الثلاثاء , 25 أبريل 2017
اخر الأخبار

دراسات وتراجم


كتب غرفة التحرير
2 يناير 2017 10:20 م
-
السيناريوهات المطروحة للتعامل الروسي مع الأزمة الليبية

السيناريوهات المطروحة للتعامل الروسي مع الأزمة الليبية

 مركز المزماة للدراسات البحوث

طويت مع العام 2016 صفحة هامة من تاريخ العلاقات الروسية – العربية، فقد عاد الدب الروسي بثقله من جديد إلى المنطقة، في فترة مفصلية من تاريخ المنطقة، حيث تشهد منذ عام 2011 موجة عنيفة من الاحتجاجات الشعبية امتدت من تونس إلى سوريا، بعدما أسقطت هذه الموجة في مسارها عددا من النظم الحاكمة في تونس ومصر وليبيا واليمن، وهزت بعنف استقرار النظام السوري لولا التدخل الروسي الذي أنقذ النظام السوري من سقوط حتمي ومؤكد، ولكن هذا التدخل أسفر، في نفس الوقت، عن هجرة الملايين من أبناء الشعب السوري الذين شردوا وغرقوا على حدود أوروبا، وتأبى المصالح الروسية إلا أن تقوم على رفات الأبرياء. فتشظت المنطقة بالتنظيمات الإرهابية بعد أن روجت إيران وسوريا للحرب المقدسة لحماية العتبات المقدسة في سوريا، باعتبارها حربا مقدسة بين الشيعة والسنة، فانخرطت الكثير من الميليشيات الشيعية من العراق ولبنان وإيران في هذه الحرب وزعمت أنها من أجل الدفاع عن المقدسات والعتبات المقدسة. وعجت المنطقة بتنظيمات مثل النصرة وداعش وغيرها وجميعها ترفع رايات دينية وتنشد أغراضا سياسية خاصة.

والواقع أن الإعلان عن وقف إطلاق النار الشامل في سوريا في 30 ديسمبر الجاري يثير الكثير من التساؤلات بشأن المستقبل السياسي في سوريا ومناطق النزاع في أجزاء أخرى من العالم العربي مع بداية عام جديد وفصل جديد من العلاقات، لاسيما في ليبيا، فهل تمتد استراتيجية روسيا في المنطقة للتدخل في ليبيا. وما هي الخيارات والبدائل المتاحة أمام روسيا للتدخل في ليبيا. هل تتبنى خيار التدخل المباشر أم التدخل غير المباشر أم التدخل من خلال القوى الإقليمية مثل الجزائر. فالواقع أن الدول الغربية أثبتت فشل التدخل العسكري في العراق وليبيا، كما فشلت في التدخل في عملية التحول السياسي وبناء التوافق الوطني بين القوى السياسية.

ومن المفهوم أن عودة الدب الروسي إلى المنطقة بالتأكيد لا ترتهن فقط بالأزمة السورية، أو بحليف إقليمي (النظام السوري) ترغب روسيا في حمايته، إنما الواضح أن روسيا ترغب في توسيع نفوذها في المنطقة ولا ترغب في أن تترك الساحة للولايات المتحدة والدول الغربية وحدها، وإنما تريد أن تمكث فيها لتوجه مسار التحولات السياسية في المنطقة في المسار الذي يحقق مصالحها، وهذا يضعها في منافسة محتدمة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، ما يتوقع معه إما أن تتوافق هذه القوى على توزيع الغنائم أو الاتفاق على المقايضات والصفقات السياسية المتبادلة بما يخدم مصلحة كل الاطراف، أو التنافس والانقسام ليدعم كل طرف دولي الطرف الداخلي الذي يخدم مصالحه. ومن ثم فإن ليبيا هي جزء من الخارطة الروسية التي تتبنى استراتيجية تعزيز نفوذها في كافة المنطقة، وثمة عوامل عديدة تستقطب الدب الروسي للتدخل المباشر وغير المباشر في ليبيا، فمسألة الثروات الليبية وملف الغاز تحديدا، هو بمثابة خارطة للأمن القومي الروسي، فجزء من الصراع مع الأوروبيين مرتبط بهذا الملف، ويمكن أن نشير في ذلك إلى ثلاثة خيارات روسية للتعامل مع الأزمة السورية، الأول، هو التدخل المباشر ويتطلب ذلك دراسة السياق الدولي والموقف المحتمل للقوى الدولية إزاء هذا التدخل، والثاني هو التدخل من خلال القوى الإقليمية ومن ثم دراسة السياق الإقليمي والقوى المرشحة لأن تلعب هذا الدور، والثالث هو تقديم الدعم والمساندة العسكرية لأحد الأطراف الليبية، وهذا يرتبط بدراسة السياق الليبي وأهم القوى المرشحة للحصول على المساندة الروسية، ويمكن أن نتناول ذلك بالتحليل في سياقه الدولي والإقليمي الليبي، مع تقديم رؤية استشرافية لتطورات الأوضاع على النحو التالي:

أولاً: السياق الدولي وخيار التدخل الروسي المباشر في ليبيا:

يعتبر خيار التدخل الروسي المباشر في ليبيا هو أحد أهم الخيارات والبدائل المطروحة أمام صانع القرار الروسي خاصة أن روسيا تبنت هذا الخيار في سوريا برغم المعارضة الغربية لتدخلها، ويمكن تحديد محددات هذا التدخل كالتالي:

تمثل ليبيا بوابة استراتيجية لأفريقيا، حيث التنين الصيني والحليف الأول للروس في مواجهة الغرب، وهو ما يمثل فرصة سانحة لمحاصرة المعسكر الغربي جنوباً، في رد على توسعه شرقا، وهذه قد تكون أهم ملامح الاستراتيجية التي من الممكن أن يبني عليها التدخل الروسي في ليبيا، كما أن التدخل الروسي سوف يعزز الوجود الروسي في منطقة شمال أفريقيا ومن ثم مد النفوذ الروسي في المنطقة، وربما يمكن هذا روسيا من إقامة قواعد عسكرية في مناطق استراتيجية مثلما فعلت في سوريا. كما أن ما يحفز روسيا للتدخل هو مسألة هجرة الإرهاب من سوريا إلى ليبيا وأنه سيكون عنوانا عريضا، في الأزمة الدولية، وهي هجرة عكسية ستحدث في ظل غياب الدولة في ليبيا، وسيكون هاجسا لروسيا.
يرى بعض الباحثين أن استراتيجية بوتين قد تسفر عن شراكة جديدة مع الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، إذا اختارت واشنطن دعم خليفة حفتر في معركته ضد المجموعات الإسلامية المتشددة، خاصة أن دونالد ترامب يعتبر التقارب مع روسيا أولوية، هو ما دعى الدب الروسي إلى التمدد خطوة باتجاه ليبيا، ولعل كثيرا من الدول الإقليمية المنخرطة في أزمات الشرق الأوسط، باتت مقتنعة أن دورها سيتلاشى تدريجيا في ليبيا على المستوى المتوسط، بالنظر إلى طبيعة التحالفات الجديدة، لكن التحالف الروسي مع ايران وتركيا والهند والصين ومصر وأخيراً الجزائر والمغرب يجمع التناقضات على المستوى الإقليمي والدولي، وينبئ بعام جديد مليء بالمفاجآت، فثمة تحالفات تنهار على حساب أخرى تتصاعد بشكل كبير. وقد تتعارض سياسات دونالد ترامب تجاه ليبيا، مع فلاديمير بوتين وقد تتكامل معه، إذا ما ذهبا لعقد يالطا جديدة ببعث النفوذ الروسي في سوريا مقابل استمرار النفوذ الأميركي في ليبيا.
بالنسبة لبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، فيلاحظ أن فرنسا هي جزء من المعسكر الشرقي في ليبيا وإن كانت مصلحتها الرئيسية بالجنوب الليبي، والذي يستعد المشير خليفة حفتر لاستعادته ليصبح من ضمن نفوذه، أما بريطانيا فهي تتكامل مع الإدارة الأميركية في الملف الليبي وإن اختلفا نوعيا في آليات إدارته وآليات المقاربة، وستعمل الإدارة الأميركية على تفكيكه، بموجة من العنف الجزئي، وستلعب الشركات العملاقة على إعادة تخريط النخب، كجزء من الاستراتيجية المستقبلية لملف تقاسم الثروات، لذا فإن الدور الروسي لن يكون إلا بقدر المصلحة ومسألة تطوره هي رهن التفاعلات الدولية والإقليمية المعقدة، لذا فإن التصادم مع الدب الروسي في الملف الليبي سيزيد من الأزمة في حوض المتوسط وفي أوروبا تحديدا، وستعمل الإدارة الأميركية على الحفاظ على حلفائها التقليديين، ودورها ونفوذها في ليبيا، وقد تتبنى تنفيذ استراتيجية غيرها في الملف الليبي، أما إيطاليا فيبدو أنها قد تتخذ موقفا مفاجئا للحكومة الإيطالية في الملف الليبي، والتحالف مع شريك جديد في ليبيا محليا.

ثانياً: السياق الإقليمي وخيار التدخل الروسي غير المباشر من خلال الحلفاء الإقليميين:

الخيار الثاني هو أن تتجه ليبيا للعمل من خلال الحلفاء الإقليميين مثل مصر وسوريا للتدخل غير المباشر في الساحة الليبية، وتعتبر مصر أبرز الفاعلين الإقليميين في الملف الليبي، والشريك القوي لروسيا، فيما تعد الجزائر أيضاً حليفاً قوياً لروسيا وتتمتع بعلاقات وثيقة معها، ومن ثم يمكن تنسيق موقف روسيا مع الجزائر ومصر ودعمهما لحل الأزمة الليبية بالشكل الذي يحقق مصالح هذه الأطراف، ولذلك شهدت الأيام الماضية تحركات مصرية وجزائرية مكثفة للتواصل مع المسؤولين الليبيين، وذلك كالتالي:

التنسيق الروسي مع الجانب المصرى، حيث تولي مصر الملف الليبي أهمية خاصة، كما أن هناك تقاربا كبيرا في وجهات النظر الروسية والمصرية حول الملف الليبي، وتبذل مصر جهودا كبيرة في تقريب وجهات النظر بين أطراف الأزمة الليبية، بخاصة بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها المواجهة مع تنظيم “داعش” الإرهابي، ومواجهته في مناطق متعددة من الأراضي الليبية، في سرت أو بنغازي وغيرهما. وقد دعت مصر خلال الأيام الماضية إلى بدء جولة جديدة من الحوار واستقبال المسؤولين الليبيين وشخصيات ليبية سياسية وحقوقية واجتماعية، بينها أعضاء في مجلس النواب وأعضاء مجالس بلدية، وممثلون عن مكونات اجتماعية، يتبعون جميعهم حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، والحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، وآخرون يتبعون المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي، وممثل عن أحمد قذاف الدم، والمنسق العام السابق للعلاقات المصرية-الليبية.

جاءت اجتماعات القاهرة على خلفية لقاءات مهمة شهدتها العاصمة المصرية خلال الفترات الماضية، حيث استقبلت القاهرة رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، وكذلك رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج والمشير خليفة حفتر والمبعوث الأممي كوبلر. وكان من الواضح خلال الاجتماعات حرص الجانب المصري المشارك على تأكيد أهمية الوصول إلى نتائج تصب في تحقيق مصلحة الشعب الليبي واستقراره، وهو ما دفع إلى إعداد الجانب المصري ورقة عمل، كانت محورا للنقاش بين المجتمعين في اليوم الثاني والأخير للاجتماعات، حين تم التوصل إلى مجموعة من التوصيات بين المشاركين على ضوء النقاشات المكثفة، التي دارت على مدار يومين. أما الثوابت، التي تم إقرارها في اجتماعات القاهرة، فتضمنت التشديد على وحدة التراب الليبي وحرمة الدم وأن ليبيا دولة واحدة، لا تقبل التقسيم وكذلك وحدة الجيش الليبي والشرطة الوطنية لحماية الوطن والاضطلاع بمسؤولية الحفاظ على مؤسسات الدولة الليبية واحترام سيادة القانون وضمان الفصل بين السلطات وتحقيق العدالة وترسيخ مبدأ التوافق وقبول الآخر ورفض أشكال التهميش والإقصاء كافة ورفض وإدانة التدخل.

التنسيق مع الجزائر، حيث دعت الجزائر المشير خليفة حفتر لزيارة رسمية بعد زيارته والمستشار عقيله صالح لروسيا، وتأتي الزيارة ضمن التحولات المهمة للجزائر، التي يمثل غرب ليبيا وجنوبها الغربي عمقا استراتيجيا ونقطة مهمة لتحصين نفسها من مخاطر تلوح في الأفق بسبب التجاذبات الداخلية والوضع المتأزم إقليميا. في المقابل فوت المجلس الرئاسي على نفسه الفرصة، ليحقق مركزا تفاوضيا أفضل، بعد تحرير مدينة سرت من تنظيم الدولة، وانخراطه بشكل خاطئ في تصعيد عسكري فاشل في الهلال النفطي، جعله يفقد مصداقيته الدولية.

كانت الجزائر قد أعلنت موقفا حياديا من الأزمة في ليبيا، وأعلنت في أكثر من مرة على لسان مسؤولييها أنها تقف على مسافة متساوية ومعتدلة بين كل الاطراف الليبية، ولهذا الغرض لعبت دورا كبيرا في الاتفاق الأممي الذي توصلت إليه الأطراف الليبية وانبثقت منه حكومة الوفاق التي باركتها لاحقا، فالأزمة في ليبيا بالنسبة للجزائر هي جزء من أمنها القومي واستقرار هذا البلد يهمها بدرجة كبيرة. ولذلك لا شك أن زيارة حفتر الأخيرة والمفاجئة تحمل في طياتها العديد من المعاني والأبعاد وربما تكون لها تداعيات على الملف الليبي في قادم الأيام، فالجزائر التي أصبحت في الفترة الأخيرة قبلة للمسؤولين السياسيين الليبيين بمختلف توجهاتهم تحاول أن تلعب دورا أكبر في المشكلة الليبية وقد يكون لها دور مؤثر في اتجاه تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة وإزالة الخلافات بينهم أو ربما في اتجاه حسم موقفها ودعم طرف على حساب الآخر. من الطبيعي جدا أن تستقبل الجزائر حفتر وهذا يعني أنها أصبحت تعتبره جزءا من الحل في ليبيا وفاعلا رئيسيا في المرحلة المقبلة خاصة بعد أن أصبح مدعوما دوليا ولديه ثقل داخلي.

جاءت زيارة حفتر للجزائر بعد زيارته مباشرة لروسيا والتي أثمرت عن نتائج إيجابية لصالحه، وبعد تحرير بنغازي من الجماعات الإرهابية إضافة إلى سيطرة الجيش الذي يقوده على أكبر قاعدتين جويتين في الجنوب إحداهما تتاخم الحدود الجزائرية، فكل هذا جعل حفتر في موقف قوي للتفاوض مع دول الجوار، ومن ثم يحتمل توسط روسيا في هذا اللقاء بين المسؤولين في الجزائر وحفتر خاصة أن علاقاتها جيدة مع الطرفين وتبحث عن نفوذ أوسع في المنطقة وعن تأييد أكبر لمواقفها تجاه الأزمة الليبية، وكان لزاما على الجزائر أن تكون سياستها أكثر انفتاحا على الجيش الذي يقوده حفتر واعتباره حليفا عسكريا داخل ليبيا من أجل التنسيق معه أمنيا وعسكريا لحماية حدودها خاصة من جانب الجنوب الليبي الذي يعج بالجماعات الإرهابية التي يقودها مختار بالمختار العدو الأول للجزائر وليس بخاف أن الجزائر يحكمها جنرالات وبالتالي العقلية الأمنية والعسكرية لا يفهمها إلا شخص عسكري وهذا ما وجدته وستجده الجزائر في شخص المشير حفتر.

ثالثا: السياق الليبي وخيار تقديم الدعم والمساندة للجيش الليبي:

تكشف الزيارات الرسمية للمسؤولين الليبيين لروسيا أن ثمة اهتماماً روسياً بالغاً بالوضع في ليبيا، ما يشير إلى أن توجهات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تشهد تحولاً جديداً نحو ليبيا، بعدما حقق مراده بدعم حليفه الأسد في سوريا، وأن توجهات بوتين هذه المرة تهدف إلى تعزيز صداقته مع قائد عسكري قوي في ليبيا هو المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر الآن على مساحة واسعة من الأراضي تفوق ما تسيطر عليه الفصائل الأخرى في ليبيا. ويمكن أن نشير إلى العوامل التي تعزز من التحالف الاستراتيجي والمساندة العسكرية للجيش الليبي والمشير حفتر على النحو التالي:

أصبح انتصار حفتر مرجحاً، ومن الواضح أنه يحصل على دعم عسكري ومالي ودبلوماسي روسي، وقد كشفت زياراته المتكررة لروسيا ومقابلة وزراء الدفاع والخارجية عن عمق العلاقة الاستراتيجية مع روسيا، حيث تزود روسيا حفتر في شرق ليبيا بالأموال والخبرات العسكرية. وباستطاعة روسيا تعزيز دورها في المنطقة من خلال ليبيا، ومن خلال بيع الأسلحة وصفقات أخرى عبر دعم حفتر في المواجهة بينه وبين حكومة فايز السراج، ويرى بعض الباحثين أن المفتاح هنا هو القوة العسكرية والسيطرة على النفط، وفي مثل هذه الظروف، باستطاعة حفتر فرض شروطه في طرابلس. وترى روسيا، أن هناك أفرادا – مثل حفتر في ليبيا- بإمكانهم تحقيق النظام، وبالتالي يجب تقديم الدعم لهم.

وقد أثارت تصريحات العقيد بالجيش الليبي أحمد المسماري، بأن القوات على درجة من الجاهزية لـمعركة تحرير طرابلس موجة كبيرة من الغضب لدى القوى المتنافسة، وكشفت عن احتمال وجود تنسيق روسي مع حفتر، في الوقت الذي أعلن فيه المجلس العسكري لمدينة الزنتان، أنّه لا يؤيد أي عمل مسلح يجر المنطقة الغربية إلى سفك الدماء والفوضى تحت أي مسمى من المسميات، والمعروف أنّ كتائب الزنتان على حالة خلاف متنامٍ مع المشير حفتر. وفي الوقت ذاته، بينما حذّر المجلس العسكري لمدينة مصراته، من “أي حراك عسكري داخل مدينة طرابلس”. وقال مجلس مصراته: “نرفض محاولات الفتنة وجر المنطقة الغربية والعاصمة طرابلس إلى الحرب بهدف الاستيلاء على السلطة”. وأعلن المبعوث الأميركي لدى ليبيا جوناثان ونير، عن رفضه لــلحلول المائلة للعنف. فيما أعلن الاتحاد الأوروبي رفضه لأي مواجهات عسكرية. وقال: إن الدعوات للمواجهة العسكرية تعتبر غير مسؤولة، وقد تنسف جهود بناء ليبيا مستقرة ومزدهرة لصالح مواطنيها.

ويتضح مما سبق أن تكلفة هذا الخيار تبدو أعلى من مكاسبه، لأنه يحتمل أن يؤدي دعم روسيا لخليفة حفتر باسم مكافحة الإرهاب إلى تصعيد الصراع في ليبيا وتقويض العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وبذلك تخاطر روسيا في ذات الوقت بإشعال المزيد من الصراعات في البلد الذي يعاني من الانقسامات. فتكلفة هذا الخيار تبدو كبيرة وأكبر من أي مكاسب محتملة، فقد فقدت روسيا على الأقل 4 مليارات دولار في صفقات الأسلحة ومليارات الدولارات في عقود الطاقة والنقل، بعد الإطاحة بالقذافي.

رابعاً: المستقبل السياسي:

في سياق التطورات على الساحة الدولية والإقليمية ومع احتمال التدخل الروسي في ليبيا سواء كان ذلك مباشراً أو غير مباشر سياسياً أو عسكرياً، فإن خيارات الحل السياسي لاتزال قائمة.

يتوقع أن تتزايد وتيرة الصراعات والتدخلات الخارجية بدرجة أعلى لدعم القوى الحليفة في ليبيا، وربما تتجه الدول الغربية أكثر إلى تأييد حكومة الوفاق مع زيادة التدخلات الروسية في ليبيا وتحركاتها الإقليمية خاصة أن روسيا تدعم بشكل علني وواضح الجيش الليبي وتؤيد موقف الدول الإقليمية مثل مصر والجزائر ورؤيتها للحل في ليبيا.

من ناحية أخرى يظل التوافق الدولي في ليبيا سيناريو محتملا في حالة المقايضة السياسية بين واشنطن وموسكو، في إطلاق يد روسيا في سوريا، في مقابل الاعتراف بالمصالح الغربية والأميركية في ليبيا.
يبدو أن خيار التدخل العسكري الروسي المباشر أو التدخل من خلال تقديم المزيد من الدعم والمساندة خيار أكثر تكلفة من خيار العمل مع الحلفاء الإقليميين مثل مصر والجزائر، ومن ثم يتوقع أن تواصل روسيا العمل بنهج يجمع بين الخيار الثاني والثالث وهو العمل من خلال مصر والجزائر مع تقديم مساندة للجيش الليبي تضمن له أن يحافظ على مركزه التفاوضي في المفاوضات القادمة.

 خامساً: خلاصة وتوصيات :

يجب أن تدرس الدول العربية خياراتها الاستراتيجية لحل الأزمة الليبية في ضوء المتغيرات السياسية الجديدة على الساحة الدولية والإقليمية، وخاصة مع إعلان وقف إطلاق النار في سوريا، ومن ثم دراسة السيناريوهات المحتملة للتدخل الروسي في ليبيا وتأثيرها على المصالح العربية.

قد يكون التدخل الروسي في صالح الدول العربية إذا اختارت التدخل غير المباشر والسياسي من خلال القوى الإقليمية مثل مصر والجزائر، طالما أن ذلك يعكس رؤية توافقية حول الحل السياسي في ليبيا ومواجهة الإرهاب وموازنة الدور الروسي لدور القوى الغربية التي تدعم قوى الإسلام السياسي على حساب استقرار ليبيا.

برغم توافق الإدارة الأميركية الجديدة لترامب مع السياسة الروسية على ضرورة محاصرة حركات الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية، لكن هذا لا يمنع التنافس وصراع المصالح بين الدولتين حول النفوذ في ليبيا، ومن ثم فعلى السياسات العربية أن تدرس خياراتها لحل الأزمة الليبية بالشكل الذي يحقق الاستقرار والسلام في ليبيا وعبر المنظمات الدولية والإقليمية وجامعة الدول العربية.



التعليقات