الأثنين , 27 مارس 2017
اخر الأخبار

دراسات وتراجم


كتب غرفة التحرير
30 ديسمبر 2016 3:46 م
-
بعد مرور مائة عام علي “سايكس بيكو” .. كيف تدمرت الحدود و الهويات الإقليمية بالعالم العربي ؟!!

بعد مرور مائة عام علي  “سايكس بيكو” .. كيف تدمرت الحدود و الهويات الإقليمية بالعالم العربي ؟!!

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

لقد مرت مائوية اتفاق “سايكس بيكو” التي وقعت يوم 16 ماي 1916 ، وسط تجاهل عربي لامس النسيان  بما في  ذلك  من الغرابة لا بحكم اهمية هذه الاتفاقية ودورها الحاسم وفي صناعة التاريخ العربي المعاصر فحسب ، ولكن ايضا لترسّخ معنى “سايكس بيكو” في الذاكرة السياسية العربية ، بل وحتى في  اللغة السياسية اليومية. فكم من موقف غربي وصف بانه “سايكس بيكو” جديد . وكم من راي عربي اعتمد مثال “سايكس بيكو” لبيان المؤامرة العالمية التي يعتقد انها تُحاك ضد العرب. ومع ذلك ، فها هي مائوية هذا الحدث التاريخي تباغتنا كما باغتنا من قبلها الاتفاق السري نفسه. ولئن كان التساؤل عن اسباب ذلك ضروريا ، فان الاهم  هو استيعاب التحديات التي تعيشها الاقطار العربية في ظل انهيار الجغرافيا السياسية التي انشاتها حدود “سايكس بيكو”.

اولا: نهاية “سايكس بيكو”  من الحلم الى الكابوس

تجسد اتفاقية “سايكس بيكو” في الثقافة العربية كل الشرور التي تحيط بالاستعمار. فهي محطة تمر بها كل دراسة للتاريخ الجيوسياسي العربي في القرن العشرين. دون ان يقتصر ذلك على البلدان المعنية مباشرة بتقسيم 1916. فقد امتد معنى الكلمة في الثقافة السياسية العربية ليشمل الاعتباطية الاستعمارية في رسم الحدود. بما يعني ان الحدود الرسمية لكل الدول العربية   بما انها ميراث الاستعمار تمثل في مخيلة الشعوب نتيجة مباشرة او غير مباشرة لاتفاق “سايكس بيكو”. وقد وقف الاجماع العربي على  مناهضة هذا الميراث عند المستويات السالبة. اذ انه لم ينتج حركة ايجابية تسعى بجدية لتجاوز منطق “سايكس بيكو” الذي رسم حدودا ،انشات عالما نرفضه ، ولكن كما يرفض كل انسان عادي عالمه ، اي مع التشبث به والعجز عن رسم معالم عالم اخر يرتضيه. وقد تعددت المشاريع الداعية للوحدة وتنوعت مبادؤها، ولكن كثيرا ما اصطدمت بحقيقة الجيوسياسة . فكانت تنتهي باصحابها الى التقوقع على الحدود المرسومة ،مع اتهام خصومه السياسيين بعرقلة مجهود الوحدة، وكثرة تكرارا هذه الحجة انحرف بها الى الابتذال. فساد الاعتقاد بان غاية المشاريع المعلنة لا تعدو ان تكون التلاعب بأحلام الشعوب من اجل اكتساب رمزية او دعم شرعية. وبالتالي ،تكون السياسة العربية قد فرضت على نفسها سجنا مضاعفا. فلاهي قبلت بواقع “سايكس بيكو”، استغلالا للعقود المتتالية من اجل تحويل الموروث السّلبي الى قاعدة قطرية تكتسب الشرعية من خلال المراكمة التجريبية. ولا هي ارست اركان نظام جديد يحقق حلم انهاء واقع “سايكس بيكو” وبعد مائة  عام  آن اوان دفع ضريبة التّلاعب بمشاعر الشعوب، وكانت “داعش” العنوان الابرز لهذا الحصاد. فيوم 29 جوان 2014، يوم نُصّب ابو بكر البغدادي نفسه خليفة للمسلمين،قامت عناصره بكسر الحدود التي تفصل بين العراق وسوريا وهو عمل  منعدم الجدوى استراتيجيا. ولكن أثره الرمزي كان مدويا باعتباره مثل ابرز تحد ملموس لعالم “سايكس بيكو”. وفيه رسالة لاجيال اُشبعت كراهية تلك الحدود “ان اقبلوا فهذا العدو قد ادبر”. وفيه توظيف لتراكمات عقود من الاحباط والشعور بالعجز ،واستفادة من موروثيْن كثيرا ما تصادما في التاريخ السياسي للعالم العربي. ففي اعلان الخلافة استجابة لمن يعتبرون ان نهاية الدولة العثمانية عام 1923 كانت قد حرمت المسلمين من رمز وحدتهم ، فجعلتهم كهشيم السّيل .وفي كسر الحدود تلبية لمن يحلمون بتوحيد أوطان العرب من المحيط الى الخليج. اي ان النخب السياسية الرسمية منها وغير الرّسمية، كانت قد أفنت عقودا وهي في غفلتها وضيق حساباتها تمد طريق التطرّف الى قلوب الشعوب. وقد تضاعفت المرارة منذ ذلك الحين. فبعد ان كان ميراث “سايكس بيكو” اللّعنة التي يامل العرب رفعها ، أصبحت التّرياق الذي يبحثون عنه  فلا يجدونه. بل ان العودة اليه قد اصبح الحلم الذي تبيعه اليوم أنظمة عربية طالما وعدت من قبل بالوحدة او الاتحاد. فخطر الارهاب، الذي أصبحت “داعش” تمثل عنوانه الابرز ، قد أثار غريزة البقاء لدى الافراد والجماعات فأصبحت ترى في حدودها مصدرا للأمن لا رمزا للاستكبار. كما ان مستنقع الحروب الاهلية الذي غرقت فيه بلدان كالعراق وسوريا ولبنان و ليبيا، يفرض اعادة  النظر في الخريطة الجيوسياسيّة للعالم العربيى، مما ينهي عمليا عالم “سايكس بيكو” ولكن بغير ما توقعت الشعوب. فصار الحلم كابوسا وأمسى التفكيك اقرب الى الواقع من التركيب. اي ان نهاية “سايكس بيكو” لن تكون على يد وحدة عربية ،بل على يد تجزئة مجزء وتفتيت مفتت. وليس هذه النتيجة بطبيعة الحل حتمية. ولكنها احتمال تعززه عوامل كثيرة يختلط فيها الموضوعي بالثقافي والسياسي بالاستراتيجي. وتجد الاشارة الى ان التفكيك ليس حكرا على العالم العربي. فهو ظاهرة ميّزت العلاقات الدولية منذ بزوغ نجم مبدا حق الشعوب في تقرير مصيرها في  القرن الماضي. اذ وضع  هذا المبدا حدا  للشرعية التجريبية التي طالما حظيت بها الطبيعة الامبراطورية  للعلاقات الدولية , فاصبح ينظر اليها على انها امبريالية ، اي غير شرعية. مما يعني ضمنيا ان الدولة لا تكون شرعية الا اذا كانت تعبيرا عن أُمّة او قومية.

وبما انه يستحيل الاتفاق على مفهوم جامع للأركان المؤسسة لهذه المفاهيم،فان تنزيلها على الواقع نسبي بالضرورة. وهي تخضع لعلاقات القوة التي تربط بين الدول ومكوناتها المختلفة في الداخل  من جهة ،وبين الدول ومحيطها الجغراسياسي من جهة أخرى. ومن ثمة حرص الدول على انشاء هويات اقرب ما تكون الى الانسجام داخل حدودها. وفي ذلك تحميل للحدود  الرسمية وظائف غير مؤسساتية. باعتبارها وعاء لرمزيات تنشا من خلالها أساطير مؤسسة تعيد صياغة الهويات في اطار التدرج نحو التماهي بين المساحات الجغرافية للدولة المعنية والتعين المكاني للهويات التي تمثلها.وهي وظيفة ما كان لحدود “سايكس بيكو” ان تظطلع بها. فاسطورتها المؤسسة سلبية، بل انها مرتبطة بالاستعمار لا بأشكاله القديمة فحسب بل بتمظهراته الجديدة أيضا. والتي  سعت بعض الانظمة العربية الى التركيز عليها من اجل اضعاف شرعية منافسيها في الداخل والخارج. وهي لم تكن تعلم ان مثل هذه المواقف السلبية انما تشكّل مساءلة غير مباشرة لحدودها التي لم تستطع التخلص من أدران “سايكس بيكو”  وذلك رغم مرور عشرات السنين على تثبيتها. فرغم وجود هويات قطرية لا فائدة في إنكارها، لم يكفّ الخطاب السياسي عن تغذية رفض مخيلة الشعوب لحدودها من خلال جرعات متفاوتة في قوتها،مختلفة في أشكالها، لكنها اشتركت في تمزيق الهوية ، وأوغلت في تنويع أبعادها بين قطرية وقومية ودينية ومذهبية ولغوية ومحلية وجهوية.

وهي أبعاد لا تتعارض بالضرورة ولكن توظيفها السياسي جعلها تنتهي الى التعارض. فلما كانت الحدود اعتباطية أصلا فانها اخترقت بالضرورة أجساما هوَوية متعددة. وهو ما اغرى القوى السياسية المختلفة باستغلالها في إطار صراعاتها الظرفية وفي ذلك اغفال لحقيقة جغراسياسية ذات أهمية بالغة. فاعتباطية الحدود تعني أيضا ان مجالات الدول التي تحويها كانت مخترقة من قبل هويات اقلية ، اي من حدود كامنة. فهذه الانتماءات   يمكنها ان تفرض حقائق هووية مختلفة داخل الوحدة الجغرافية للدولة القطرية مما يعني ان هويات الدول التي نشات بعد الاستقلال والتي ارتبطت بأنظمتها القائمة لم تكن من القوة بحيث تهيمن على الهويات الدينية والطائفية واللغوية والاثْنية والقبَلية التي ضمّتها. بل ان هذه الهويات الجزئية كثيرا ما كانت ناجعة في إنشاء أساطير مناهضة لدول كانت قد بدت عورات أنظمتها . ومن الطببعي ان الشعور الهوَوي ، باعتباره ميالا الى الذاتية المتعصبة ، لا يميز كثيرا بين الأنظمة والدول.
ثانيا: الهويّات الوطنية بين التعدّد والانقسام.

لا يعني ما سبق إنكار الهويات الوطنية بدول كسوريا والعراق ولبنان وغيرها. فلا يمكن لحدود دامت عقودا ان لا تترك بصمتها على الشعوب التي احتوتها بمختلف مكوناتها، ولكنه يفسر الهشاشة البنيوية للهويات القطرية،تلك الهشاشة  التي برزت بعد أزمة انظمة الحكم العربية منذ 2011. ذلك ان تعدد أبعاد هذه الهويات لم يكن قد ارتقى الى مستوى التعددية الجامعة. فقد كانت وحدة الأقطار رهينة باستقرار انظمة الحكم فيها و بجمود الاحادية التي فرضتها ولما غابت ديناميكيات الانسجام ، اضحت تلك الابعاد مصدرا لمراكمة الحدود بالفعل أو بالكمون داخل القطر الواحد، وتلك وصفة الانقسام. فحين تصبح الفوارق الهوَوية المحلية أو العابرة للحدود من القوة بحيث تنافس الولاء للدولة ، يتحول النظام في نظر جزء من مواطنيه الى قوة شبه أجنبية، يحتمي بها البعض في حين يرى فيها البعض الآخر غزوا تجب محاربته.

ولاستيعاب الاخطار التي تحدق اليوم بالوحدة الترابية للاقطار العربية المختلفة بلا استثناء تقريبا ينبغي وضع الرهان في سياقه.  فالعلاقات الدولية مُعولمة يحكمها منطق متجاوز للدولة وللهويّات التي تقوم عليها. وهو ما يعبّر عنه بعالم ما بعد الحداثة. فكل الدول تفقد تدريجيا كل سيطرة على حدودها خاصة فيما ارتبط بمجال الأفكار التي استفادت من ثورة المعلومات لاكتساب قدرة لا متناهية على النفاذ. وتطرح فلسفات ما بعد الحداثة تحدييْن أساسيين على الهويّة المؤسِّسة للدولة. فهي تنفي أوّلا مبدا الهويّة الاحادية ، معتبرة ان كل هويّة انما هي نتاج لابعاد متشعّبة ومشتبكة الاواصر لا مجال للفصل بينها. ثم ان هذه الفلسفات تسائل جوهر الهوية نفسه ،مؤكدة انها لا تعدو ان تكون تمثلا ذهنيا مرتبطا بسياق محدد، اي أنّ الهوية ليست انعكاسا لواقع حقيقي،بل انها موقف ذاتي يتغير حسب الظروف. ولا مجال لدحض هذه الفرضيات تجريبيا وذلك خاصة في العالم العربي. فكل الهويات الوطنية التي نشأت مع تأسيس دول الاستقلال وتكريس مؤسساتها تؤكد هاتين النظريتين. فمن جهة لا يحتاج المرء لفحص عميق لاثبات تعدد الهوية العربية التي تتجاذبها اقطاب دينية ومذهبية ولغوية متعددة. ومن جهة أخرى لا يمكن إنكار أثر سياقات إنشاء دول الاستقلال على تحديد طبيعة الهويات القطرية. مما يعني ان أكثرها قد نشأت حديثا استجابة لمتطلبات دول الاستقلال وانحسار الاستعمار المباشر. وفي ذلك إقرار ضمني بان سياقات أخرى كان بالإمكان ان تؤدي الى هويّات مختلفة. وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام إعادة تشكيل الهويات في ظل ظهور تحديات جديدة من أبرزها الشّرخ السُّني الشيعي الذي بات يخترق ابرز بلدان المشرق.

ليس رهان ما بعد الحداثة في التجربة العربية علميا اذن ، بل انه سياسي بامتياز. وفي هذا المستوى، وقع اكثر المثقفين العرب الذين تأثروا بفكر ما بعد الحداثة في منزلقات خطيرة. اذ انهم اعتقدوا ان من شان اساليبها التحليلية والنقدية دعم التسامح. وفي ذلك اقتباس من الغرب دون مراعاة السياق، ففلسفات ما بعد الحداثة تعبر بطريق غير مباشرة عن ثقة  المجتمعات التي أنشاتها بنفسها في ظل صلابة دولها والانسجام النسبي لمجتمعاتها. اي ان هذه المجتمعات مستقرة في مستوى  هوياتها المؤسسة بما يمكنّها من التعاطي مع الابعاد المختلفة التي قد تتداخل معها. وهو ما يمنح فلسفات ما بعد الحداثة فرصة لعب ادوار ادماجية لا اقصائية. اما فيما يتعلق بالصورة الذهنية كمصدر للاعتقاد في الهوية ،فانه لم يتسبب في إضعاف كبير للروابط الوطنية في الغرب. فقد أمكن التعاطي معه من خلال عمل الدولة على تغذية هذه الصور الذهنية بغض النظر عن حقيقتها الجوهرية. فكانت النتيجة ان التفكيكية النقدية لما بعد الحداثة لم تسطع القضاء على ايمان عموم المواطنين في اغلب البلدان الغربية بوجود علاقات ضرورية بين مجالها الجغرافي وهوياتها المؤسسة ودولها القائمة.

وتلك عوامل غائبة في المشهد العربي عموما.  فبالاضافة الى ما ذكرنا من كثرة التلاعب السياسي بمسالة الهوية ، ارتبطت الدول القائمة بأنظمة غير ديمقراطية استشرى فيها الفساد والاستبداد. وكان من الطبيعي ان ينعكس فشلها اقتصاديا واجتماعيا على مدى ولاء المواطنين لهذه الدول. واذا اخذنا بعين الاعتبار الارتباط التاريخي بينها وبين الهويات القطرية ، يصبح من العسير استيعاب أسباب الاختلال العميق الذي تعيشه الشخصية العربية.

الخاتمة:
لقد تسببت العولمة وفلسفات ما بعد الحداثة في ازمة شملت كل الدول بلا استثناء. فهي لم تعد قادرة على الهيمنة على صناعة الهوية داخلها. ومن الطبيعي ان تكون هذه الازمة اشد حين غياب دولة أمّة حقيقية ،كما هو الحال في العالم العربي الذي تقع دوله القطرية اليوم بين المطرقة والسّندان. فهي مهددة من أعلاها بهويّات منافسة عابرة للحدود كالهويات الدينية والمذهبية. كما هي مهددة من أسفلها بهويات محلية لن تنجح أنظمتها في استيعابها ، فتحولت الى منافس جدي لها. وهو ما يعني نهاية الجغرافيا السياسية التي انشأتها اتّفاقية “سايكس بيكو” ، ولكن من المستفيد؟



التعليقات