الثلاثاء , 25 أبريل 2017
اخر الأخبار

دراسات وتراجم


كتب غرفة التحرير
25 ديسمبر 2016 2:01 م
-
المشهد الليبي بين مصالحة حتمية ومنطق القوة المدمر للبلاد

المشهد الليبي بين مصالحة حتمية ومنطق القوة المدمر للبلاد

المركز العربي للبحوث والدراسات

الذين يقولون ان القبيلة في ليبيا هي ركن البنيان الاجتماعي محقون في قولهم. ويعود نجاح الطريقة السنوسية في مد جذورها في شرق ليبيا، إبان السلطنة العثمانية، ثم في الاضطلاع بدور راجح في مقاومة الاستعمار الايطالي، الى انخراطها في الشبكة القبلية القائمة. ولا شك في ان القبيلة مجموعة من العائلات التي يشدها ويشد أفرادها الانتساب الى جد مشترك. ولكن توزيع النفوذ على فروع القبيلة هو رهن المنافسة والمنازعات الداخلية، ويتأثر بالملابسات السياسية وبأدوار قوى خارجية فاعلية. وكانت القبائل عاملاً حاسماً في سلطة القذافي. وهو عمد الى انقسامات القبائل وتوسل بها الى إعلاء شأن بعض العشائر (أو الافراد) فوق مرتبتها القبلية. فالورفلة، وهي من القبائل الكبيرة التي قد تعد مليون شخص من 6 ملايين ليبي، مهدها الاول مدينة بني وليد، إحدى الديرات الموالية للقذافي، وتنتشر في الشرق والجنوب. ويلاحظ أنها لم تضطلع بدور واحد ومتماسك في حوادث 2011. وبينما قاومت مدينة بني وليد الى حين انتصار الثورة، ساند معظم الورفلة في الشرق هذه الثورة منذ ولادتها. والحال اليوم قريبة من الحال بالأمس في شأن الاتفاق السياسي الذي تتولى الامم المتحدة المفاوضة عليه، فقبيلة الفواخر التي يتحدر منها عقيلة صلاح عيسى، رئيس برلمان طبرق، منقسمة على نفسها. وعلى خلاف الرأي الغربي، ينبغي ألا تحمل القبيلة على جماعة واحدة ولا على نظام اجتماعي ثابت وجامد.
ومنذ 2011، يتناول الليبيون القبيلة على انها مثال اجتماعي تفوق قوته في الشرق قوته في جهات ليبيا الاخرى. ولكن محط انتباههم هو في المرتبة الاولى طريقة الناس في نسبة أنفسهم الى هوياتهم. فغداة 2011، دار الكلام على «قبيلة مصراتة». وهذه القبيلة لا حقيقة لها، على معنى الكلام الشائع والمعروف. فمصراتة هي أولاً مدينة تجارية تعود نخبها بأصولها الى السلطنة العثمانية، وتضطلع القبائل فيها بدور ثانوي. فينبغي فهم «قبيلة مصراتة» على معنى الانتساب الى جماعة دون غيرها، وليس الى قبيلة يجمع نسب واحد أفرادها واسرها.

وكلام الليبيين على مكانة القبيلة في المجتمع، أو في الفزاعات السياسية، يقصدون به الجماعة الاولى التي ينهض عليها الانتساب والهوية. وقد تكون هذه الجماعة قبيلة، على معنى دقيق (وهي حال الورفلة)، أو مدينة (مصراتة)، أو بلاداً (الشرق). وفي الاحوال المأزمة، شأن الحال اليوم، ينبه كلام الليبيين الى تقديم السياسيين مصالح جماعاتهم على المصالح الليبية المشتركة. ولا ينكر أن القبيلة أدت دوراً إيجابياً في 2011 وبعدها. فكانت الحمى الذي رجع الليبيون اليه، وتولت رعاية شبكات التضامن والحماية حين تهاوت أبنية الحوكمة التي أنشأها النظام السابق.

وفي الامس القريب، حين انقسم البلد شطرين اقتصر الحوار، في رعاية الامم المتحدة، على السياسيين والعسكرين البارزين، أي على الذين في مستطاعهم إلحاق اضرار عملية وميدانية، تفادياً لتفاقم الامور وتدهورها. وفي هذه الاثناء، كان على الليبيين مواجهة منازعات حادة لابس العنف بعضها. فتولت القبائل، وغيرها من الابنية الاجتماعية، حل الخلافات الاجتماعية. ومنذ مطلع 2015، وطوال 8 اشهر، كان جبل نفوسة، في غرب ليبيا الذي يغلب عليه البربر، مسرح اشتباكات حربية بين الزنتان، حلفاء اللواء حفتر، وبين ميليشيات بعض المدن القريبة والمتحالفة مع «فجر ليبيا» وحكومة طرابلس. فقطعت الطرق، وعلقت الامدادات بالمحروقات والادوية. فقامت الابنية الاجتماعية المحلية، وعلى الخصوص مجالس الشيوخ التي لا ينبثق بعضها من القبائل، بالتوسط بين المتحاربين، وفتحت الطرق المقطوعة، وأطلقت سراح المعتقلين والمخطوفين، وفاوضت على إقرار وقف النار.

واستطاعت مجالس الشيوخ بجبل نفوسة الاضطلاع بهذا الدور لأن الديناميات الوطنية تغيرت من حال الى حال. فاضطرت مصراتة، المعزولة، الى سحب قواتها من المنطقة. ودعا ضعف الزنتان العسكري الى مفاوضتها جيرانها. فأمكن توازن القوى العام الابنية المحلية من ترجيح كفة الاستقرار. ومن جهة أخرى، تؤدي الانقسامات والمنافسات التي تلازم الحياة القبلية الى تأزيم الاوضاع وتوتيرها، على ما هي الحال في بنغازي، وفي الشرق عموماً، حين تنزع الانقسامات المتعاظمة في صفوف الفواخر الى انفجار الاشتباكات المسلحة. وينبغي الحذر من نصب القبيلة وسيلة مثالية الى تدبير شؤون المجتمع والحياة السياسية تدبيراً طبيعياً وقريباً من الكمال.

وسبق التحاق بني وليد، معقل القذافية، بالمنظمات المسلحة ثم بـ«داعش» مبايعة عدد من القبائل الموالية للقذافي العملية الانتخابية في 2012 وتأييدها. وفاز المرشحون الذين زكاهم مجلس الورفلة القبلي قبل ان تطعن لجنة معايير السلامة الوطنية في فوزهم. وكان وقع هذا الطعن مدوياً، ونجم عنه تشكيك حاد في صدقية العملية السياسية وفي مشروعية المؤسسات والهيئات المركزية والوطنية. وحاول أهل بني وليد بلورة بديل سياسي مستقل عن «الكرامة» (خليفة حفتر) وعن «فجر ليبيا» (الجماعات الاسلامية في طرابلس). ولكنهم أخفقوا، وهمشهم ضعفهم العسكري، ومن يفتقر الى السلاح على المسرح السياسي الليبي، منذ 2013-2014، لا يعتد به سياسياً ومعنوياً.

وغالباً ما يؤدي الاقصاء بالشبان والمهمشين الى الالتحاق بداعش. وسِرْت مثال على هذا التسلسل: فهي سيطر عليها مقاتلون أجانب بعد أن أوكل أمنها، غداة 2011، الى جماعات مسلحة تولوا، في نظر أهلها، تدميرها. ولم يرضَ أهلها الامر، وحسبوا ان «داعش» قد تكون وسيلة الارتقاء الى مرتبة اجتماعية منظورة والدخول الى دائرة العمل السياسي والعسكري. وهذه السيرورة قوية الشبه بما حصل في العراق قبل أعوام. ويسعى أصحاب أدوار خارجية، في استعمال أهل القبائل الموالية للقذافي المقيمين في أراضيهم لأغراضهم الخاصة.

ودعوة القبائل المهمشة الى طاولة المفاوضات فات وقتها على الارجح. فأحد عوامل فشل العملية الانتقالية الليبية البارزة هو إرساؤها على انتخابات عاجلة، وتقديم المشروعية الانتخابية على المصالحة. وأرخت هذه العملية الستر والصمت على عمق الشرخ بين المنتصرين في الحرب الاهلية وبين المغلوبين. وأغفلت كذلك الانقسامات الموروثة من النظام السابق، ومن سياسات القذافي الذي تعمد التفريق بين القبائل، وتحريض بعضها على بعضها الآخر، وأرسى سلطته على التفريق والتحريض هذين. وأنسَت نشوة الثورة هذه الجروح وعمقها. وبرزت قوى سياسية تفتقر الى النضوج والدراية، وتصدرت المسرح الوطني، وصالت وجالت من غير اطار قانوني ودستوري أو مؤسسات متماسكة تقيد صولاتها وجولاتها. فتعسكرت المنافسة السياسية وانهارت العملية الانتقالية. ولم تشهد محاولة استئناف الحوار بين الجماعات المختلفة جهداً ناجعاً ومتصلاً. ومضي الوقت يعسِّر المصالحة الوطنية، وهي شرط لا غنى للسلم والامن الليبيين عنه. وتحتاج هذه المصالحة، من ناحية أخرى، الى جناح «العدالة» أو احتساب محاكمة الجرائم التي ارتكبت قبل الثورة وفي اثنائها. ولن تحسم المحاكمات كل القضايا، ومهمتها الاولى هي نفخ الحياة في الروابط بين الجماعات والافراد. والجماعات المستبعدة والمقصية تقع على محور سِرْت –بني وليد- سبها، وكثر اضطروا الى مغادرة بلادهم في 2011، وبعضهم بسبب اشتراكهم في القمع. والذين يمثلون العهد السابق، وولغوا في الدماء، غير مقبولين. ولكن الجماعات التي ينتسبون اليها، وبعضها ينزل في مصر وتونس والاردن وغيرها، يستحيل نفيها، وينبغي دمجها في الجماعة الوطنية من طريق إحياء الثقة بين «المنتصرين» و»المغلوبين». ومن غير هذا لن تقوم قائمة لمؤسسات تتمتع بالمشروعية. والمثل العراقي دليل على نتائج المأساوية التي تترتب على الاقصاء.



التعليقات