ايوان ليبيا

السبت , 26 سبتمبر 2020
الجيش يؤكد جاهزيته الكاملة لصد أي هجوم قرب سرتالنمسا تساهم في جهود نزع الألغام في جنوب طرابلسالمشري يبحث هاتفيا مع إردوغان الاوضاع في ليبياتعليق خارجية المؤقتة على بيان السفارة الأميركية حول المرافق النفطيةوصول سفينتين محملتين بالماشية الى ميناء بنغازيتجهيز مقر لعزل مصابي كورونا بالكفرةأرتيتا: مورينيو دائما ما يجد طريقه للانتصار.. علينا التعلم وتقليل أخطائناأجيري "لن يبكي" اليوم.. ليجانيس يهشم الكراسي ويحقق انتصارا تاريخيا على فالنسياابتسم يا سولشاير ويا لامبارد.. بورنموث يسحق ليستر ويزيد صراع الهبوط اشتعالاعودة الغواصات الأصلية.. قادش أول الصاعدين إلى الدوري الإسباني الممتازالسراج يبحث مع قادة الميليشيات سير العمليات بمنطقة سرت – الجفرةلَقَد سَقَط الْقِنَاع . . عِنْدَمَا تَسْقُط الجماهيرية الْعُظْمَى تَعُمّ الفَوْضَى ... بقلم / رمزي حليم مفراكسمصادر: تركيا تنقل اكثر من 1000 مقاتل متشدد تونسي إلى ليبياالجيش الليبي يعلن عن مناطقَ عسكرية جديدةمن أجل السباق للعب في أوروبا.. ولفرهامبتون يسحق إيفرتون بثلاثيةمؤتمر زيدان: من حق كل شخص التحدث عن ريال مدريد لأنه أهم ناد في التاريخفابينيو: سنبذل قصارى جهدنا للوصول للـ100 نقطةقائمة ريال مدريد – عودة راموس وكارباخال.. وتواصل غياب جيمس أمام غرناطةباشاغا يناقش مع ويليامز خطط دمج الميليشيات و إصلاح القطاع الأمنيأسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي في السوق الموازي اليوم الاحد 12 يوليو 2020

1517 عام النكبة.. كيف أحب المصريون طومان باى وخلدوه فى الوجدان الشعبى؟

- كتب   -  
الغزو العثمانى

يعد المؤرخ البارز الدكتور عماد أبو غازى وزير الثقافة الأسبق من أكثر المؤرخين انشغالا بالمسألة العثمانية فى تاريخ مصر الحديث، حيث كرس لها عددا من مؤلفاته ومنها :” طومان باى السلطان الشهيد “ دار ميريت 1999 وكتاب (1517 الاحتلال العثمانى لمصر وسقوط المماليك ، دار ميريت 2019) بالإضافة إلى مجموعة من المقالات المنشورة فى دوريات مختلفة إلى جانب ما ينشره على مدونته “الخماسين”.

ويعتمد أبو غازى فى عمله كمؤرخ على صهر عدة مصادر تاريخية، إلى جانب الانشغال بما تقوله الوثائق التاريخية، لذلك تحررت رؤاه إلى حد كبير برغم انحيازها من عملية الاستعمال السياسى للتاريخ.

«1»
ويؤرخ أبو غازى فى كتابيه إلى ساعة الغزو العثمانى لمصر قائلا أنه فى الأسبوع الأخير من شهر يناير سنة 1517 ميلادية الموافق لبداية شهر محرم من سنة 923 هـ، كانت مصر تعيش لحظة حرجة فى تاريخها، لحظة تحديد للمصير، وحسم لمستقبل البلاد، إنها لحظة امتدت آثارها لأربعة قرون طوال.

يقول أبو غازى: كانت عوامل الانهيار تنخر فى جسد دولة المماليك فى مصر والشام منذ سنوات، حيث كانت مصر – دولةً ونظامًا - فى أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجريين (أى ما يوازى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين) تعيش مرحلة أفول؛ ففى الأفق كانت تتجمع ملامح النهاية: نهاية عصر، وبداية عصر جديد، ولم تكن دولة المماليك الجراكسة لتتحمل البقاء كثيرًا، ولم يكن بديل داخلى فى مصر قد اختمر بعد بالقدر الكافي؛ على الرغم من ظهور بوادر أولية لمثل هذا البديل، ومن هنا جاءت النهاية المحتومة على يدى طرف خارجى جديد، تلك النهاية التى قطعت الطريق على إرهاصات التطور الداخلى للمجتمع.

فى المقابل كان أبناء الشعب المصرى عند قدوم العثمانيين محرومين من حقهم فى حمل السلاح للدفاع عن بلادهم منذ احتل الرومان مصر، باستثناء لحظات نادرة مثل مواجهة حملة لويس التاسع على المنصورة وغارات القراصنة على الإسكندرية، ومن هنا فلم يكن الشعب مستعدًا للمواجهة مع جيوش الاحتلال العثمانى بالقدر الكافي، ومع ذلك؛ فبمجرد تولى السلطان الأشرف طومان باى لعرش السلطنة فى رمضان سنة 922 هجرية 1516ميلادية عقب وصول الخبر بسقوط عمه السلطان الغورى قتيلًا فى مرج دابق، دعى المصريين إلى حمل السلاح للدفاع عن وطنهم، وقد شاركوا بالفعل فى موقعة الريدانية، لكن قوة المدفعية والأسلحة النارية العثمانية، كانت أكبر من قدرة الجيش المملوكى والمقاتلين المنضمين إليه من المصريين، فانتصر العثمانيون ودخلوا إلى القاهرة واستولوا عليها، ومع ذلك لم تتوقف المقاومة، فسرعان ما جمع طومان باى فلول الجيش المملوكى، وتجمع حوله أبناء البلد ليهاجموا قوات الاحتلال ويستردوا القاهرة من أيديهم مرة أخرى، لكن لأيام معدودة عادت بعدها سيطرة العثمانيين، وهذا هو ما يرويه لنا نص مقتطع من رسالة بعث بها السلطان العثمانى سليم الأول إلى نائبه فى الشام يبشره فيها بنجاحه فى الاستيلاء على القاهرة والقضاء على المقاومة فيها، قال سليم فى رسالته بعد أن روى انتصاره فى الريدانية على جيوش طومان باي:

«وكان قد فضل بقية من العساكر المصرية، فهربوا واجتمعوا هم والسلطان طومان باى وجمعوا العربان، والتموا نحو العشرة آلاف، ليلًا من نهار الثلاثاء خامس شهر المحرم الحرام سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة خفية، ودخلوا البيوت الحصينة، وحفروا حولها الخنادق، وستروا التساتير، واجتمعوا فى الحارات، وأظهروا الفساد، وأبرزوا العناد، فعلمت عساكرنا المنصورة بهم، فربطوا الخيالة لهم الطرقات، لئلا ينهزم أحد، وصاحت عليهم مماليكنا الانكشارية والتفكجية، وحملت عليهم حملة رجل واحد، ودخلوا عليهم إلى البيوت التى تحصنوا فيها، ونقبوا عليهم البيوت يمينًا وشمالًا، وطلعوا على أسطحة تلك البيوت التى تحصنوا فيها ورموا عليهم بالبنادق والكفيات، واستمرت الحرب بين عساكرنا المنصورة وبينهم ثلاثة أيام... »

هذه هى رواية وقائع المقاومة فى القاهرة كما وردت على لسان المحتل العثماني، وقد أقر فيها باستمرار المعركة ثلاثة أيام كاملة، فما الصورة كما قدمها الجانب المصري، يقول ابن إياس فى وقائع شهر المحرم سنة 923هـ: “فلما كان ليلة الأربعاء خامس الشهر، بعد صلاة العشاء، لم يشعر ابن عثمان إلا وقد هجم عليه الأشرف طومان باى “بالوطاق واحتاط به، فاضطربت أحوال ابن عثمان إلى الغاية، وظن أنه مأخوذ لا محالة... واجتمع هناك الجميع الغفير من الذعر وعياق بولاق من النواتية وغيرهم، وصاروا يرجمون بالمقاليع وفيها الحجارة، واستمروا على ذلك إلى أن طلع النهار فلقاهم الأمير علان الداودار الكبير من الناصرية عند الميدان الكبير، فكان بين عسكر ابن عثمان وعسكر مصر هناك وقعة تشيب منها النواصي... واستمر السلطان طومان باى يتقعقع مع عسكر ابن عثمان، ويقتل منهم فى كل يوم ما لا يحصى عددهم، من يوم الأربعاء إلى يوم السبت طلوع الشمس ثامن المحرم...”

«2 »
أهم ما يشير إليه أبو غازى فيما كتب هو أن طومان باى احتل مكانة كبيرة فى وجدان الناس فى مصر، واستمرت تلك المكانة لأجيال عدة بعد استشهاده، أو إعدامه على باب زويلة، فقد ظل الناس يقرأون الفاتحة عند مرورهم تحت باب زويلة، فى الموقع الذى شنق فيه حتى سنوات قليلة مضت ترحمًا على الرجل، وكانوا يشيرون إلى بقايا حبل فى الخطاف الموجود بسقف الممر الذى يتوسط الباب، باعتباره الحبل الذى شنق به طومان باى.

نفذ الغزاة العثمانيون حكم الإعدام فى طومان باى، فى يوم الإثنين الثانى والعشرين من ربيع الأول سنة 923 هجرية، الموافق الثالث عشر من إبريل سنة 1517 ميلادية، ففى ذلك اليوم تحرك موكب الأشرف طومان باى للمرة الأخيرة من معسكر سليم العثمانى فى بر إمبابة، عابرا إلى بولاق مخترقا القاهرة إلى باب زويلة، حيث شنق هناك وسط صراخ الناس وعويلهم، ويصف مؤرخو القرن العاشر الهجرى فى مصر اليوم والمشهد بألفاظ تنم عن حالة الحزن

فيقول ابن زنبل الرمال: “وكان ذلك اليوم على أهل المملكة أشأم الأيام، وبكت عليه الأرامل والأيتام”، أما المؤرخ محمد بن أحمد بين إياس المصرى فيقول: “فلما شنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف، فإنه كان شابًا حسن الشكل سنه نحو أربع وأربعين سنة، وكان شجاعًا بطلًا تصدى لقتال ابن عثمان وثبت وقت الحرب وحده بنفسه، وفتك فى عسكر ابن عثمان وقتل منهم ما لا يحصى، وكسرهم ثلاث مرات فى نفر قليل من عسكره، ووقعت منه فى الحرب أمور لا تقع إلا من الأبطال.. وقد مضت أخباره كأنه لم يكن”. قال فى رثائه أبياتا منها:

لهفى على سلطان مصر كيف قد ولى وزال كأنه لن يذكرا
شنقوه ظلما فوق باب زويلة ولقد أذاقوه الوبال الأكبرا
يا رب فاصفح عن عظائم جرمه واجعل جنات النعيم له قرا

لقد تولى طومان باى عرش السلطنة عقب التأكد من مصرع عمه السلطان قنصوه الغورى فى مرج دابق، وكان العصر يحمل كل ملامح النهاية: انهيار للأوضاع الاقتصادية، ترتب عليه اضطراب اجتماعي، صراع سياسى بين الأمراء، ضعف عسكرى واضح، وأخيرا عدو خارجى متربص بالبلاد، وفى ضوء هذا الإطار التاريخى، نستطيع أن نتفهم المصاعب التى تواجه أميرًا يتولى زمام الأمور فى عصر مضطرب، يرث فيه جيشا مهزوما، ووضعا داخليا منهارا بينما عدو زاحف يدق الأبواب.

وبرغم صعوبة الظروف فإن الصورة التى رسمتها المصادر التاريخية المعاصرة لطومان باى عندما تتحدث عنه أميرًا، ثم سلطانًا حاكمًا، ثم سلطانًا مخلوعًا يقاوم العثمانيين تكشف عن ملامح شخصية متميزة ومختلفة تمامًا عن غيرها من أمراء ذلك العصر وسلاطينه، فالصورة التى رسمها أبو غازى، انطلاقا من مصادر تاريخية مختلفة، تقول أمامنا صورة لشخصية محببة إلى قلوب الشعب قريبة منه إلى حد بعيد، بل وملتحمة معه فى اللحظات الحرجة، كما حدث عندما استعان طومان باى بالمصريين فى مواجهة العثمانيين، بعد أن دخلوا القاهرة ونجح فى استردادها منهم بعدة أيام.

وقد ساعدت مقاومة طومان باى الباسلة للعثمانيين، والنهاية المأساوية لهذه الشخصية فى حفر صورة مضيئة لطومان باى فى الوجدان الشعبى المصرى، باعتباره واحدا من الأبطال القوميين فى تاريخنا برغم أنه جركسى الأصل،

لقد أصبحت وقائع الغزو العثمانى لمصر ـ التى سجلها الشيخ أحمد بن زنبل الرمال، وأبرز فيها دور طومان باى فى التصدى لهذا الغزو، ومعاركه ضد سليم الأول وجيوشه، ثم وقوعه فى الأسر وشنقه ـ واحدة من السير التى تروى فى مقاهى القاهرة فى العصر العثماني، كما أن روايات الرحالة الأوروبيين لواقعة أسر طومان باى وشنقه، التى استمرت تتردد فى مدوناتهم عن رحلاتهم إلى مصر، طوال أكثر من مائة عام تالية للغزو العثمانى للبلاد، تكشف عن المكانة التى احتلها طومان باى فى وجدان الشعب المصري، فلا شك فى أن مصدر هذه الروايات هم المصريون الذين التقى بهم هؤلاء الرحالة.

وحسبما ما تذكره المصادر العربية فإن إعدام طومان باى أحدث صدىً واسعَا بين المصريين الذين حزنوا عليه حزنًا شديدًا، فقد ظل لعدة شهور بعد الغزو العثمانى لمصر يمثل أمل المصريين فى التخلص من هذا الاحتلال الجديد، وبإعدامه خبا هذا الأمل.

وقد كان حزن الناس على طومان باى أمرًا مفهومًا، فقد كان حسب معاصريه أميرًا وسلطانًا “لين الجانب قليل الأذى كثير الخير غير متكبر ولا متجبر، كما كان صالحًا خيرًا فاضلًا زائد الأدب والسكون والخشوع والخضوع.. “، كما تشير تلك المصادر إلى أنه كان زاهدًا فى جمع المال بخلاف غيره من أمراء العصر وسلاطينه.

إلا أن دعته وهدوءه لم يمنعاه من أن يكون محاربًا شجاعًا مقدامًا خبيرًا بالحرب، وقد بدت مهارته الحربية فى معاركه التى تصدى فيها لسليم الأول، بدءًا من الريدانية وانتهاء بمعركة الجيزة عبر ما يقارب الأشهر الثلاثة، وقد أذهلت شجاعته وقدراته الحربية معاصريه حتى الأعداء منهم، وقد سجل طومان باى بنفسه ـ وفقا لرواية ابن زنبل الرمال ـ ملحمته وحربه مع سليم وذلك بعد هزيمته الأخيرة فى موقعة الجيزة من خلال قصيدة طويلة أنشدها أمام الأهرام، لأحد أمراء جيشه الذين صمدوا معه حتى النهاية وهو الأمير قيت الرجبي، وعلقها على الهرم مثلما كانت المعلقات تعلق على أستار الكعبة، وقال فى مطلعها:

دموع العين فاضت من مآق وقلبى ذاب من كثر احتراق فلا نارى طفاها دمع عيني ولا دمعى يفيض من اختناق وشمس السعد فى شرق المعالي وبدر الضد فى درج المحاق فلما أن أراد الله هذا أتانا الروم من جهة العراق وسلطان الجميع سليم شاه عظيم الملتقى مر المذاق وكان الماجد الغورى منا مليكا شبه بحر فى اندفاق وكان الحرب يوم الحد لكن تولى جيشنا والحرب باق وسلطان لنا أضحى قتيلا طريحا والدماء لفى انهراق وكان الخائن الكلب الغزالي وخاير بك مبوطن فى النفاق هما أصل الهزيمة عن حقيق لدى حلب كخيل فى سباق وساروا بعدها سيرا حثيثا لغزة ثم مصر فى لحاقي ولما استجمعوا فى مصر قالوا نسلطن أيكم والضد باق وجاءتنا رجال الروم مصرا وقد حازوا البلاد مع الآفاق وأخرجت الجموع لنلتقيهم وكان الشر يوم الحرب راقي وفى خط المدافع قام قومي وزادوا فى الخصام وفى الشقاق وقد جاءت علينا الروم حقا كبحر هائج فى الاندفاق قتلنا من ملوكهم ثلاثا وأسقيناهم كأس الرهاق ولما قد رأوا ذا العقل مني أتونا كالجبال بانطباق وأسقيناهم كأس المنايا فخروا للذى مذ كنت ساقي ولما أن رأيت الحرب دارت على ولم تتابعنى رفاقي فوليت الجواد لنحو مصر وأيقنت الفناء والله باق ثلاثة أيام كان القتل فيهم وفينا والعساكر فى محاق وبعد الظهر جاءتنا جيوش عداد الرمل جمعا فى انطباق وزلزلت البلاد بهم إلى أن حسبت الحشر قام مع التلاقي فقلت لرفقتى خلوا وفلوا وولينا جميعا بافتراق وعدنا عن قتال الروم قهرا لقينا قيثرجبى من بلاق وعلقنا على الأهرام شعرا كنظم الدر فى حسن السياق لمن يقرأه معبرا ليدري بأن الله بعد الخلق باق وتجزى كل نفس يوم عرض بما فعلته فى يوم التلاقي

أهم ما يؤكده أبو غازى فى هذا الصدد، أن حب الناس لطومان باى لم يكن مرتبطًا بتوليه للسلطنة ومقاومته للعثمانيين، فمنذ كان أميرًا دوادارًا كبيرًا فى عصر عمه السلطان الغورى، كان محببًا لعامة الناس لاختلافه عن غيره من الأمراء، هذا وقد أمتد الإعجاب بطومان باى إلى الأوروبيين المعاصرين فبعد أكثر من مائة عام على شنقه، نجد صورة هذا المشهد حاضرة فى كتابات الرحالة الأوروبيين الذين زاروا مصر، وقد دفع هذا الإعجاب مؤرخًا إيطاليا معاصرًا لطومان باى هو باولو جيوفو إلى وضع طومان باى ضمن الشخصيات التاريخية الكبرى فى العالم، وإلى إفراد قسم من تاريخه لطومان باي.

ويعود أبو غازى ليقول : “إنه لا ينبغى المبالغة فى رسم صورة مثالية خيالية لطومان باي، فمحاسنه تلك تقاس إلى أمراء عصره وسلاطينه وما كانوا يرتكبونه من مظالم فادحة بحق الرعايا، أم هو فكانت مظالمه قليلة ومحدودة، كما أن تصويره بصورة الزاهد الفقير أمر مبالغ فيه، فقد كانت له ثروة ضخمة وقفها على نفسه وعلى ذريته من بعده أثناء حياته، ووقف جزء منها على بعض المساجد والأعمال الخيرية، خصوصا تلك المساجد التى شيدها عمه السلطان الغوري، لكن الشعوب تصنع لأبطالها الصورة التى تحبها بغض النظر عن الحقيقة التاريخية.

«3 » ومع سقوط دولة المماليك الجراكسة فقدت مصر كيانها المستقل؛ وبدأ عصر جديد من عصور التبعية لقوة خارجية صاعدة فى سماء المنطقة، فأصبحت مصر ولاية فى دولة كبرى مركزها إسطنبول على مضيق البسفور، وبعد أن استمرت القاهرة لعدة قرون المركز الحضارى والسياسى الأول فى المشرق العربى والإسلامي، زوت لتصبح مجرد عاصمة لولاية يديرها باشا مبعوث من قبل السلطان العثماني.

وكان وقع الكارثة فادحًا على وجدان المصريين، فوصف المؤرخ المصرى محمد بن أحمد بن إياس الغزو العثمانى لمصر شعرًا، فقال: الله أكبر إنها لمصيبة وقعت بمصر ومالها مثل يرى ولقد وقفت على تواريخ مضت لم يذكروا فيها بإعجاب ما جرى

وفى موضع آخر من تاريخه المعروف باسم “بدائع الزهور فى وقائع الدهور” يقول ابن إياس: “ومن العجائب أن مصر صارت نيابة، بعد أن كان سلطان مصر أعظم السلاطين فى سائر البلاد قاطبة.. لكن ابن عثمان انتهك حرمة مصر، وما خرج منها حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتم أطفالها وأسر رجالها وبدد أحوالها وأظهر أهوالها.. وأشيع أن ابن عثمان خرج من مصر وبصحبته ألف جمل محملة ما بين ذهب وفضة، هذا خارجًا عما غنمه من التحف والسلاح والصينى والنحاس المكفت والخيول والبغال والجمال وغير ذلك، حتى نقل منها الرخام الفاخر، وأخذ منها من كل شىء أحسنه، ما لا فرح به آباؤه ولا أجداده من قبله أبدًا”.

لكن ماذا كان تأثير الاحتلال العثمانى على مصر؟

كان للاحتلال تأثير سلبى كبير على تطور البلاد، فرغم أن مصر عرفت عبر تاريخها الطويل موجات وراء موجات من المستعمرين الأجانب، وبرغم أن أوضاع البلاد فى أواخر عصر المماليك كانت متردية للغاية، فإن الأثر السلبى الخطير للاحتلال العثمانى لمصر والمشرق العربى عموما، يكمن فى أمرين اثنين بحسب أبو غازي: الأول: إنه قطع الطريق على التحولات الاجتماعية التى كانت أخذه فى التطور فى مصر، والتى كان يمكن أن تخرج البلاد من أزمتها التاريخية وتنتقل بها إلى عصر جديد، فأتى الاحتلال العثمانى ليجمد الوضع الاجتماعى لعدة قرون أخرى، وليستنزف فوق ذلك موارد مصر الاقتصادية لصالح الخزانة العثمانية.

أما مكمن الخطورة الثانى فكان التوقيت الذى أحتل فيه العثمانيون مصر، فقد احتلوها فى لحظة كان العالم فيها يعيش فى مفترق طرق بين عصرين، وقد نجح الغرب فى كسر الحاجز والانتقال إلى عصر جديد، بينما بقى المشرق فى ظل الاحتلال العثمانى ثابتًا فى مكانه.

أول ما يحرص أبو غازى عليه عند تقييم ما جرى، هو أهمية التحرر من الثنائية التى تحصر النقاش حول المسالة العثمانية فى مصر فى تعبيرين وحيدين هما :” الغزو “ أم الفتح “

لأن الموقف من المصطلحين يرتبط بوعينا وإدراكنا اليوم، فالقدماء لم يحملوا أيًا من المصطلحين بدلالات سلبية، فمعارك المسلمين فى العهد النبوى كانت توصف بالغزوات، حتى فتح مكة، تصفه كثير من المصادر الإسلامية القديمة بغزوة فتح مكة، وسلاطين العثمانيين أنفسهم كانوا يحملون من بين ألقابهم لقب الغازي، إذًا لم تكن للمصطلح أى دلالة سلبية فى العصور السابقة، فقد اكتسب المصطلح دلالاته السلبية فى عصرنا الراهن، ولأننا الآن أصبحنا مختلفين حول ما فعله العثمانيون بمصر، هل كان دخلوهم حدثًا سلبيًا أم إيجابيًا؟ فقد أصبحنا مختلفين حول استخدام المصطلحين “الغزو” أو “الفتح” بعد تحميلهما بالدلالات المعاصرة الآن؛ فمن يرى فى دخول العثمانيين مصر حدثًا سلبيًا يستخدم مصطلح “غزو”، ومن يراه حدثًا إيجابيًا يستخدم مصطلح “فتح”.

ويشير أبو غازى إلى أن هناك اتجاهين أساسيين فى النظر إلى الموضوع، اتجاه يرى أن ما حدث كان احتلالًا أجنبيًا للمنطقة العربية أضعفها وأدى إلى تدهور أوضاعها، وانتهى باحتلال القوى الاستعمارية الغربية لها، واتجاه ثان يره مجرد تبدل فى الأسر الحاكمة الإسلامية، حيث حل العثمانيون محل المماليك، مثلما حلت الدولة العباسية من قبل محل الدولة الأموية.

لكن للمسألة العثمانية فى تاريخنا كما يقول أبعاد أعمق من مجرد استخدام المصطلحات.

ويوضح أبو غازى الطفرة العلمية التى حدثت فى الدراسات التاريخية المصرية خلال الأربعين عاما الماضية، التى غيرت النظرة التى سادت بين مؤرخينا حول العصر العثمانى بوصفه عصرا للجمود والتدهور؛ حيث كان من المسلم به بين الباحثين المتخصصين، وكذلك بين المثقفين بشكل عام، أن الحكم العثمانى للمنطقة العربية كان المسئول الأساسى عن تخلفها عن ركب التقدم، وإنه أدى إلى عدم تطورها لثلاثة قرون، تمتد من أوائل القرن السادس عشر إلى بدايات القرن التاسع عشر، وهى ذات القرون التى أنجز فيها الغرب نهضته الحديثة

ووجدت هذه الأفكار سندها العلمى القادم من الغرب فى كتابات المستشرقين الأوائل الذين درسوا العصر العثماني، مثلما وجدته فى النظرة الماركسية للتاريخ فى صورتها الكلاسيكية وفى تنويعاتها الجديدة، فقد كان لتيارات الفكر السياسى العربى الحديث ـ خصوصا التيار القومى العربى والتيار الليبرالى ـ دورهما فى التهيئة لهذه الأفكار وتحقيق الانتشار الواسع لها، فقد كانا منذ البداية فى صدام ومواجهة مع الدولة العثمانية، بهدف تحقيق الاستقلال عنها من ناحية، وبناء أسس للحداثة على النمط الأوروبى فى مجتمعات منطقتنا العربية من ناحية أخري، ولما كانت الدولة العثمانية هى صاحبة السيادة الفعلية أو الاسمية على جل العالم العربى إلى العقد الثانى من القرن الماضي، فقد تحملت وزر ما آلت إليه أحوالنا حينذاك.

إلا أن السنوات الثلاثين الأخيرة بحسب إشارته، شهدت تحولات مهمة فى النظر إلى العصر العثماني، فقد أصبحت فترة الاحتلال العثمانى للمنطقة العربية من الفترات المثيرة للجدل بين المشتغلين بالدراسات التاريخية، حيث ظهرت مجموعة من الكتابات الجديدة التى حملت رؤية مختلفة لتاريخ مصر والمنطقة العربية فى العصر العثماني، وبعيدًا عن تلك المدرسة الجديدة التى تحركت من منطلقات علمية، لا يخلو الأمر من بعد سياسى يرتبط بالصعود الجديد للتيارات الإسلامية فى المنطقة العربية منذ سبعينيات القرن العشرين، التى سعت دومًا لتبرئة ساحة الدولة العثمانية من كل ما نسب إليها من آثام، باعتبارها الامتداد “التاريخي” لدولة الخلافة الإسلامية، وتواكب مع ذلك المراجعات التى تتم بين الأكاديميين الأتراك، وانتشار أفكار تيارات الإسلام السياسى فى تركيا، وقد كان لهذه الاتجاهات تأثير كبير داخل المجتمع بالإضافة إلى تأثيراته فى الوسط الأكاديمي.

ويوضح أبو غازى إن القدر المتاح من المعرفة بناء على ما هو متوافر من المصادر، والذى أدى بدوره إلى فرص أكبر للبحث فى فترة تاريخية ظلت متروكة لسنوات. وإذا رأى بعض المؤرخين ازدهارا، فإنه لم يستمر طويلًا؛ فقبل نهاية القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي)، عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل الغزو من تأزم واضطراب، حيث إن انتماء الدولة العثمانية إلى عالم العصور الوسيطة ـ بنظامها الاجتماعى والاقتصادى وبفكرها وحضارتها ـ كان يضع حدودًا لهذا الازدهار المؤقت، وبالتالى لم يصحب هذا الازدهار أى تطوير جوهرى فى العلاقات السائدة فى الزراعة، لا على مستوى أدوات الإنتاج فى الريف، ولا على مستوى العلاقات الإنتاجية السائدة فى المجتمع.

كذلك فإن الانتعاش التجارى الذى ساد تجارة المرور عبر الدولة العثمانية، لم ينعكس على نشاط الصناعات المحلية أو على التجارة الداخلية بالقدر نفسه، لذا؛ فسرعان ما عادت الأزمة المالية إلى الظهور مرة أخرى، واتجهت الدولة إلى اتباع الأساليب نفسها التى اتبعها المماليك فى حلها، من تخفيض لقيمة العملة ولنسبة المعدن الثمين فيها، وفرض لمزيد من الضرائب، وبالطبع كان لمثل هذه السياسات الآثار السلبية نفسها على الوضع الاقتصادى فى مجمل الإمبراطورية العثمانية.

ويلاحظ أن طبقة المماليك التى كانت فى السابق تجدد نفسها من أجل مواجهة الأخطار الخارجية، أصبحت تجدد نفسها لمساعدة حكم خارجى فى السيطرة على البلاد، وثانيها: أن جزءًا كبيرًا من الفائض الاقتصادى أصبح ينزح إلى الخارج بما زاد من ضعف اقتصاد مصر.

وإذا كان العصر المملوكى قد عرف بسفه فى الإنفاق، إلا أنه برغم أى شيء كان فى غالبه ينفق داخل مصر، أما فى ظل الحكم العثماني، مثله مثل أى عصر تعرضت فيه مصر لسيطرة خارجية منذ نهاية الدولة الحديثة-، فإن جزءُا كبيرًا من الفائض الاقتصادى كان يوجه إلى مركز الدولة التى احتلت البلاد وينفق خارج مصر، أو ينفق كأجور للموظفين ورجال الحامية العثمانية.

ومما فاقم من حدة المشاكل الاقتصادية؛ الاضطرابات السياسية التى شهدتها البلاد بعد سنوات قليلة من بداية الحكم العثمانى؛ فلم يستقر الحكم العثمانى طويلًا فى مصر؛ فبعد سنوات قليلة من الغزو العثمانى حاول الباشا العثمانى أحمد باشا، الملقب بالخائن أن يستقل بمصر، وضرب السكة باسمه، وأمر بالدعاء له على المنابر (930- 931هـ/ 1524م) وانتهت حركته بإعدامه وتعليق رأسه على باب زويلة.

كذلك توالت ثورات واضطرابات جنود الحامية العثمانية وصراعاتهم فيما بينهم؛ خصوصا تلك الاضطرابات التى بدأت سنة 997هـ/ 1589م واستمرت حتى 1017هـ/ 1609م، التى قام بها جند السباهية فى الحامية العثمانية ضد الباشاوات العثمانيين الذين تعاقبوا على حكم البلاد فى هذه الفترة،، وذلك فى محاولة لفرض ضرائب على الفلاحين عرفت باسم الطلبة، وقد شارك الجراكسة المنضمون إلى الحامية فى هذه الاضطرابات مشاركة بارزة، وأثارت هذه الاضطرابات انتباه مؤرخى العصر العثماني؛ فوضع العديد منهم مؤلفات مستقلة حول هذه الوقائع؛ مثل محمد بن أبى السرور البكرى فى مؤلفه “كشف الكربة فى رفع الطلبة”، ومحمد البرلسى السعدى فى مؤلفه “بلوغ الأرب برفع الطلب”.

وقد تواكبت هذه الأمور مع تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية فى الدولة العثمانية، ودخول هذه الدولة عصر انهيار طويل بدأ منذ النصف الثانى من القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) واستمر حتى زوال الدولة العثمانية.

وفى هذا الوقت كان الغرب يتطور، فى حين تجمد الشرق تحت الحكم العثماني، وذلك فى لحظة افتراق الطرق فى العالم بين العصور الوسيطة والعصر الحديث، فبقيت مصر لثلاثة قرون أخرى ترزح فى ظلمات العصور الوسيطة؛ حتى بدأت نهضتها الحديثة مع عصر محمد علي. مقاومة سلبية

ويؤكد أبو غازى أن الشعب المصرى لم يتقبل الحكم العثمانى بسهولة، لكن حركات المقاومة اتخذت فى معظم الأحوال الطابع السلبى الذى ساد من قبل فى العصر المملوكي، وإن كانت بعض هذه الحركات قد نجحت فى الاستقلال الجزئى أو المؤقت عن الدولة العثمانية، بصورة عكست رفض الحكم الجديد، وإن كانت هذه الحركات لم تصل إلى حد إنهاء الحكم العثماني؛ لكنها نجحت فى تحقيق استقلال كامل لفترة قصيرة فى عهد على بك الكبير (1179 - 1186هـ/ 1755 - 1772م)، كما نجح أحد شيوخ الهوارة فى الصعيد، وهو همام بن يوسف الهوارى (1179 - 1183هـ /1765 - 1769م) فى السيطرة الكاملة على الصعيد والاستهانة الكاملة بالحكم العثماني، وتوالت الحركات الشعبية ضد الحكم العثمانى فى القاهرة، وحركات العصيان وهجر القرى فى الريف.

وعندما عرفت مصر محاولات الاستقلال عن الدولة العثمانية فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر، كان أوان البدء فى التحديث قد فات، فخطورة الاحتلال العثمانى تكمن فى أنه وقع فى لحظة كان “نظام عالمى جديد” يتشكل فيها، فحال ذلك الاحتلال دون انخراطنا فى ذلك النظام وأعاق مساهمتنا فى صياغته، وعندما أفقنا من الصدمة حاولنا أن نستعيد دورنا، كان الزمن قد سبقنا.

نقلا عن مجلة الأهرام العربي 

عماد أبو غازي
التعليقات