ساحل المنشية، حزام من خضرة تتزين به خاصرة طرابلس، وبتحديد أكثر (قلعتها الحمراء)، السرايا. مقر الحاكم وهيبة الديوان، والتي بأروقتها يخاط السياسي من الأحداث، والتي تضم داخل أسوارها، حواريها، وبيوتها البيضاء وأزقة مدينتها القديمة..

ولأن الليبيين ترهبهم عزلة الأسوار، لذا وعلى طوال (زمن الأتراك) إلى أوائل القرن العشرين، لم يكونوا يوماً العنصر الأكثر من المقيمين داخل أسوار السراي، فأغلب قاطنيها هم من سيل الوافدين على طرابلس، والذي لم ينقطع انهماره طوال تلك القرون. عسكر وقراصنة، مغامرون وتجار، الذين دفعت بهم أحلامهم وعطشهم للمغامرة لمراودتها عن نفسها، فاتجهوا مسحورين، وكمن مسهم الجان صوب حمرة خدها، ليحققوا بعضاً من شهوة النصر والتي عادة ما كانت تتكسر على صخر شواطئها، أو ليشبعوا مطامعهم بجني الأرباح والتي لم تكن لتبخل عليهم ببعضها، فهي ودود دائماً، وقلبها مفتوح لكل من قصدها مسالماً، فتاريخها خارج صفحات الحروب سجل من تجارة ومدونة لتبادل المنافع والمصالح بين كل دول حوض المتوسط، في المحصلة ينتهي أغلبهم أسارى شباك غوايتها، فيتخلون عن واجب الرحيل لصالح رهان البقاء، ليتعايشو مع مزيج أهلها ويهيموا مع حضرة عشاقها، لينتهي بهم المطاف بعد أن عمروا بها البيوت وانجبوا الأولاد مرابطين، كحائط صد بصلادة صخرها يدفعون عنها أمواج البحر وغزاته.

 هؤلاء الطرابلسية المتجددين عبر تاريخها دائماً، هم متوسطيين أيضا. (أتراك ومقدونيين، مالطية وتكريتيين، ونابوليتانو وسيشليان). وغيرهم من مغامري وراكبي الأمواج من كل ضفاف بياض المتوسط.

قلة جداً من أهل طرابلس الاصليين من قطنوا مع هؤلاء داخل أسوار القلعة، وهم عادة ما يكونوا من الموظفين المهمين بالديوان، وبما أن الليبيين تكتم أنفاسهم الأسوار فأكثر هؤلاء ينتهي بهم النهار رفقة أهاليهم ببيوتهم خارجها. هناك حيث دفء أهليهم بساحل المنشية.

 طوال تلك القرون أقام الطرابلسية هناك لاشي يحجب عنهم الأفق بين سوانيهم وجداول خضرتهم هم هناك دائما وعلى طول الأزمان، هم من يفلح الأرض هم من يغرسونها وهم من يجنون الطيب من ثمارها، هم أيضاً من يربي الماشية ويجلبها من كل ليبيا لغرض تربيتها لتعينهم على خدمة الأرض أو لحليبها ولحومها، ومن فائض قوتهم يقيمون الأسواق لتبادل التجارة فيما بينهم ومع أهل مدينتهم من سكان القلعة ومع من يرد عليهم من زوار. هم أيضاً من يقوم باستقبال قوافل التجار وإعداد بضاعتها وهم من يعمل على شحنها للسفن الوافدة لترحل عبر المتوسط لتجول كل بلدانه.

المنشية وأهلها، هم العتاد والعدة والذين يستعين بهم الحاكم لصد الغزاة، فهم ذوي بأس وشدة، وبنفس عزيمة الفلاحة وأعمال التجارة، هم أيضا أكثر بأساً وعزيمة في حمل السلاح، فهم يحمون أراضيهم مصدر رزقهم وبيوتهم العامرة بولدانهم وبالخيرات، وأيضا يحمون قلعة مدينتهم أيقونة مجدهم وفخارهم فهم يعلمون قيمتها في مواجهة عواصم حوض المتوسط، وللمفارقة فهم أيضاً من لا يتوانون على الثورة على حكام السراي إن فكروا أن يعتدوا على حقوقهم وعملوا على إذلالهم بزيادة المكوس والضرائب.

المنشية وارف من ظلال تتكئ تحته سراي طرابلس، وبكد يعمل تحتها أهلها ليلفوا حول قلعتهم حزام من خضرة يمتد.. من (غوط الشعال) غرباً لـ(العلوص) شرقا.. 

المنشية، سواني سكرة، توتات بن جابر، سوق الجمعة، بير بومليانة قرقارش، شط الهنشير، وووو. المنشية الزيتونات ومعاصر الزيت، إرث الفينيقيين والرومان، النخلات ورطبها، ومنتوج سعفها وجريدها، ودوالي العنب وعناقيدها من فوقهم كالثريا معلقات.

المنشية البئر ذي السالفتين وصوت العذب من الماء يمر كنغم عبر السواقي يرسم على ملامح أرضها نقش للحياة.

المنشية، أهل طرابلس الكرام، ذبائح وولائم لقوافل القادمين من تجار (كل السبل تقود لمنشية طرابلس). وهم القادمون من كل أرجاء البلاد ومن خارجها من خلف الصحراء محملين بذخائر قارة كاملة أسمها أفريقيا، فيقيمون ضيوف على أهلها (كأنهم من أهلها) كرم بلا حدود فحتى لدواب القوافل (فنادق وكوريات) تقدم ماء للابل العطشى وبرسيم و(حدوات) للخيل المنهكة من تعب المسافات.

المنشية، هنا تنوخ إبل الحجيج القادمة من كل المغرب العربي، لينعم الحجيج بأسابيع من الراحة ببيوت أهلها البيضاء، يتداوى المرضى ويشارك أهلها معهم تلبية الحجيج وتسابيحهم وأذكارهم والدعاء، (لبيك للحج يا خالق الحياة)..

المنشية، تاريخ طرابلس المدينة من القدم، واكبت كل التحولات ببطء حركة التاريخ في تلك القرون، لكن حين تسارعت حركته زحفت عليها أسوار الحداثة، فأجبرت أهلها على تغيير عاداتهم، فسكنوا داخل أسوار البيوت الحديثة وهم من كانوا يوماً لا تقيدهم الأسوار، زال حزام الخضرة ووارف ظلاله بزحف الحجارة والإسمنت عليه، لكن روح المنشية لم تغادر أهلها، فاحتفظوا ببيوتهم بما أمكن من أثر ماضيهم فلا يخلوا بيت من بيوتهم من (فلة أو ياسمينة ) أو حوض يفوح بالـ(العطر والنعناع)، ووردة عربية حمراء تطل بخجل من فوق سور البيت الجديد، تتوق لحنين الزمن القديم، ربما حدث كل هذا، ربما غادرت المنشية الأرض. لكنها ظلت بقلوب أهلها عبق من وجد وقصة حب عذري ومسك ليل يفوح كلما هب النسيم.

 



التعليقات