الأثنين , 29 مايو 2017
اخر الأخبار

دراسات وتراجم


كتب غرفة التحرير
31 ديسمبر 2016 10:30 م
-
السيناريوهات المتوقعة للتعامل مع الفكر الداعشي بدول المنطقة!!

السيناريوهات المتوقعة للتعامل مع الفكر الداعشي بدول المنطقة!!

مركز الدراسات الاستراتيجية

تمثل ظاهرة "داعش" او الدولة الإسلامية في العراق والشام، من خلال تحول تنظيم مسلح، يعد ارهابياً، وقادته محل متابعة أمنية من قبل السلطات العراقية والأميركية، الى مشروع دولة غير معترف بها ، أوكيان شبه دولة، او دولة خارج القانون والأعراف الدولية، وذلك بتمكن هذا التنظيم من السيطرة على رقعة جغرافية معتبرة بين العراق وسوريا. وهذا من الظواهر المتكررة في المنطقة: إمارة افغانستان في عهد طالبان، المحاكم الاسلامية في الصومال، الجماعات المسلحة في منطقة الازواد، بوكو حرام في نيجيريا ، واللافت أن هذه الكيانات السياسية الناشئة : إمارات، خلافة،..الخ. او محاولة السيطرة على رقعة جغرافية وادعاء تطبيق الشريعة فيها، واعتبارها قاعدة ومنطلق للجهاد، من الظواهر المألوفة لدى حركات التمرد، حيث تكون الفترة الزمنية قصيرة وغير قابلة للاستمرار، نتيجة للقلاقل التي تثيرها على مستوى المنطقة وعلى مستوى المجتمعات التي تنشأ فيها. وتكمن أهمية هذه الدراسة في محاولة التعرف على طبيعة هذه الظاهرة وتفكيك العديد من المفاهيم والمعطيات الغامضة حولها، ووضعها في السياق الاقليمي والاجتماعي والسياسي لها، وذلك من خلال محاولة الإجابة عن الأسئلة الآتية: هل سيستمر ما يسمى تنظيم الدولة الاسلامية في التوسع؟ وما هي عوامل استمراره، وما هي مؤشرات تراجعه وتقلصه؟ ما هي المخلفات والنتائج المترتبة على مواجهته في المنطقة؟ بالنسبة إلى المجتمعات الخاضعة لسيطرته، وبالنسبة إلى الدول في المنطقة؟

المنظمات الإرهابية والدول الفاشلة

هناك اعتقاد سائد بأن المنظمات المسلحة الإرهابية، تستفيد من الفراغ الذي يتركه انهيار دولة، وتزدهر نشاطاتها في الدول الفاشلة والمنهارة، وهذه وجهة نظرة تقليدية، غير دقيقة، بخلاف دراسات تثبت بأن الارهاب الدولي ظاهرة عالمية تشارك فيها أطراف متعددة، وتخضع لديناميات العولمة، تمثل الدول القوية وغير الفاشلة مصدرا للتجنيد والدعم، لكنه يزدهر أكثر في دول تتميز بنظام تسلطي وقمعي، وانتهاكات واسعة لحقوق الانسان، ووجود صراع وانقسام بين النخب السياسية ، وتسجل مستويات عالية في مؤشرات فشل الدولة. أو أن الدول التي هي بصدد الفشل ، والتي تتطور فيها حلقات العنف التي تمتد اثارها لمناطق وأجيال عمرية مختلفة، هو الذي ينشئ هذه الظواهر، والتي يمكن اعتبار الجماعات الارهابية جزءاً من المجموعات الاجتماعية، وتنظيمات المجتمع المدني، التي تظهر كمحاولة من المجتمع لتنظيم نفسه، ومعالجة الاحتياجات الاساسية مثل غياب الامن، وانتشار السلاح، وحل النزاعات بطرق عنيفة، والحاجة الى الامن والاستقرار والسلطة لتنظيم شؤون الحياة العامة، بعد انسحاب الدولة او ضعفها الشديد. لكن هناك دراسات تؤكد على أن الإرهاب والمنظمات الإرهابية لا تنتج بصفة آلية عن النظم الفاشلة او النظم التي هي بصدد الفشل او في النظم المنهارة، بل هي أكثر ارتباطا بطبيعة النظام السياسي والسياسات المنتهجة داخل الدولة، فالنظم التسلطية والنظم التي تقل فيها فرص المشاركة السياسية، والنظم التي تشهد مرحلة انتقالية نحو الديمقراطية هي التي المرشحة اكثر لتنامي الظاهرة الإرهابية فيها، كما أنها مرشحة للظهور في الدول والمجتمعات التي تشهد صراعات وانقسامات عرقية وإثنية وطائفية. إن نظرية المؤامرة التي تسود في العديد من الكتابات الصحفية، لا تسعف في الاجابة على العوامل الاجتماعية والسياسية والاختلالات الامنية، التي تجعل هذه الظاهرة تتكرر من فترة لأخرى، فبغض النظر عن المستفيد من هذه الظواهر والتنظيمات المسلحة، وعقم الفكر المؤامراتي التي نسبها الى عدة اطراف، الى درجة التضارب والتناقض. صحيح من ناحية جزئية إمكانية تورط الدول الاقليمية والكبرى في لعب دور في بروز هذه التنظيمات الإرهابية، أو محاولة اختراقها وتوجيهها، إلا انه من الصعب التحكم في تطور التنظيمات الارهابية وحركات التمرد والتي قد تتفلت عن السيطرة، او تنتهز فرصة الدعم التي توفرها بعض الدول لهذه التنظيمات، في محاولة لمواجهة نفوذ دولة منافسة، على غرار دعم باكستان لتنظيم طالبان في بداية الالفية، لمواجهة النفوذ الايراني والهندي في أفغانستان، إضافة الى أن المعطيات الاجتماعية وظروف الأزمات السياسية الحادة المتزامنة والمتجاورة مكانيا بين العراق وسوريا، تضيف العديد من المتغيرات في تعقيد المشهد الحالي والمستقبلي لظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية المعروف في الإعلام العربي والإقليمي بداعش.

تنظيم “الدولة الإسلامية” خلفية تاريخية وايديولوجية

يمثل تنظيم "الدولة الإسلامية" امتداداً لفكر وإيديولوجية وتنظيم القاعدة، وامتداداً للسلفية الجهادية، مع تحويرات وخلافات تكتيكية وفرعية في وضع الأولويات وطبيعة العمل الميداني، وهو ما ظهر في الكتابات المنسوبة لقادة التنظيمين، وما كشفته من خلافات بين تصور قادة تنظيم القاعدة مثل أسامة بن لادن والظواهري، والقادة الأوائل لتنظيم الدولة الاسلامية قبل الاعلان عنها. وقد مر هذا الفكر والتنظيم بمراحل عدة، ويكشف المسار التاريخي أن الضربات الأمنية التي تتعرض لها مثل هذه المنظمات، في ظل غياب بديل ايديولوجي مدني سلمي منافس له، من العوامل القوية التي تساعد في تمدده، وانتشاره، وظهوره في أماكن كان الى حد قريب من المستبعد ان يسود فيها مثل حالة مجتمعات القوقاز، وحالة المجتمعات الأفريقية ودول الساحل التي كانت تسود فيها ثقافة طرقية معادية للسلفية من الناحية التقليدية. هذا الفكر السلفي الجهادي يمكن فهم انتشاره في اطار المناخ الذي عرفته الشعوب العربية والاسلامية في المنطقة من خلال ما يأتي:

ـ تجربة أفغانستان والجهاد الأفغاني: هذه التجربة سمحت بتوفير مناخ جديد لنشأة السلفية الجهادية، وتحول العديد من الحركات الاسلامية ذات التوجه الجهادي الى ساحة افغانستان، لتدريب عناصرها، وتزودهم بالمزيد من الخبرات الفكرية والقتالية، كما ان تخبط الدول في التعامل مع ما سمي "العرب الافغان"، وصعوبة اندماجهم في مجتمعاتهم، وتعرضهم للملاحقات الامنية، سمح بانتشار الحركات الجهادية في ما بعد وخصوصا في الجزائر والصومال، والقوقاز، إضافة الى الدور المتنامي لتنظيم القاعدة في تأطير وتدريب الأفغان العرب،  وتحولها في ما بعد إلى أخطر منظمة ارهابية تستهدف الأمن القومي الأميركي.

ـ فشل تجارب الاسلام السياسي: ونقصد به فشل مشاريع اسلمة المجتمعات الاسلامية، ومحاولة تطبيق الشريعة وتطبيق نماذج للحكم الاسلامي، في صيغة متأثرة بنماذج الايديولوجيات المعاصرة، في اطار صيغة: "الإسلام هو الحل"، وهو ما حاولت القيام به جماعة الاخوان المسلمين في مصر وبقية انحاء المنطقة العربية والاسلامية، وجماعة المودودي في باكستان. هذا النموذج من الإسلام السياسي الذي حاول ان يبرهن على اعتداله وتقربه من الحداثة، بانتهاج طرق سلمية، ودخول البرلمانات والانتخابات، لكن فشله في المحصلة، حسب أوليفيه روا هو "فشل الاسلام السياسي" في تحقيق أهدافه المستحيلة، فما يطلق عليه روا الاسلاموية، فإنها: "فقدت رونقها وتراجعت الى نوع من السلفية الجديدة، ليس لها دور جيوسياسي"، ومن جانب آخر فمحاربة النظم التسلطية للحركات الاسلامية في المنطقة ومحاولة إضعافها وإخراجها من الحلبة السياسية، على غرار ما يحدث في مصر في عهد السيسي، اعطى ذريعة ومبررا للحركات الجهادية في زيادة حججها وقدرتها في إقناع الشباب الراديكالي والمتحول حديثا نحو الالتزام في إثبات عقم الاسلام السياسي وفشله، وعدم الجدوى من انتهاج النهج التعددي الديمقراطي، بل وتكفير الداعين إليه. حيث يرى العديد من الدراسين، ان انتكاسة الاسلام السياسي وتراجعه تحل محله السلفية، بمختلف تياراتها، خصوصا السلفية الجهادية، في المجتمعات التي تعاني من استقرار امني واجتماعي.

ـ فشل الدولة القومية والدولة الوطنية وانهيارها: وهذا جاء نتيجة السياسات الاستبدادية لكل من صدام حسين في العراق، ومغامراته العسكرية في الحرب مع إيران وغزو الكويت، واستعداء الدول الكبرى، خصوصا الولايات المتحدة والتي انتهت بغزو العراق، وتدمير البنية التحتية للسلطة والدولة العراقية، اما في سوريا فسياسات بشار الأسد ونظامه التسلطي العائلي، وحزب البعث والجيش السوري وهي مؤسسات تسيطر عليها الأقلية العلوية، أدت هذه السياسات الى تنامي الاحتجاجات وتحولها الى حراك مسلح، وانهيار للسلطة في العديد من مقاطعات سوريا، وتزايد الراديكالية في الفصائل الثورية المناهضة له، واستغل التنظيم هذا الوضع في السيطرة على مناطق الرقة ودير الزور وطرد الفصائل المسلحة.

ـ غزو الولايات المتحدة للعراق والتدخل الاجنبي: اذا أنه بدل ان يحسن من الوضع الامني لتواجد القوات الاميركية، وخصوصا بعد 11سبتمبر، فانه ورط الولايات المتحدة في مناطق عدة، وتسبب في تحطيم مؤسسات الدولة العراقية وخصوصا مؤسساتها الامنية والدفاعية والتي قام بحلها الحاكم العسكري بول بريمر، وفتح المجال امام الانفلات الأمني وتنامي شعبية الحركات الجهادية، حيث أصبحت مناطق متفرقة في العراق خارجة عن السيطرة الفعلية للحكومة المركزية. وفي هذا الصدد، يعلق أحد خبراء الإرهاب على ذريعة محاربة الارهاب والدول الداعمة له، في تبرير غزو العراق، بان الولايات المتحدة بدل أن تقضي على الارهاب العالمي، فقد فتحت له جبهة جديدة.

ومن ناحية تاريخية، تعود جذور هذا التنظيم إلى مجموعة التوحيد والجهاد التي أسسها الأردني المشهوربأبي مصعب الزرقاوي، وبعد غزو العراق من قبل الولايات المتحدة الأميركية توجه التنظيم بنشاطه الى الساحة العراقية، حيث توسعت شبكاته التنظيمية، ليتحول عام 2004 إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ويعلن الزرقاوي بيعته لزعيم تنظيم القاعدة أنذاك: أسامة بن لادن ، ظهر تنظيم "الدولة الإسلامية" الى الوجود بعد تحالف تنظيم القاعدة في العراق مع مجموعات جهادية عراقية اهمها: مجلس شورى المجاهدين في العراق عام 2006، وليعلن تنظيم القاعدة في العام نفسه عن ما سماه الدولة الإسلامية في العراق. ورغم الضربات الأمنية التي تلقاها بين أعوام 2006 و2008، وتمكن التحالف الأمني بين القوات العراقية وقوات الصحوات والقوات الأميركية في طرد التنظيم من مناطق الأنبار، حيث تم القضاء على 80% من القيادات البارزة للتنظيم، لكن انسحاب القوات الأميركية من العراق، وتمكن التنظيم من توزيع عناصره الى مجموعات صغيرة وخلايا نائمة، مكنته من استرجاع زمام المبادرة والقيام بالعديد من العمليات العسكرية التي استهدفت قادة الصحوات، واستهدفت العديد من المقرات الحكومية في العاصمة، بغداد، وبعد تدهور الأوضاع في سوريا، اعلن التنظيم تمدد نشاطه إلى سوريا، بعد التحاق قسم كبير من اتباع جبهة النصرة به، وفي عام 2012 اعلن أمير التنظيم بدء عمليات عسكرية سميت "حملة هدم الأسوار"، تمكن فيها التنظيم من مهاجمة العديد من السجون، وتحرير المئات من الأسرى.

من الناحية الفكرية، يمثل هذا التنظيم تطورا للفكر السلفي الجهادي، القائم على: ضرورة بعث وإحياء الجهاد او "الفريضة الغائبة" في هذا العصر، تكفير الحكام، تكفير الديمقراطية والبرلمانيات، كما له موقف رافض لثورات الربيع العربي، كما اصدر احد منظري هذا التيار: ابو محمد العدناني الناطق الرسمي باسم هذا التنظيم، بيانات يهاجم فيه التوجهات السلمية للثورات، ويعتبر مرسي والغنوشي وسائر اطياف الاسلام السياسي السلمي، امتداداً لمبارك وبن علي. حيث اصدر هذا الاخير نشرية في كفر الجيش المصري، وانه" "جيش صائل"، وانه بحسب تعبيره: "يحمي البنوك الربوية، وحامي حمى .. جيش صائل انتهك الاعراض...، فهل يقول عاقل إنه لا يجوز قتاله!!"، فمن خلال أدبيات تنظيم "الدولة الإسلامية"، فهو يهاجم وينتقد بشدة تنظيمات الاسلام السياسي: الاخوان المسلمين، ... وكل التيارات القريبة منه.

عوامل انتشار وانتصارات "داعش":

هناك عوامل عدة خاصة بالوضع المتازم في العراق وسوريا، سمحت لتنظيم الدولة الاسلامية بتنظيم صفوفه، واعادة انتشاره، اضافة الى التحالفات الجديدة التي عقدها مع تنظيمات مسلحة محلية، اضافة الى محاولة كسب ولاءات عشائرية. ويمكن حصر العوامل التي أدت الى صعود هذا التنظيم في:

فراغ القوة والسلطة في سوريا والعراق: فقد تفاجأ المراقبون ووسائل الاعلام أمام الانتصارات السريعة والمفاجئة، وانهيار الجيش العراقي، أمام مقاتلي "الدولة الإسلامية"، رغم محدودية عددهم(16)، وهذا يعود إلى ضعف المعارضة السورية وانقساماتها وانهيار الجيش السوري والعراقي، ساعد هذا في تمدد التنظيم في ظل اختلال موازين عسكرية ميدانية، فقد تعرض الجيش العراقي حديث النشأة الى معارك استنزاف مع الفصائل العراقية المسلحة والمقاومة للمحتل الأميركي، ثم مع فصائل مسلحة شيعية مثل جيش المهدي، ثم مع معارك استنزاف مع القاعدة في المناطق السنية، إضافة الى الاختراق الذي تعرض له بهيمنة الميليشيات الشيعية على القوى الأمنية ومعظم القيادات العسكرية، وانتشار الفساد في مؤسسات الجيش، وسوء تسليحه في المناطق السنية، وإضعاف الميليشيات الداعمة له من الناحية الأمنية في المناطق السنية(17)، هذه المعطيات وفرت فرصة لتدريب نوعي لعناصر "الدولة الإسلامية"، وتدفق العديد من المتطوعين من مختلف الجنسيات، وخوضه لمعارك شرسة مع قوات النظام السوري، سواء في اطار جبهة النصرة، وبعد انشقاق التنظيمين عن بعضهما عن بعض، مثل الهجوم على مطار منغ العسكري، والهجوم على مطار الطبقة العسكري.

الخبرة التنظيمية والقتالية: باختيار المعارك وتموقع "الدولة الإسلامية" في مناطق ملائمة ومناسبة له، فقد انتشر التنظيم في مناطق بعيدة عن السلطة المركزية ومعروفة بكثافة سكانية أقل، وبوجود معارضة مسلحة ضعيفة، ومناطق عانت من التهميش والظلم من السلطات، وشهدت معارك سابقة مع الحكومة العراقية، إضافة الى المناطق التي سيطرت فيها المعارضة السورية، والتي تم انهاكها نتيجة حروب الاستنزاف مع قوات الجيش السوري، ولذا فقد تمكن التنظيم في وقت قياسي من طرد العناصر والتنظيمات المناوئة له في مقاطعة الرقة بسوريا، وتمكن من إضعاف المنافسين له في العراق من الناحية الميدانية على غرار الجيش الاسلامي، ما وفر له سلطة فعلية على الأرض في المناطق السنية بالعراق، كما استفاد من تجاربه السابقة في التعامل مع العشائر العربية ومحاولة استمالتها وعدم فرض إيديولوجيته الصارمة على المناطق التي يحاول السيطرة عليها(18).

تغير أسلوب المعارك واستراتيجياته القتالية: فإضافة الى نوعية الأسلحة التي استولى عليها التنظيم، حيث لعبت ظروف الحرب الاهلية، وعدم استقرار الاوضاع في مناطق السنة بالعراق والحرب الاهلية في سوريا، على استيلاء وتسرب اسلحة نوعية الى التنظيم، ما جعله من أقوى التنظيمات من ناحية التسليح، ففرط القوة جعله ينخرط في أعمال عسكرية نوعية، وبعض هذه العمليات العسكرية سمحت له بالاستيلاء على كميات ضخمة من الأسلحة النوعية. مثل سيطرته على مدينة الموصل واستيلائه على الأسلحة الثقيلة التي خلفها الجيش العراقي، هجومه العسكري على مطار الرقة بسوريا واستيلائه على أسلحة وذخيرة بكميات ضخمة. إضافة الى سرعة التحرك والمناورة وعامل المفاجأة، جعلته يسيطر على المدن العراقية الشمالية الغربية وقسم كبير من منطقة الرمادي.

الاستراتيجية الاعلامية للتنظيم وشبكات الدعم: عرف هذا التنظيم كيف ينظم دعايته الحربية، منذ بداية انتشاره وخصوصا ترويج مناظر القسوة في التعامل مع اعدائه، والترويج لحرب أهلية بين السنة والشيعة، وأنه تنظيم يدافع عن السنة في العراق وسوريا ، وذلك عبر الوسائط الاعلامية الأكثر تطورا وتقدما وخصوصا شبكة الانترنت، عبر مواقع التويتر، والهاشتاغ، حيث يرى ج م بيرغر أن التنظيم استغل الاليات الاعلامية الشبكية، "ليروج لمشاهد العنف، ويجلب المزيد من المقاتلين في صفوفه، ويحرض "الذئاب المنفردة". اضافة الى الدعاية الجيدة للمضامين التي ينادي بها، استعمل التنظيم التخويف على نطاق واسع، الى درجة أن مدنا بكاملها، تم الهروب منها ونزوج المدنيين منها، كما حدث في العراق بعد اجتياح الموصل، بعد ورود انباء عن اقتراب دخول تنظيم "الدولة الإسلامية" اليه ، هذا العامل هو الذي سهل دخول هذا التنظيم الى الموصل وبقية المدن العراقية السنية الأخرى، وهروب الاف العراقيين من اقلية اليزيديين من سنجار، والمسيحيين من الموصل والمناطق المجاورة لها، حيث قام بتخيير المسيحيين بين اعتناق الاسلام او دفع الجزية او الحرب، لكن اليزيديين كانت لهم خيارات أقسى: اما اعتناق الاسلام او مواجهة الحرب والسبي.

قوة، وفوضى امنية عانت منها مناطق السنة في العراق والمناطق في سوريا.

 تحديات استمرار كيانية الدولة الجديدة”داعش”

لقد تحول تنظيم "الدولة الإسلامية" من منظمة مسلحة إرهابية الى تنظيم عسكري عال الكفاءة والتنظيم، وتمكن من بسط سيطرته ونفوذه وسلطته على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وتحول الى سلطة وكيان: "شبه دولة"، أو سلطة تدير مناطق تسيطر عليها بصدد بناء دولة state building وهنا مجموعة من الأسئلة تطرح حول ذلك: ما مدى تقبل المجتمع الدولي لكيانات سياسية، معادية لقيم المجتمع الدولي ولمعايير التنظيم الدولي والمنظمات الدولية على غرار الأمم المتحدة، وما مدى استمرار هذه التنظيمات الراديكالية والمتطرفة؟ وما هو الثمن الذي ستدفعه المجتمعات لمواجهة هذه التنظيمات؟

إن أكبر تحد يواجهه تنظيم "الدولة الإسلامية"، وخصوصا بعد اعلانه ما يسمى "الخلافة" في 29 يونيو 2014،  وتحوله إلى سلطة متمردين عابرة للقوميات وللأمم ، هو رهان الحكم والحفاظ على المناطق التي يحكمها، اذ يرى علم السياسة: ان مسألة بناء السلطة والحفاظ عليها اكثر صعوبة من مواجهتها او تدميرها.  ومن أهم هذه التحديات التي يمكن أن تعتبر تحد أمام تنظيم "الدولة الاسلامية" في الاستمرار والبقاء:

ـ مشكلة حكم المناطق وإدارتها: فهناك تحد في إمكانية السيطرة وحكم مناطق عانت من ويلات الحرب للعديد من السنين، حيث تعاني مدن مثل الرقة ودير الزور، من أوضاع مزرية، وتدهور للبنية التحتية، وغياب الخدمات الصحية، وارتفاع اسعار المواد الغذائية. لكن هذا التحدي جابهته التنظيم بتحوله الى سلطة بديلة للدولة، فقد أنشأ التنظيم هيكلية مؤسسية لحكم المناطق وإدارتها، شملت تقديم الخدمات العامة، وتسيير الخدمات المدنية، والشؤون الحياتية للمواطنين، وأجهزة أمنية وقضائية تضبط الأمن وتفصل في النزاعات القضائية، وتقيم العقوبات، وسلطات تشرف على حماية المستهلكين والرقابة على الأسواق، وهو ما تجسد في إعلانات الدولة في المناطق التي تسيطر عليها، حيث أعلنت عن مجموعة من القوانين: إعلان تطبيق الشريعة الاسلامية، تحريم التدخين، إجبار المواطنين على ارتياد المساجد وغلق الاسواق والمحلات في اثناء الصلاة، ومن يخالف ذلك سيواجه عقوبة الجلد والتعزير، تحريم حمل السلاح لمن لا ينتسب للدولة وتحريم حمل أي راية أو علم ما عدا علم الدولة او تنظيم "الدولة الإسلامية"، إضافة الى المشاكل المالية والاقتصادية المتعلقة بادارة المصالح العامة: حيث أن التسيير اليومي لحياة المواطنين سيواجه المزيد من الصعوبات.

ـ إعلان الخلافة ومواجهة مجموعة كبيرة من الخصوم والأعداء: إن اعلان "الدولة الإسلامية" الخلافة يهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، منها زيادة تعقيد أي محاولة أميريكية للتدخل في المنطقة لهزيمة التنظيم وجعلها باهظة التكلفة، وخصوصا بعد التطورات الميدانية للتنظيم بعد استيلائه على الموصل والمدن الواقعة في الشمال الغربي للعراق، وإعلان الخلافة، قد يثير اصطفافا كبيرا للحركات الجهادية عبر العالم خلف التنظيم وإثارة العديد من الأحداث الإرهابية في العالم الغربي من قبل انصار التنظيم، ولذا يرى توماس هيجهامر أن إعلان الخلافة حقق للتنظيم فائدتين استراتيجيتين: تأجيل التدخل العسكري الأميركي، وزيادة مخاطر اي تدخل عسكري غير مدروس، وثانيا: تحقيق دعاية واسعة عالمية لزيادة التجنيد في صفوفه ، فإعلان الخلافة كان له تأثير في ازدياد عدد المجندين والمنضمين إليه من الأجيال الشابة للجهاديين، وذلك على حساب فروع القاعدة عبر مختلف انحاء العالم، جعل هذا التنظيم يتورط في مأزق كبير، يتعلق بفتح الباب أمام مجموعة من الاعداء والخصوم والمنافسين، والمحاربة على إيديولوجية عدة جبهات مع تنظيم القاعدة ورموز الفكر الجهادي السلفي الذين تحفظوا عن إعلان الخلافة ، وعسكري وامني مع الحكومات والدول التي يحاربها التنظيم ويحاول توسيع نشاطه فيها، حيث أعلن التنظيم عن خريطة توسعاته المستقبلية، وشكل فروعا له في مصر في منطقة سيناء وفي ليبيا في منطقة درنة، إضافة الى ترويجه لوجود بيعات وتأييد له من قبل المنظمات الجهادية المسلحة في أفغانستان وباكستان والصومال". لكن، وفي المقابل، فإنه نظراً الى طبيعة التنظيم التوسعية ومحاولته بناء دولة غير معترف بها دوليا، وإيديولوجيته المعادية لكل الدول القائمة في العالم، يبدو من غير المنطقي والواقعي استمرار هذا النوع من الكيان السياسي في البقاء لفترة طويلة،  وذلك بسبب انه فتح امامه جبهات معادية عدة، فقد فتح جبهات قتال برية كبيرة، تمثل أحد التحديات الجدية في المنظور القريب أمام احتمال تعرضه لتراجعات عسكرية كبيرة، واحتمال قيام تحالف عسكري قوي، تمثل البشمركة والجيش االعراقي احد الأطراف القوية فيه لمحاولة دحره وهزيمته.

ـ مشكلة الحفاظ على ولاء السكان المحليين: لقد ساهمت الممارسات القمعية للقوات العراقية في المناطق السنية، في نشوء الحراك السني ومطالبته بحكم ذاتي على غرار المناطق الكردية، لكن مواجهة الحكومة لهذا الحراك السلمي بمزيد من القمع والتقتيل، حول سكان المناطق السنية الى دعم التنظيمات المسلحة، وخصوصا تنظيم الدولة، حيث يرى الكثير من المواطنين في الموصل والمدن العراقية أن تنظيم الدولة خلصهم من كابوس حكومة المالكي وممارساتها القمعية ، لكن استمرار السكان المحليين في تقبل وجود سلطة التنظيم على مناطقهم، تبقى موضع تحد بالنسبة إليه، حيث يبرز مشكلة ولاء السكان لهذا التنظيم من دون قوة مسلحة، ومن دون فرض أساليب العقاب والتخويف، وهذا ما حدث مع قبيلة الشيعطيات التي حمل بعض افرادها السلاح ضد التنظيم، وقد تمكن التنظيم الى حد ما من التحكم في هذا التمرد، عبر قتل المئات من افراد هذه القبيلة، وتهجير أفرادها من قراهم ، كما لجا التنظيم الى استقطاب الزعامات والأعيان المحليين، وأخذ البيعة منهم ، وهذا الأسلوب اتبعه تنظيم الدولة الاسلامية منذ بداية تأسيس القاعدة، ومحاولة القاعدة التوسع والتحالف مع تنظيمات مسلحة أخرى، فقد تم تشكيل تحالف موسع سمي مجلس شورى المجاهدين، وبعد ذلك عقد تحالف عشائري على مستوى مدينة الفلوجة وضواحيها عرف بحلف المطيبين، هذا الحلف مهد للإعلان عن تأسيس ما سمي دولة الاسلام في العراق ISI، في عهد حامد الزاوي المدعو أبو عمر البغدادي ونائبه المدعو أبو أيوب المصري، واللذان قتلا في غارة جوية قرب تكريت في 2010.

ـ مشكلة اعتراف المجتمع الدولي ومجابهة العقوبات العسكرية والاقتصادية: فنظرا إلى إعلان التنظيم عن نفسه كدولة إسلامية ومحاولة بسط نفوذه على المزيد من المناطق في العراق وسوريا، واضطهاده للأقيات غير المسلمة مثل المسيحيين والإيزيديين، وإعلانه عن ممارسات مخالفة للقانون الدولي المعاصر ومستفزة وصادمة للرأي العام الدولي، تعود الى ممارسات مجتمعات العصور الوسطى: مثل السبي والاسترقاق وقتل الأسرى من طريق الذبح وفصل الرأس عن الجسد وتحطيم الآثار والمعالم التاريخية. فهو بذلك يمثل تحدياً للمجتمع الدولي المعاصر على المستوى الإقليمي والمستوى الدولي: فعلى مستوى النظام الاقليمي أعلن التنظيم عن إلغاء الحدود بين العراق وسوريا، وتحدى واقع التقسيم الذي فرضته اتفاقية سايكس بيكو في المنطقة، كما أن إعلانه للخلافة على العالم الاسلامي يمثل تحديا مباشرا للشرعية الدينية للملكة العربية السعودية وإشرافها على الأماكن المقدسة، والمرجعية الدينية للسلفية الوهابية عبر العالم، ومثل تهديداً مباشراً للدول التي انتشر فيها نموذج تنظيم الدولة، والتحاق فروع المنظمات المسلحة الجهادية بتنظيم الدولة الإسلامية، بإعلان البيعة له. وعلى المستوى الدولي فطبيعة الدولة العايرة للحدود والقائمة على الرابطة الدينية تخالف أساس قيام الدول المعاصرة على اساس سيادة الدولة الأمة، إضافة الى الانتهاكات الصادمة لحقوق الإنسان التي يعلن عنها التنظيم، والتي ترقى الى الجرائم الدولية وفق القانون الدولي المعاصر، ويعطيها تبريرات دينية، تجعل العالم الغربي وأجزاء واسعة من العالم الاسلامي تنظر إليه كتنظيم شمولي يشكل تهديدا جديا للأمن الدولي، وهذه التطورات التي يعلن عنها التنظيم، تمثل استفزارا لدول المنطقة وللولايات المتحدة، وتدفع التحالف الدولي القائم حاليا إلى تعزيز خططه بعمليات عسكرية برية ستزيد من صعوبة احتفاظ التنظيم بالسيطرة الميدانية على الأرض، لكن ليس دون خسائر معتبرة في الأرواح وفي المعدات، نتيجة تمرس التنظيم في امتصاص هذا النوع من الضربات العسكرية.

ـ مشكلة التعامل مع الأقليات الدينية والمجموعات المذهبية المخالفة: وهي تعد مشكلة وتحد لوجود العديد من الأقليات في المنطقة، فقد استهدف الأقلية اليزيدية والمسيحيين، وقام بتهجيرهم من المناطق التي يسكنونها منذ آلاف السنين، إضافة الى استهداف اليزيديين بالسبي والقتل. باعتبارهم كفار مرتدين، أما الشيعة فهم مستهدفون بالقتل باعتبارهم مرتدين، ورغم صدور العديد من البيانات المطمئنة من التنظيم بنفي تهمية التكفير عنه، وعدم استهدافه للعوام من الشعب، تظل المخاوف قائمة من برنامج التطهير العرقي والمذهبي، والذي تغذيه أوضاع الحرب الأهلية الطائفية القائمة في العراق وسوريا، حيث لا تتردد الميليشيات الشيعية من جانبها في مشروع التهجير والتطهير الطائفي ضد السنة في المناطق التي تسيطر عليها.

سيناريوهات الوضع في العراق وسوريا

هناك تصميمات عدة للسيناريوهات المحتملة لاستمرار الأوضاع الصراعية مع تنظيم الدولة، وذلك انطلاقا من تصورات عدة مختلفة، وانطلاقا من الفواعل والمتغيرات المفتاحية التي يمكن أن يقيم بها المشهد الحالي وتطوراته المحتملة، ضمن السيناريوهاات الاكثر احتمالا، والسيناريوهات الممكنة والمتوقعة، فيرى كولين توكر أنه بناء على معطيات الأحداث، فهناك ثلاث سيناريوهات لمستقبل "الدولة الإسلامية"، سيناريو أقل احتمالا وهو حدوث تحول المنطقة الى ما اطلق عليها "مفرمة لحم" بالنسبة إلى الحركات الارهابية مثل جبهة النصرة وحزب الله وتنظيم الدولة، وهناك سيناريو أكثر خطورة يتمثل حدوث تدخل بري للقوات الأميركية، وما يترتب عليه من ردود فعل بالنسبة إلى دول الجوار، وهناك السيناريو الأكثر احتمالا وهو استعمال القوة المرنة، ومحاولة إضعاف تنظيم الدولة تدريجاً من طريق الضربات الجوية، ونشر قوات خاصة وشبكة استخبارات متدرية.

من الناحية المنهجية، تبنى السيناريوهات المستقبلية، وهي احتمالات مستقبلية لتطور ظاهرة بناء على الاتجاهات السائدة، أو بناء على مجموعة من المتغيرات التي تحدد تطور الظاهرة، كما ان تقنيات رسم السيناريوهات تتعدد، بناء على اعتماد الطرق الكمية والطرق الكيفية، ومدى استعمال الحدس والاستقراء في بناء السيناريوهات، ونحن في هذه الدراسة سنركز على متغيرين مفتاحيين، هما: متغير بقاء واستمراية التنظيم ومتغير موقف الفواعل الدولية ( الدول الإقليمية والدول الكبرى). وهذا المتغيران قد يكونان محصلة ونتيجة لمتغيرات فرعية أخرى، وينتج من كل مجموعة من الاحتمالات مشاهد مستقبلية متوقعة وشـاذة وهـي كـل سيناريوهات المفاجئة وبعيـدة الاحتمال ومستـوى الانحـراف Deviation  بين بدائل  Alternativesالسيناريوهات المحتملة.

فيقاء التنظيم يمكن أن يشمل: احتمال استمرار التنظيم في التوسع والقوة، (وهو امر جد مستبعد بناء على معطيات عدة استراتيجية وسياسية وعسكرية)، أما سيناريو اضعاف التنظيم وتقلص مناطقه، فهو السيناريو الاكثر قرباً من مجريات الاحداث . والسيناريو الأخير هو القضاء النهائي على التنظيم من خلال تصفية قياداته وإخراجه من كل المناطق التي يسيطر عليها وتفكيك بنيته القيادية والعسكرية، وهو عمل يتطلب جهود تنسيق دولية ومحلية، وتسوية للعديد من الملفات الخلافية بين الحلفاء المحتملين: معالجة النفوذ الايراني في المنطقة العربية، تسوية أزمة الاحتقان الطائفي السني الشيعي في العراق، ازدياد مشاركة السنة في العملية السياسية في العراق، تغير النظام السياسي في سوريا أو إيجاد تسوية سلمية للأزمة السورية، الخلاف الإيراني مع الغرب في ملف النووي الايراني. كما يرتبط بهذه السيناريوهات العديد من المتغيرات الفرعية الاخرى: استراتيجية التحالف الدولي، استراتيجية التمدد التي ينتهجها التنظيم وتوسع مناطقه، وتحوله الى دولة عابرة للقوميات، وبداية مؤشرات تعامل واعتراف بعض دول المنطقة به كامر واقع. التدخل الايراني في المنطقة إضافة الى الدول الأخرى الاقليمية مثل تركيا والمملكة العربية السعودية، تحول الأكراد الى قوة برية يحسب لها حسابها، تمكن القوات العراقية من تأهيل قوتها. تراجع التنظيم الى الحدود السورية، والمتغير المهم في تحديد هذه المشاهد هو القرار الاميركي بخوض حرب برية بدل استعمال الهجمات الجوية.

السينايو الأول: توسع وتمدد التنظيم، هذا السيناريو يحتوي بدوره على مجموعة من السيناريوهات الشاذة والمفاجئة، وذلك قد يحدث بناء على توسع التحالفات التي يعقدها التنظيم مع العديد من الشبكات الارهابية والحركات الجهادية عبر العالم، وازدياد شعبية التنظيم نتيجة الخسائر المادية الكبيرة للمدنيين، تمكن التنظيم من السيطرة على المزيد من المناطق في سوريا والعراق، ونقل المعركة الى بغداد ودمشق، ومحاولة التعويض عن مناطق خسرها التنظيم بمناطق اخرى. وهذا السيناريو قد يرتبط باقتصار التحالف على الضربات الجوية من دون حسم بري، وباستمرار ضعف الأداء الحكومي العراقي وتزايد التدخل الايراني في الشؤون الداخلية للعراق وسوريا واليمن، وانقسام المعارضة المسلحة للنظام السوري، وسيطرة الجمود على جبهات القتال بينها وبين النظام السوري. كما قد يريتبط هذا المشهد ببقاء التحالف الدولي، وحدوث مواجهة مباشرة بينه وبين التحالف الشيعي الايراني وبتزايد النفوذ الايراني في العراق وسوريا. وفي التقارير الاميركية الاستشرافية للمستقبل قد يرتبط تنامي قوة التنظيم نتيجة انتشار فكرة الخلافة وتزايد الشعبية والتأييد لها في العالم الاسلامي السني.

السيناريو الثاني وهو اضعاف التنظيم نتيجة: حرب برية تقودها الولايات المتحدة او تكون هي الفاعل الرئيسي فيها، بمشاركة الاكراد، وفصائل من الجيش الحر في سوريا والجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي والعشائر السنية العراقية، تحت غطاء جوي كثيف. وتراجع التنظيم الى الجبال والصحاري وسقوط المدن التي كان يسيطر عليها، كما انه من المحتمل ان يلجأ التنظيم الى أسلوب التفجيرات في المدن، وحرب استنزاف في المنطقة، ونظرا إلى ضعف أداء الجيش العراقي والسوري، واستنجاد الحكومتين بالمساعدة الايرانية، فقد يتزايد التدخل الايراني في العراق وسوريا، وهو يشكل عنصراً غير مرغوب فيه من قبل الدول الإقليمية الأخرى التي ترى في النفوذ الايراني في المنطقة بعين الارتياب والتخوف مثل السعودية وتركيا. كما أن هناك احتمال تحول مركز التنظيم الاقليمي الى سوريا، وتحديدا منطقة الرقة، أو تحول التنظيم الى دولة افتراضية وشبكة تنظيمات ارهابية تتنشر في مناطق التوتر في العالم الاسلامي: افغانستان، باكستان، سيناء في مصر، ونيجيريا.

السناريو الثالث وهو القضاء على التنظيم، عبر طرق واستراتيجيات عدة، وهو امتداد للمجموعة الفرعية لسيناريوهات الفئة الثانية، ويتمثل ذلك في القضاء على التنظيم إما: من طريق حرب برية جوية تشمل العراق وسوريا، او بانهيار التنظيم داخليا، بفعل اختراق مخابرات الدول المجاورة، واستهداف القيادات الكبيرة، وعمل بري مكثف يجمع بين التدخل الاميركي البري والقوات العراقية والميليشيات الشعبية، وقد يرتبط بهذا السيناريو تراجع النفوذ الايراني في العراق وسوريا، وتزايد التدخل الاميركي في المنطقة من جديد، إذا كان الحسم العسكري والميداني والسياسي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وقد يؤدي هذا المشهد الى تعزيز النفوذ الايراني في المنطقة اذا كان لإيران من طريق الحرس الثوري والميليشيات العراقية الموالية لها في العراق وسوريا دور في ذلك. فهذا السيناريو يصعب تحقيقه من دون دخول الولايات المتحدة في تحالف موسع يشمل الاكراد والقبائل والعشائر السنية في العراق ودول اقليمية مثل ايران، تركيا والمملكة العربية السعيودية ومصر، بقيادة حرب برية وجوية مباشرة مع التنظيم، مع ما يتوقع من خسائر كبيرة للمدنيين، وفي البنية التحتية للمنشآت الخدمية في المدن، وخسائر معتبرة لقوات التحالف البرية، في مناطق الصراع مع التنظيم، هذا السيناريو قد يفتح المجال لسيناريوهات أخرى بتحول عمل هذا التحالف الى أطراف بديلة ما بعد تنظيم "الدولة الإسلامية".

 خاتمة

من المرجح ان الانتصار والتمدد السريع لتنظيم "الدولة الإسلامية"، سيعقبه انحسار سريع لقوات "الدولة الإسلامية" من معظم المناطق والمدن التي تسيطر عليها وخصوصا في العراق، بعد الشروع في حملة عسكرية مضادة له تقوده الولايات المتحدة الأميريكية، على غرار الحملة العسكرية التي قامت بها فرنسا ضد الجماعات الجهادية في اقليم الازواد، وذلك لتزايد قوة هذا التنظيم ونياته التوسعية، على مستوى العراق ثم على مستوى سوريا وبقية بلدان العالم الاسلامي، وذلك نظرا إلى حجم التهديد المتنامي والعابر للحدود الصادر من هذا التنظيم، ما يفتح امامه جبهات متعددة وواسعة، فاندثار التنظيم يكمن في إيديولوجيته واستراتيجيته التوسعية. لكن قرار التدخل البري وحجم هذا التدخل ومجال هذا التدخل إضافة الى حجم التحالف الموسع المليء بالتناقضات والخلافات. وهو تحالف تشارك فيه دول عربية وإقليمية عدة ودولية إضافة الى فواعل محلية في العراق وسوريا مثل الأكراد وقوات الحشد الشعبي والعشائر العربية والفصائل المقاتلة، مرتبط أيضا بمعالجة العديد من القضايا الخلافية بين الفواعل الاقليمية في المنطقة الداخلة في التحالف وخصوصا إيجاد تسوية بين حلفاء الولايات المتحدة حول الملف السوري واليمني والملف النووي الايراني. إضافة الى ضرورة كسب ولاء السكان المحليين والعشائر العراقية والسورية في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم، ومن دون هذه الترتيبات المدروسة، ستكون عملية التدخل البري لإنهاء التنظيم ذات كلفة عسكرية وبشرية عالية. ومع ذلك يمكن ان يترتب على التدخل البري انتشار التنظيم الى مناطق أخرى، سواء بتقلصه الى مناطق داخل سوريا، او تحوله الى حرب العصابات



التعليقات