ايوان ليبيا

الأربعاء , 8 يوليو 2020
الولايات المتحدة تنسحب رسميا من منظمة الصحة العالميةبعد انخفاض معدلات الوفاة بفيروس كورونا في أمريكا.. فوسي يحذر من "التهاون الكاذب"ارتفاع عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا داخل تشيلي إلى أكثر من 300 ألف شخصالرئيس الأمريكي: سأضغط على حكام الولايات لإعادة فتح المدارس في الخريفلا وجود لمفاجأة لندنية جديدة.. تشيلسي ينتصر على كريستال بالاسخطأ معملي يتسبب في إصابة 19 لاعبا بـ كورونا في الدوري البلغاريمباشر في إيطاليا - ميلان (0)-(0) يوفنتوس.. رونالدو يهددليتشي يستحضر روح ميلان ويزيد من أوجاع لاتسيو بالفوز 2-1مذكرة تفاهم بين حكومة الوفاق والمملكة المتحدة حول تعزيز مستويات الحكمتشكيل لجنة لحصر العمالة الوافدةعودة الشركات والاستثمارات التركيةوصول أصغر حالة مصابة بفيروس «كورونا» الى مركز العزل بسبهاحجم إيرادات رسم مبيعات النقد الأجنبي في النصف الأول من 2020استئناف إنشاء محطة ركاب بمطار طرابلس الدوليالرئيس اللبناني: تدقيق الحسابات المالية مهم لصالح المفاوضات مع صندوق النقدالمالكي يرحب بتوجيه العثيمين رسائل لأعضاء مجلس الأمن واللجنة الرباعية بشأن خطة الضم"التعاون الخليجي" وبريطانيا يبحثان الشراكة الإستراتيجية بينهماوزراء الخارجية العرب يؤكدون الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني ورفض مخططات الضمبارتوميو يوضح موقف صفقة نيمار ويصرح: ميسي سيعتزل في برشلونة.. ومستقبل سيتيينمؤتمر سيتيين: قرارات حكم الفيديو تفيد فريقا واحدا أكثر من باقي فرق الدوري

الجزائر والقضية الليبية.. محددات ومحاذير السياسة الجزائرية.. الجزائر والإسلام السياسي.. مفاتيح أساسية..

- كتب   -  
الجزائر والقضية الليبية.. محددات ومحاذير السياسة الجزائرية.. الجزائر والإسلام السياسي.. مفاتيح أساسية..
الجزائر والقضية الليبية.. محددات ومحاذير السياسة الجزائرية.. الجزائر والإسلام السياسي.. مفاتيح أساسية..

محمد الامين يكتب :

الجزائر والقضية الليبية.. محددات ومحاذير السياسة الجزائرية.. الجزائر والإسلام السياسي.. مفاتيح أساسية..


على الذي يتحدث عن الشأن الجزائري أن يستحضر أمرين مهمّين للغاية: أوّلهما حساسية الدولة والشعب هناك إزاء مسألة السيادة والاستقلال. أما ثانيهما، فهو محنة النزاع الداخلي المروّع الذي عاشه هذا البلد بمنسوب آلام ودماء لا تضاهيه إلا حرب التحرير الشهيرة ضد المستعمر الفرنسي..

وتحت عنوان السيادة، ومن وراء شبح الألم المطلّ على العشرية السوداء الدامية، يمكنك أن ترصد سلوك الدولة الجزائرية التي أنقذتها تسوية تاريخية قامت على مبدأ المصالحة والصفح، أو ما يسمى بمشروع الوئام الوطني.. لقد أنشأت الجزائر، بقدراتها الذاتية وبتفاهمات على مقاسها وبمقدار آلام شعبها وآماله، سياجاً معنويا وقانونيا ومجتمعيا يحول دون عودة الصراع والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد.. هذا السياج هو الخط الأحمر الأخطر الذي تحذَرُهُ كافة الأطراف والمكونات والهيئات الوطنية أكانت سياسية أو أهلية أو نقابية أو غيرها.. فالوئام الوطني وحفظ الدماء مشروع كافة الجزائريين على اختلاف وتبايُن تَمَوضُعَاتِهم، وهو على ما فيه من ثغرات ونقائص، وبالرغم ممّا "قضمه" من حريات الجزائريين وحقوقهم، يعتبر أفضل الممكن إلى حدّ أعوام قليلة خلَتْ، وإلى غاية اندلاع المتغيرات السياسية الدراماتيكية التي شهدتها الجزائر والتي كشفت مقدار الثمن الذي دفعه أهلها مقابل السلام والاستقرار: خسائر بالمليارات.. وتأخر كبير في إدارة وتوظيف الموارد.. وتشوهات كبيرة في الحوكمة والشفافية.. واختلالٌ في تكافؤ الفرص بين مكونات النخبة وحتى أبناء الشعب، في ما يتعلق بالوظائف والتنمية والخدمات..

لذلك فإن ما نراه من امتناع الدولة عن الزج بالجيش الجزائري في النزاعات الخارجية على الرغم من تعدّد الأزمات والمشاكل على حدودها، وبالإضافة إلى كونه من ثوابت المؤسسة العسكرية منذ الاستقلال، فهو وعيٌ بأن التدخل في الخارج يخلق خلافات تخلّ بالاستقرار الداخلي، وهو كذلك منحٌ للفرصة أمام القوى الأجنبية النافذة كي تتدخل في الشأن الجزائري وتستدرج المؤسسة العسكرية إلى ساحات تُستنزف فيها قواتها وتزعزع تماسكها.. وقد حدث هذا في مناسبات عديدة اصطدم فيها الجزائريون مع مطالب الفرنسيين وغير الفرنسيين بـ"المساعدة" أو "التعاون" أو "الانضمام" إلى جهود "المجتمع الدولي" أو جزء منه..

وغير ذلك من الصيغ التي تعني شيئا واحدا وهو جرجرة الجيش الجزائري خارج حدوده.. ولأن هذا لم يتم إلى حدّ الآن، فإنه يظل خطرا قائما يمكن أن يكون أساسا لأية مؤامرة تستهدف الجزائر.

لقد جرب الجزائريون مآسي النزاعات المسلحة أكثر من أي شعب آخر في الإقليم. وهذا خلق لديهم عقدة واضحة أثرت على سياساتهم الخارجية ومواقفهم من كثير من الأزمات.. وتفاقم الأمر خلال الأعوام الماضية إلى حدّ يشكك في نوايا وقناعات صناع القرار في الجزائر.. لكن الذين لا يدركون خطورة التركيبة السكانية والجغرافية الجزائرية يفوّتون على أنفسهم فرصة كبيرة لفهم محددات السياسة في هذا البلد.. فالتنوع السكاني والجغرافي واتّساع المساحة ووفرة الموارد مطمع أساسي للخارج، وسبب كبير للتنافر والاختلاف بالداخل -لو كان بالبلد سلطة ضعيفة أو رخوة-، وقنبلة موقوتة تهدد بتقسيم الجزائر وتفتيت مكوناتها، وهو هدف يعمل عليه كثيرون للأسف سواء داخل الإقليم المغاربي أو خارجه..

هذا الحذر والاحتياط المبالغ فيهما إلى حدّ ما قد أدى إلى خلق أعداء للجزائر بصرف النظر عن توجّه الطبقة الحاكمة فيها.. وعقّد كثيرا على الشركاء والأشقاء والأصدقاء التفاهم مع الدولة العميقة، اعني دائرة الحكم الرئيسية، وهي المؤسسة العسكرية ذات العقيدة الوطنية الصارمة والولاء الكبير للاستقلال الوطني.. لكن هذا النهج أغرى كثيرا من القوى السياسية الناشئة بالتدخل والجرأة على مصالح الجزائر وربما استفزازها في ساحات مجاورة كالساحة الليبية على سبيل المثال..

وفي ما يهم الساحة الليبية بالذات..فإن الأمر لا يخلو من بذور خلاف تاريخي بين البلدين يتعلق أساسا بالمناطق الحدودية والموارد النفطية الموجودة فيها.. وهو ملف حارقٌ لم تسمح الدولتان بتداوله على نطاق واسع خشية تلغيم العلاقات بين البلدين فظل معلّقا ومؤجّلا.. لكنه لم يُقبَر على أي حال..

أما الخلاف الآخر، وهو حديث، فهو الذي يهم علاقات الدولة الجزائرية في الداخل بأزمات الساحل والمشاكل العميقة المتوالدة فيه،، وما يُعابُ عليها من عدم القيام بدور يتناسب مع حجمها وقوتها وتأثيرها من اجل حلحلة المشاكل التي تهدد كافة شعوب الإقليم..

وما يُعاب بالأساس على الدولة الجزائرية في هذا الصدد، هو "تسامُحها" المزعوم مع ما يسمى بالإسلام السياسي.. وهو في تقديري ليس مجرد تسامح أو شهر عسل عابر بقدر ما هو "تعايش" فرضه التاريخ، وخلقته الظروف الموضوعية في حالة متفردة كالحالة الجزائرية..

لقد شكل الإسلام السياسي في الجزائر خصما عنيدا للدولة، وأدى هذا الاختصام إلى اندلاع حرب عمياء ضارية قتّلت مئات الآلاف وخلفت دمارا كبيرا عطّل تنمية الجزائر وسمّم المجتمع.. لكن مشروع المصالحة المجتمعية الذي جاءت به حقبة بوتفليقة أسس الفرز الحقيقي وأقام الحجة على كافة أطياف هذا المكون.. فاختار قسم كبير منه أن يندمج في منظومة الدولة المدنية ويقبل بشروط اللعبة التي قبلتها الدولة العميقة على مضض أيضا مخافة منح المشروعية والتأييد لمن اختاروا البقاء في الجبال ومواصلة الصدام مع المجتمع والسلطة.. لذلك لا يمكن لوم الدولة الجزائرية كثيرا لإنها قد اختارت التعايش مع خصوم معتدلين أو اضطرت إليه بدل التورط في حرب لا نهاية لها مع أعداء متطرفين مدججين بالسلاح والايدولوجية ، وخوض صراع لن ينتهي بسقوط الدولة نفسها بل بانهيار المجتمع وتفجير المنطقة بأسرها.. هذا خيار اتخذته الدولة الجزائرية نظرا لخصوصيتها وطبيعة تركيبتها التي لا تحتمل انفجار "علبة كبريت" فضلا عن اندلاع حرب أهلية أو رفع أحد المكونات السلاح في وجهها بسبب حرمانه من النشاط أو التضييق على حقّه في المشاركة بالشأن السياسي والمجتمعي..

إن مجرد التفكير في جزائر محتربة أو ممزقة في هذه الفترة بالذات كابوس مظلم ومؤلم.. لكن مجرد التفكير في جزائر منغلقة ومنطوية على نفسها يثير كثيرا من الضيق والأسى، لأن جمود صانع القرار الدبلوماسي وتحفظه المبالغ فيه أيضا حقيقة مرّة، وسببٌ من أسباب مهاجمة شركاء دوليين وخصوم إقليميين لمواقع يفترض أن تشغلها هذه الدولة المحورية بالمنطقة..

كما أنني أعتقد أن ما أقدمت عليه دولة الاستقلال أي الثورة في الجزائر من قرار التحول إلى مرحلة الدولة قد ساعدها كثيرا على استيعاب خصومها بالقانون، فنجحت في وضع اطار للتنافس في الشأن العام رغم هشاشته، لكنها كانت مدفوعة إلى ذلك دفعا كي لا ينفجر المجتمع ويتحول التنافس المكبوت إلى احتراب معلن.

المنافس الإسلامي في الجزائر موجود بالقانون لأنه اختار العمل تحت قوانين الدولة، ولأن له حاضنة شعبية مهمة، وهو عنصر توازن محدد في المشهد السياسي الجزائري، لكن من الذي يضمن عدم تحوّل هذا المكوّن إلى سلاح في أيادي أخرى معادية لو تم التضييق عليه أو حظره أو قمعه؟

إن المصالحة الجزائرية التي شملت الإسلاميين الذين يعترفون بالدولة وشملت الدولة أيضا، قد اعترفت للمعتدلين بالحق في العمل والنشاط والمشاركة في الشأن العام كله.. وسهّلت عزل المتطرفين والإرهابيين..

في الجزائر يشمل الإسلام السياسي فرقا عدة إخوان، ومداخلة، وسلفيين، وصوفية وإباضية.. وهؤلاء في تصالح تام مع الدولة.. لكن لو انتهجت هذه الأخيرة نهجا معاديا لأي من هؤلاء دون مسوّغ قانوني، فسيكون الأمر بمثابة إعلان حرب على كل هذه المكونات.. لذلك اختارت الدولة أن تكون مظلة فوق الجميع بدل أن تكون عدوا وهدفاً للجميع!!
وهذا الأمر ينعكس بوضوح على سياسات الجزائر الداخلية والخارجية، ويفهمه كثيرون على خلاف حقيقته فيعتبرونه تحيزا لكنه في واقع الأمر انضباط للمبدأين الذين أشرت إليهما في صدر المقال: الاستقلالية والسلم الداخلي. باعتبار أن أي تصعيد من أي جانب يمكن أن يضرب السلم في الداخل ويشكل سببا أو مبررا للتدخلات الخارجية التي تسبب حساسية عالية لمؤسسة الحكم بالجزائر.

إن الجزائر تمثل أحد الدروس التاريخية بالنسبة للإقليم.. ولكن استيعاب الدول المجاورة ومنها ليبيا لهذا الدرس قد كان متفاوتا وأحيانا دون المستوى المطلوب.. ففي ليبيا بعد 2011 تعثر وفشل مشروع الانتقال إلى دولة المواطنة دولة الجميع.. وبالتالي تعطل تطور الحياة السياسية للبلد المحكوم بنصوص "ثورية" تتجاهل الآخر أو تتحاشى الاعتراف به أو تخشى إشراكه أو تنبذه.. وأهدرت على نفسها فرصة [إتاحة الفرز القانوني الذي يضمن حسن تصنيف المكونات السياسية التي تخالفه في الرأي على النحو الذي يجعل خلافاتها واختلافاتها تبرز أمام العامة والنخبة]، فكانت النتيجة أن اجتمع كل هؤلاء بعداواتهم وغاياتهم وتنافرهم وفروقهم على الدولة ذات القدرة المحدودة على المناورة الناشئة عن جمود العقل السياسي والنصوص "الثورية" المصطدمة بمرارة الواقع وسرعة التحولات والمتغيرات الجيوسياسية.. فكان الصراع الدامي الذي رأينا.. وأصبح العامل الوحيد الذي يجمع الأطياف المعادية هو أنها منبوذة من دولة "الثورة" ومعادية لها.. وهذا سهّل كثيرا مهمة الأطراف الخارجية التي لم تجد أية صعوبة في تجميع هؤلاء وتوجيههم نحو أكثر السيناريوهات كارثية بالنسبة إلى البلد..

لذلك أعتقد أننا ينبغي ألا نغادر هدوءنا وألا نتعامل بعصبية أو بجهالة مع هذا الملف.. فنحن إزاء صراع شارك الجميع في اندلاعه وخلق أسبابه.. فلا يمكننا جرّ آخرين لكي يعيشوا ما نعيش مرّتين!! ولا نستطيع إرغام آخرين أن يحرقوا بلدانهم كما احرقنا!! ولا نستطيع أن نجعل الآخرين يحرصون علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا، أو أن يقدّموا مصالحنا على مصالح بلدانهم.. علينا أن نستوعب الدرس، ونتأكد أن كل يوم حرب إضافي في بلادنا هو كارثة على وجودنا كدولة، وليس على مواردنا أو أرواحنا المفردة.. أما كيل اللوم لدول تسعى إلى النيل من ثرواتنا ومقدراتنا بسبب انقسامنا وطول أمد اقتتالنا، فهذا فيه تعسّف على قوانين الطبيعة وسُنَن الوجود.. لأن الضعيف الغافل أسوأ ألف مرة من الضعيف الفطن..

وللحديث بقية..

التعليقات