ايوان ليبيا

الأثنين , 19 أغسطس 2019
ارتفاع حصيلة ضحايا انفجار صهريج الوقود في تنزانيا إلى 95 قتيلاضجة بسبب تصريحات عنصرية لدبلوماسية كرواتية في العاصمة الألمانية100 مليار دولار سنغافوري تنقذ سنغافورة من الغرقذكرى "عبور خط الموت"..الأمريكيون يتذكرون 18/08/1981، ويتحدثون عن معمر القذافيالجرائم الإنسانية والإخفاء القسري في طرابلس تفنّد أكاذيب أدعياء المدنية ... بقلم / محمد الامينترامب مستاء من "فوكس نيوز".. وهذه هى قناته المفضلةتشاد تعلن حالة الطوارئ في شرق البلاد بعد مقتل العشرات في أعمال عنفثلاثة قتلى وسبعة جرحى في أعمال شغب بين مشجعين لكرة قدم في هندوراسشرطة زيمبابوي تحظر مسيرات احتجاجية للمعارضةفان بيرسي يكشف: أرسنال لم يرغب في استمرار "زواجنا"تشامبرلين: تحركات صلاح وترينت تساعدني في العودة لمستوايتقرير - تشان يخرج من حسابات ساري.. سان جيرمان وبايرن مهتمان بضمهمفاجأة السوق؟ سانشيز على أعتاب إنتر.. يونايتد يدفع 75% من راتبهبحث فرض عقوبات على مهربي الوقود من ليبيااتصالات بين الجيش ومسلحي مصراتة للانسحابخسائر فادحة في صفوف مسلحي الوفاقحقيقة اتصالات المصالحة بين مصراتة و ترهونةتأمين محطات الوقود في زليتنلقاء باشاغا والسفير الأميركي الجديدتورّط الرئاسي بالهجوم على مدينة مرزق

إبراهيم الكوني يكتب عن شقيقه أوفنايت

- كتب   -  
إبراهيم الكوني يكتب عن شقيقه أوفنايت
إبراهيم الكوني يكتب عن شقيقه أوفنايت

إيوان ليبيا - وكالات :

في مثل هذا اليوم، من العام الماضي المشؤوم (2018)، في منتصف شهر رمضان الأجلّ، تسلّلتَ من واقع باطلنا، لتحلّ ضيفاً على البرزخ. نزلتَ البرزخ أولاً، يقيناً منك بأن البرزخ هو العتبة الأولى في طريقك إلى ملكوت الأبدية، حيث تهيمن كلمة الله الأخيرة في حقّ أخياره، مترجمةً في مفردة بسيطة بساطة الربوبية نفسها، ولم تكن لتكون كذلك لولا هويتها المستعارة من لدن المعبود، ولكنها تحمل ذخيرة جسيمة تليق بالحضرة التي ليس كمثلها شيء توقاً للحلول برحابها؛ هذه المفردة التي كانت في حياتك هاجساً، وفي رحلة وجودك حلماً، وتطلّعت ليوم الخروج هذا دوماً ليقينك بأن كلمة السرّ في حملة الخلاص الأخير هي عتبة البرزخ، لأن الخطوة التالية هي العبور إلى: الحرية!

حللتَ بالبرزخ. حللتَ بالأعراف. حللتَ بالبُعْد الفيصل، فاحتجبت عنّا. لأن اللسان خذلك، ومات في العضلة خطابك الذي كان طوال حضورك في عالمنا الفاني بلسماً، بل كان في دنيانا ملاذاً، ففُجعنا، لأنك امتنعت عنّا. امتنعت عنّا برغم وجودك بيننا جسداً، بل وأنفاساً، بل وإيماءً ظللنا نقرأ متنه في المقلتين، ونجتهد في تفكيك أحاجيه، دون أن نصدّق أن امتناعك في ذلك التاريخ هو إشارة. هو خطاب. هو رسالة. هو رسالة ليست ككل الرسائل؛ لأن الوداع هو ما لم يخطر لنا على بال يوماً. لأن لا أحد منّا كان سيتخيّل وجود الوجود إذا غاب منه الإنسان الذي كان ذخيرة هذا الوجود، بل والعزاء لنا، ولأمثالنا من غرباء هذا العالم، في محنة مميتة هي: الوجود!

وزر كان كافياً كي يُفهِمنا أن الإنسان الذي يستلقي بيننا لم يعد معنياً في الواقع بعالمنا

وكان من الطبيعي أن نتجاهل الإيماء في الرسالة، ونمنّي أنفسنا بأنها محنة سوف تزول، وتعويذة وجودنا سوف تستيقظ من غيبوبتها، والإنسان الممدّد على فراش المرض سوف ينهض من كبوته، ويتحرر ليحرّرنا من أسرٍ صار مصابنا نحن لا مصابه هو. ولكن هيهات. فالصراع هذه المرة تواصل. والشلل في العضلة استمرّ. ولم يبق لنا من «فنايت» سوى الإيماء في المقلتين، والبسمة في السيماء. بسمة من جنس آخر. بسمة تنوء تحت وطأة وزر غيبيّ. وزر كان كافياً كي يُفهِمنا أن الإنسان الذي يستلقي بيننا لم يعد معنياً في الواقع بعالمنا، لأن الإيحاء في المقلة يقول إن تميمتنا التي عوّلنا عليها، ونرفض الاعتراف بوجود نهاية في حقّها، إنّما تخلّت عن الدينونة، وترنو الآن في الديمومة. لأن الخطاب في المقلة هو الذي يقول إن التسليم هو جواز المرور إلى البرزخ. هو شهادة الأبدية عند الموافقة على المثول في حضرتها. والبرزخ هو بوابتها. وليس لنا إلاّ أن نملأ أعيننا من إنسان القيمة الذي كان في حياتنا المعنى، لأن ما نراه في السيماء ما هو إلاّ نداء الأبدية، وامتناع اللسان ما هو إلاّ جرس الإنذار المكتوم الدّال على الإنطلاق إلى أرض الميعاد.

فهل نعترف؟ هل نستسلم؟ هل نقنع بقضاء الله كما يليق بكل مؤمن؟

الواقع أن الإيمان لا يهرع لنجدتنا في مثل هذه المواقف وإلاّ لما كنّا أناساً اعتادوا أن ينكروا منيّة هي أقرب من حبل الوريد، وما حياتنا سوى سباق محموم لالتقائها، وبرغم ذلك لا نملك إلاّ أن نرفض الاعتراف بها ما أن تُقرع الأجراس في حقّنا، لننسى أن الأجراس عندما تُقرع لا تُقرع للأغيار منّا، لا تُقرع فحسب لأولئك الذين قُرعت في حقّهم لأنهم تنفّسوا الصعداء عندما لفظوا أنفاس النزع الأخير، ولكن الأجراس عندما تُقرع إنّما تُقرع لنا نحن الأحياء أيضاً، ليس لأن الشطر الأعظم من الطريق إليها قد قُطع، ولكن لأننا نموت في الواقع مع كل مخلوق قرعت له الأقدار الجرس، لا لأننا سوف نخلفه عاجلاً أم آجلاً، ولكن لأن هذا الإنسان الذي سبقنا، قد استقطع نصيباً منّا، بل النصيب السخيّ منا، ليكون في رحلته زاد سبيل، ليكون له في عزلته عزاء، وما فجائعنا حينها سوى الإحساس الغيبي بالنصيب الضائع من روحٍ لا تهفو إلى شيء كما تهفو لتلك الحرية التي لا وجود لها إلاّ في الموت.

بلى! هو تجديفٌ في حقّ الناموس الطبيعي أيضاً، ولكنه، في ظنّي التجديف الوحيد المغتفر

فكيف نعترف بوجود «فنايت» في سدّة برزخ هو في أدبيّاتنا الدنيوية دائماً شبحٌ مؤجّل؟ كيف لا نتجاهل حلول الأجل في حقّ الإنسان الذي ظننا، من فرط تعلّقنا به، أنه معصومٌ من الأجَل؟ ألن يكون ذلك تجديفاً في حقّ الناموس الإلهي؟

بلى! هو تجديفٌ في حقّ الناموس الطبيعي أيضاً، ولكنه، في ظنّي التجديف الوحيد المغتفر، لأن الحُجّة هنا هي: استنكار غياب أنبل قيمة في الوجود وهي: الحبّ!

فكل مبدأ في عالمنا قابل لأن يغيب، قابل لأن نجد في فقده عزاءً، باستثناء فناء الحبّ. وفنايت الكوني كان طيفاً محبوكاً من هذا النسيج الذي في مسيرة الأنام قدس أقداس وهو: الحبّ!

فكيف نسمح بأن يفلت من بين أيدينا؟ كيف نقبل بأن تختفي هذه المنارة السحرية التي ألفناها واعتدناها وتخللتنا حتى صارت فحوى في وجدان كل منّا، هكذا فجأة، دون سابق إنذار، وفي غفلةٍ منّا؟ إلى ماذا سيؤول واقع الإنسان إذا خلا من وجود إنسان كهذا بغتةً؟

لماذا لا نتذكّر كيف غابت من دنيانا منارة أخرى كانت في حياة فنايت معلّماً، بل ودرساً في حياته وحياتنا أيضاً كما هو الحال مع غياب الأب؟ كما لا نحتكم إلى الصواب فنستعيد سيرة رُسُلٍ خلَت من قبلهم الرُّسُل، وأخيارٍ انطوت من قبلهم أخيار، ونقنع بالنصيب الذي ارتضته لنا العناية الإلهية من سعادة نلناها على يديه طوال حضوره بيننا، ونعي الحقيقة التي تنفي وجود سعادة خالدة؟

ولكن خطاب الروح ينوح في مدارٍ آخر خارج هذا العالم

هذا صواب في عرف الحسابات العقلية، ولكن خطاب الروح ينوح في مدارٍ آخر خارج هذا العالم. لهذا السبب نزفت فينا الروح طوال مكوث فنايت في سجن البرزخ الذي استغرق أسبوعين آخرين، من رحلة غياب بدأت في أول يوم رمضان الماضي، قبل أن تضع الأقدار خاتمة لمخاض الخلاص في ختام الشهر، ليلفظ أنبل خلق الله أنفاس النزع الأخير ليلة العيد، إيذاناً بالخروج من برزخ الأعراف، ليعبر العتبة إلى رحاب الملكوت، إلى رحاب الحرية في بعدها الأقصى.

فطوبى للإنسان الذي اصطفته الأقدار بأن استضافته ليقضي صياماً لا إفطار فيه ولا طعوم لثلاثين يوماً في البرزخ، لتأذن له في ارتياد فراديس العروة الوثقى، كأنها دعوة لتأدية صلاة العيد في حرمٍ كان دوماً حكراً على أخيارٍ لم ينتموا يوماً إلى عالمنا، ولم يكونوا لينزلوه إلاّ أضيافاً، وما حضورهم في الحرم الآن إلاّ عودة إلى الديار التي اغتربوا عنها طوال وجودهم بيننا، وأنانيّتنا هي التي ترفض أن تعترف لهم بهويّتهم كأطياف، لأننا ننسى أن الأقدار لم تهبهم لنا إلاّ كوديعة تركتها في عهدتنا على سبيل الإعارة، والعرس، في محفل الملائكة، هو يوم عودة الابن الضالّ إلى بيت الأب، عودة سليل الإنسان إلى ربوع الربّ.

التعليقات