ايوان ليبيا

الأربعاء , 19 يونيو 2019
المملكة تؤكد دعمها وتمكينها للمرأة السعودية في مختلف المجالات |صورة"دارأوبرا مسقط" تعلن تفاصيل برامج موسمها الجديد 2019/‏‏‏ 2020البرهان: لامزايدة على الوطن والفترة الانتقالية ستدار حسب القانونالسعودية: أكثر من ثلاثة ملايين مستخدم لتطبيق "مصحف المدينة النبوية"الحاسي: جاهزون للحظة إقتحام العاصمةسفير جديد للفلبين في ليبياتخريج دفعات جديدة لقوات الدعم المركزيتمديد فترة استيراد السلع غير المحظورةلِيبِيَّا. حَلُّ الْأَزْمَةِ ثُمَّ إِعَادَةُ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ ... بِقَلَمِ / رَمْزَي حَلِيمُ مفراكسعلى هامش الحراك السياسي لليبيين خارج الوطن: أخلاقنا السياسية متردية في السلم والحرب!!..أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي في السوق الموازي اليوم الاربعاء 19 يونيو 2019العمر الافتراضي لحشوات الاسناناسباب فقدان الوعي المفاجىءاشتباكات عنيفة بهذه المحاورخفايا جلسة "نواب طرابلس"ليبيا تشارك في مؤتمر العمل الدولي بجنيفبوريس جونسون: بريطانيا ستدفع ثمنا باهظا إذا لم تنسحب من الاتحاد الأوروبي في أكتوبرالأمم المتحدة: أكثر من 70,8 مليون نازح ولاجئ في العالم أواخر 2018اليوم.. افتتاح المؤتمر الإقليمي حول القضاء على زواج الأطفال وختان الإناثالرئيس الفنزويلي: تكلفة محاولة اغتيالي بلغت قيمتها 20 مليون دولار

ظاهرة الإرهاب العابر للحدود في جنوب ليبيا - الجزء 4

- كتب   -  
ظاهرة الإرهاب العابر للحدود في جنوب ليبيا - الجزء 4
ظاهرة الإرهاب العابر للحدود في جنوب ليبيا - الجزء 4

الخاصرة الرخوة

جنوب ليبيا: أبعاد ومدلولات ظاهرة الإرهاب العابر للحدود

 بقلم الدكتور يوسف شاكير

ثاني تلك القضايا الإشكالية، حقيقة وجود البيئة الحاضنة لتلك التنظيمات الجهادية بالجنوب من عدمها.ثمة مقولة، باتت موضع قناعة كبيرة لدى الدراسيين والمتابعين للشأن الليبي، أن وجود تلك التنظيمات بالجنوب ناجم عن حالة السيولة السياسية الكبيرة في ليبيا، وتراجع مستويات أداء السلطة لوظائفها الأمنية والإدارية الأساسية داخل المدن وعلى الحدود المترامية الأطراف، وليس وليد دعم اجتماعي أو حاضنة قبلية واسعة النطاق. ويستدلون على مصداقية مقولتهم تلك بضرب العديد من النماذج التي أبرزها:

1ــ منفّذو هجوم مصفاة الطاقة في عين أميناس بالجزائر عام 2013 عبروا مناطق واقعة شمال مدينة غات، وقد كان في إمكانية الألوية الأمنية المحلية التي تدعم حكومة طرابلس، وقفهم ومنعهم، إلا أنهم تفتقر بشكل عام  إلى القوات اللازمة لضبط الحدود.

2ــ أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ركّز جل اهتمامه على الساحل كميدان أساسي لتوسّعه عملياته الإرهابية، مستخدماً ليبيا كممر لتأمين العمق اللوجيستي، وليس كساحة عمليات رئيسة، وأن دعوتها لمقاتليه في صيف 2016 للمساعدة في القتال ضد حفتر حينما أراد الهجوم على مدن بنغازي ودرنة بالشرق، كانت للدفاع عن عناصره بالمدنية، وليس نتيجة تحول إستراتيجي في تفكيره تجاه ليبيا.

3ــ علاقات التنظيمات الجهادية مع المجموعات المسلحة المحلية، أو مكونات المجتمع الجنوبي القبلي قائمة بالأساس على مبدأ المنفعة والمصلحة المشتركة المتمثلة في إبقاء الحدود غير مضبوطة.

ومن ثم ينتهون إلى خلاصة نهائية مفادها..." لم تحدث العقيدة المتشددة لتلك التنظيمات الجهادية اختراقًا كبيرًا داخل الجنوب وتحديدًا في مناطق الطوارق أو النسيج الاجتماعي الجنوبي إلا بمعدلات ضئيلة أو محدودة ".إلا أن ثمة حقائق أساسية تدحض تلك الأسس التي تأسست عليها تلك المقولة، في مقدمتها:

أولهمـا: الافتراض بأن قيادات داعش تحديدًا من خارج ليبيا، ومن ثم فإنهم سوف يواجهون معارضة قبلية شديدة بالجنوب، هو افتراض غير موضوعي، لكون العديد من قيادات إمارة داعش في ليبيا، كانوا من أبناء ليبيا أنفسهم، دون أن ينفي وجود رموز جهادية من خارجها، أكثرهم أقام روابط عائلية مع قبائل الجنوب. فقد ذابت العديد من التنظيمات الجهادية الليبية بالشمال، في داعش بدءًا من عام 2014، تحت زخم إعلان الخلافة في الشام، من أبرز تلك التنظيمات، أولوية الشيخ عمر عبد الرحمن، ومجلس شورى شباب الإسلام كلاهما انضما لداعش في أكتوبر 2014، وتلهما في الشهر التالي نوفمبر إعلان تنظيم مجاهدي ليبيا مبايعة داعش. ولذا فإن تيار الهجرة المعاكسة من سرت نحو الجنوب، لم يكن أغلب عناصره أجنبية كما يعتقد، بعكس تيار الهجرة من أرض الخلافة بالشام التي غلب عليها العنصر الأجنبي.

ثانيهــا: إغفال التطورات الكبيرة التي شهدتها الفروع الإقليمية لتنظيم داعش سواء في الأفكار أوالتعامل مع المجتمعات المحلية، مستفيدة من خبرة سقوط الخلافة بالشام. إذ بات قادة التنظيم أكثر حساسية تجاه القضايا التي تهم السكان المحليين، بما فيها التعقيدات القبلية والثقافية بين مكونات المجتمع الجنوبي. وتظهر خبرة العامين الماضيين لوجود داعش بالجنوب الليبي أن عناصره كانت أكثر حساسية للمظالم والهويات المحلية، بما يؤشر على أن التنظيم استوعب درس العراق وسوريا، وأدرك قيمة احترام الخصوصيات الثقافية والعرقية بل والمذهبية في مناطق ملاذاته الأمنية، وثمة العديد من المؤشرات الكاشفة عن تلك التغييرات الفكرية ( لا يعلم حتى الآن هل هي تعبير عن تحولات جذرية وأصيلة في فكر التنظيم أو تعبير عن برجماتية فرضتها الحاجة الملحة في وقت يواجه فيه التنظيم تحديدات وجودية عميقة الأثر) في مقدمتها:

1ــ بات التنظيم أكثر مرونة في تطبيق الشريعة الإسلامية، والتخلي عن الأحكام الأكثر قسوة في العقوبات.

2ــ التركيز على القضايا الأكثر إلحاحًا بالنسبة للتجمعات السكانية بالجنوب بشقيها العرقي والقبلي.

3ــ الهيمنة وحرية الحركة الكبير والنسبية طبعًا، التي باتت تتمتع بها الفروع الإقليمية لتنظيم داعش تجاه النواة الصلبة والمركزية ــ قيادة التنظيم الأم بالشام.

4ــ استمرار آليات الدعم الوجيستي للتنظيم طوال الأعوام الثالثة الماضية من دون انقطاع، يشمل هذا إقامة معسكرات التدريب والتجنيد السياسي من ناحية، أو حريات التنقل سواء ما بين الحدود أو تجاه الساحل بالشمال، والحصول على المؤن والسلاح من ناحية أخرى. ومن ثم فإن احتفاظ داعش بكياناته العسكرية والإدارية من دون تهديد، وفي مقدمتها "لواء الصحراء" ومكتب الحدود والهجرة المسئول عن العمليات الخارجية والدعم اللوجيستي والتوظيف.

ثالثهــا:المصلحة والمنافع المادية ليست هي المحدد الوحيد للروابط التي نسجها تنظيم داعش مع الكيانات المحلية، لكونه يغفل دور المحدد الديني في دعم وتقوية تلك الروابط وتوثيقها. فإذا كان من الثابت أن تلك الكيانات المحلية المتوطئة بجنوب غرب ليبيا على سبيل، تهمد السبل لتحركات داعش أو القاعدة، حيث يشار تحديدًا إلى لواء حرس الحدود 315 ( عبارة عن ميليشيا تتخذ من أوباري مقراً لها ويقودها القيادي الجهادي أحمد عمر الأنصاري، وتتمركز قواتها بالطرف الجنوبي للمدينة، على مقربة من مجمع كتيبة تيندي على طول طريق حدودي يعبر ممر سلفادور باتجاه النيجر)، فإن هناك إغفال تمام لحقيقة أن الأنصاري وجماعته أعلنا الولاء البيعة لتنظيم داعش، وزعيمه أبو بكر البغدادي.

رابعهــا: أظهرت خبرة السنوات الثلاثة الماضية منذ بدء تيار الهجرة المعاكسة لعناصر داعش سواء من مدن الساحل الليبي أو من أرض الخلافة للجنوب الليبي، فشل التعويل على الصدام السياسي والعسكري بين هؤلاء وأنصار تنظيم القاعدة الذين لهم تواجد راسخ وتاريخي بتلك المنطقة. فالصدام بين مكوني التنظيمات الجهادية بالجنوب لم يحدث، بل على العكس حدث بوادر مصالحة آنية فرضت القيود الإقليمية والدولية الكبيرة المفروضة على تنظمي داعش والقاعدة. وامتدد هذا التعاون إلى جماعات الجريمة المنظمة، فقد طور عناصر داعش والقاعدة أيضًا تدبير إدارية مع المهرّبين المحليين لحماية خطوط إمداداته نحو الشمال.

ولعل أبرز المؤشرات الدالة على مصداقية ما نتحدث عنه، تقارير اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، التي حذّرت في تقرير خاص أصدرته عام 2018، من أن تقوم عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم أنصار الشريعة وتنظيم القاعدة بتشكيل خلايا جديدة بمناطق أخرى من ليبيا وخاصة الجنوب الغربي لليبيا، وذلك بعد تسجيل هروب العشرات منهم من مدن بنغازي وسرت ودرنة وصبراته، إثر الاشتباكات المسلحة وخسارة تلك المدن نحو منطقة الجنوب.وأضافت اللجنة أن لجوء عناصر تلك التنظيمات لهذه المنطقة الشاسعة والمفتوحة سيسمح لها بالتواصل مع تنظيمات إرهابية أخرى منتشرة بالمنطقة على غرار تنظيم "بوكو حرام" في نيجيريا، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتنظيم "الموقعون بالدم" وجماعة "أنصار الدين" وحركة "التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا.

ولذا فإن حسم تلك القضايا سوف يساعدنا كثيرًا ليس على قراءة المشهد الإرهابي بالجنوب قراءة موضوعية، بعيدًا عن إي تشويش أو توظيف سياسي متعمد، ومن ثم التفكير العملي في بلورة آليات مكافحة وكبح مخاطر التهديدات الأمنية القادمة من تلك الخاصرة الرخوة بجنوب ليبيا، وتطبيقها على أرض الواقع بعد استيعاب تحولات بشكل واعي وتام.وتتركز داخل الحيز الجغرافي للجنوب الليبي الآن، أبرز مجموعتين من التنظيمات الجهادية، تستحوذ على ثقل كبير.

تنظيم الدولة الإسلامية ــ داعش ليبيا

يتميز تنظيم الدولة الإسلامية بشكل عام مقارنة بالقاعدة وغيرها من الجماعات الجهادية، بكون الانضمام إليه يعني الانصهار في بوتقلة التنظيم Melting Pottingلا العمل تحت مظلته أو وعاء جامع لتلك الحركات الجهادية. من ثم فإن الجماعات التي أعلنت انضمامها للتنظيم بدءًا من العام 2014،انصهرت تمامًا تحت قيادة إمارة داعش في ليبيا، ما أفقدها سمات الخصوصية سواء المكانية أو السكانية.

كما أكدنا من قبل، فإن داعش بخلاف القاعدة، مساحة انتشاره تكاد تغطي كامل الجغرافيا السياسية الليبية، مع الأخذ بالاعتبار الثقل النسبي داخل تلك المناطق، حيث تبدأ بالانتشار المحدود جدًا القائم على الشخوص فقط بمناطق الشمال الساحلي وتحديدًا في الغرب، ويبدأ هذا التواجد بالزيادة الملحوظة كلما اتجهنا جنوبيًا حيث تبدأ معسكرات ومراكز تجمع التنظيم تظهر قليلاً بمناطق الوسط جنوب سرت وأجدبيا، مرورًا بالجفرة والشاطئ الرمادي. فعلي سبيل المثال، تتواجد عناصر تابعة للتنظيم بالمنطقة الواقعة بين تنيناي ونسمة جنوب بني وليد وتنتشر جنوبا حتى الشويرف، وغربا حتى منطقة طبقة.ويقود تلك المجموعة القيادي مالك الخازمي، من سكان  بني وليد، ما يسهل لمجموعته التي يصل عددها لأكثر من 70 مقاتل من جنسيات متعددة أغلبها عربي، وتمتلك سيارات للدفع الرباعي يصل عددها إلى 15 سيارة، التحرك والتنقل وتوفير الغذاء والملاذ الأمن بتلك المنطقة. كما يتواجدون أيضًا في منطقة دوار الكليات حيث يوجد أحد أكبر مراكز جمع المعلومات للتنظيم ويقع جنوب النوفلية بمسافة 150 كم، بالمنطقة ما بين حقل المبروك ودشم خشوم الخيل. كما يوجد للتنظيم وجود مؤثر في منطقة منقار بورتمة وتقع جنوب النوفلية بقرابة 10 كم، بالقرب من منطقة بن جنود غرب مدينة بن جواد، ويُعد هو الآخر أكبر مراكز تجمع التنظيم بتلك المنطقة. 

ثم تبدأ في الظهور العلني سواء للشخوص والمؤسسات بشقيها الإداري والتدريبي بالجنوب بدءًا من العوينات قرب الحدود مع السودان، مرورًا بمدينة جنوب سبها حيث مناطق زويلة ومرزق والقطرن انتهاءً بأقصى الغرب في أوباري وغات. تتركز مجموعات داعش وعائلاتهم بشكل أساسي بالمنطقة المحصورة ما بين جنوب الفقهاء وشرق سبها وشمال تمسه ووسط جبل الهروج الأسود، في موقعين رئيسيين: الأول، وادي شويله ويقع جنوب غرب بلدة الفقهاء بمسافة 91 كم ، وشرق بلدية سبها بمسافة 134 كم وشمال بلدة تمسة. الوادي يبلغ طوله تقريبا 100 كم ذو منحدرات ومنعطفات وذو تضاريس صعبة جدا ويبدأ من الشمال من منطقة سليتت حقل الغاني للجنوب حتى منطقة تمسه، ويُعد الأكبروالأول لتجمع عناصر التنظيم بالجنوب. أما الموقع الثاني، فيوجدبمنطقة عبد المولي، وتقع وسط الهروج الأسود بالتحديد جنوب شرق بلدة الفقهاء بمسافة 95 كم، حيث يقيم مقاتلي التنظيم وعائلاتهم. تتميز تلك المنطقة بصعوبة تضاريسها الوعرة، كثرة مسالكها الترابية.

أما في أقصى الغرب فهناك تجمع كبير لمجموعات من داعش بالمنطقة الصحراوية جنوب أوباري"وادي الحياة " ومرزق، يُعدالأكبر بتلك المنطقة تتوافر لديها الأسلحة والعناصر. تتركز تلك التجمعات على مسافة 62 كم جنوب مطار أوباري، و90 كيلو متر جنوب شرق مهبط حقل الفيل النفطي داخل مشروع برجوج الزراعي، وهو بمنطقة وادي عتبة غرب بلدية مرزق وتتوفر فيه مصادر للمياه العذبة والمحاصيل الغذائية التي توفر لمقاتلي داعش سبل المعيشية والإقامة، بالإضافة للطبيعة القبلية لتلك المنطقة لكونها تحت الحماية المباشرة من قبيلة القايد التي لها نفوذ كبير داخل تلك المنطقة، وينتمي إليها أحد أبرز قيادات داعش بالجنوب،حسن القايد والمعروف "أبو يحي الليبي".

ومنذ عامين، قام التنظيم بتنصيب القيادي أحمد الأنصاري، أميرًا للتنظيم بتلك المنطقة الصحراوية(11).وأهمية الموقع تكمن في كونه يمثل حلقة وصل مهمة في مسارات تهريب المقاتلين ما بين الجزائر ومن ثم مالي وليبيا(12). كما يوجد به مهبط للطيران، موقع المزرعة لا يبعد عن بوابة السبيطات سوى 72 كم، وكانت عناصر التنظيم قد قامت بالهجوم عليها عام 2017، الاستيلاء علي بعض الأسلحة والذخائر وأقامت داخله بشكل تام وتحول إلى معسكر.يوجد به عدد كبير من الهناجر ومبني أدارى لإدارة المشروع الزراعي وبعض الوحدات السكنية الخاصة بعمال المشروع وحاليا يتم استغلالها بشكل كامل من قبل عناصر التنظيم.

قبل سقوط سرت من قبل قوات مصراتية، ومدن بنغازي ودرنة من قبل قوات الجيش الليبي، كان تنظيم داعش قد ترك بصماته الواضحة بمدن بنغازي وسرت وطرابلس وأجزاء من جنوب ليبيا. إذ نشطت مكاتبه الإعلامية بصورة كبيرة في برقة وطرابلس ونشرها لأنشطة الحسبة والدعوة، بالإضافة لأعمال العنف وإعدام الرهائن المختطفين، كان أبرزها  إعدام 21 مصريًا قبطيًا على الشواطئ الليبية، حيث بث تنظيم داعش فيديو في 15 فبراير 2015 يُظهر عملية الإعدام، ويتوعد بالمزيد من هذه العمليات ضد من وصفهم بـ"الصليبيين".

وكان الطوارق أقرب الجماعات العرقية بالجنوب لاحتضان وتوفير بيئة حاضنة لداعش، أما التبو وقبائل أولاد سليمان والمحاميد فكونوا من أشد معارضي التنظيم، بل أن أولاد سليمان تحالفوا مع قوة الردع الخاصة القادمة من مصراتة وحاربت التنظيم في مدينة سبها لإخراجه من داخل المدنية، وجرت مواجهة كبيرة بينهما طوال عامي 2015 ــ 2017. وفي تلك الفترة تكون تحالف كبير عشائري كبير ضم: القوة الثالثة؛ قوة الردع الخاصة، والميليشيا السلفية الجنوبية التي شكلتها قبيلة أولاد سليمان، من أجل إخراج داعش من محيط مدينة سبها، ودفعه نحو الجنوب. أما الحاضنة العربية للتنظيم فتوجد لدي قبائل القذاذفة والمقارحة.

بخلاف الهيكل الرئيس للتنظيم، والذي شكل النواة الصلبة لوجود داعش في ليبيا بشكل عام، فإن هناك العديد من التنظيمات التي أعلنتها انضوائها تحت قيادة التنظيم، بعد النجاح الكبير في إعلان الخلافة الإسلامية، والصدى الكبير لهذا الإعلان لدى كافة التنظيمات الجهادية داخل المنطقة وخارجها.ويمكن تفسير السهولة الكبيرة لعمليات الاستقطاب العقائدي من قبل داعش، لكون انتفاضة فبراير 2011 أتت بجيل جديد من الجماعات الجهادية من ناحية، وخروج العديد من قيادات ورموز تلك الجماعات من السجون بعد الفوضى التي عمت ليبيا وسقوط نظام القذافي من ناحية أخرى، وكانت البداية حينما أعلن "مجلس شورى شباب الإسلام"في مدينة درنة مبايعته لداعش في أكتوبر 2014، وبعد ذلك، اعترف البغدادي بانضمام أقاليم:برقة وطرابلس وفزانإلى خلافته. وشملت تلك التنظيمات:

1ــ بقايا جماعة أنصار الشريعة، التي أسسها محمد زعاوي بداية عام 2012 في بنغازي وكان لها حضور قوي في درنة وسرت. فقد أعلنت الجماعتان في درنة وسرت انشقاقها عن تنظيم القاعدة والانضمام لتنظيم الدولة، بعد تأسيس إمارة داعش في سرت، حينما سقطت مدن الساحل المتوسطي في أيدي سلطتي طرابلس وبنغازي، فر العديد من مقالتي الجماعة من درنة وسرت وبنغازي وأجدبيا، بدأت تتنشر في شكل مجموعات صغيرة يتولى قياداتها القيادي هاشم بو سدرة من مدينة درنة، ويتولى أيضًا إدارة الحدود داخل التنظيم، وهو المسئول الأول عن عمليات خطف الأجانب وعمليات التهريب. وجودهم يتركز أساسًا في مناطق الوسط الليبي، ومحدود في الجنوب.

2ــ تنظيم أولوية الشيخ عمر عبد الرحمن، أحد رموز جماعة الجهاد الإسلامي بمصر، وتوفي بالولايات المتحدة حيث كان يقضى عقوبة السجن المؤبد لتورطه في الهجوم على مركز التجارة العالمي عام 1993 من بين مخططات أخرى، وعناصر التنظيم كانت مسئولة عن سلسلة الهجمات التي وقعت في بنغازي في مايو ويونيو 2012، حيث وقعت هجمتان ضد اللجنة الدولية للصليب الأحمر بهجوم بقنبلة ضد القنصلية الأمريكية وهجوم على موكب السفير البريطاني.

3ــ تنظيم مجاهدي ليبيا، الذي أعلن في 10 نوفمبر 2014، مبايعة أبو بكر البغدادي ودولة الخلافة، وقال بيان صوتي تم نشره على موقع "يوتيوب"  إن جمعًا من الفصائل والكتائب على أرض ليبيا بولاياتها الثلاث؛ برقة وفزان وطرابلس، تعلن مبايعة الخليفة البغدادي على السمع والطاعة ودعا البيان جموع المسلمين في كل مكان لمبايعة البغدادي ونصرته، بل حث القبائل الليبية على حذو حذوهم، وهدد من وصفهم بـ"المرتدين من العلمانيين وقوات الجيش" بالقتال حال تصديهم لعناصر داعش أو مقاومة في ليبيا.

4ــ مجموعة "أنصار الحق"بقيادة أحمد الأنصاري،أحد أبرز القيادات الأجنبية بالتنظيم ــ مالي الجنسية، كما يتمتع أيضًا بالجنسية الليبية، وكان جزءًا من تنظيم "المرابطون أو الموقعون بالدم" الذي يقوده مختار بلمختار الجزائري، أحد أبرز قيادات القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وقد بايع الأنصاري تنظيم داعشرسميًا في يونيه 2015، ما أحدث حاله شقاق وخلاف عقائدي كبيرينبينه وبين بلمختار حول تلك البيعة للتنظيم،ففي حين رفض مختار بلمختار إعطاء البيعة لتنظيم داعش، واستمرر على ولائه للقاعدة محافظًا على بيعته لزعيمها أيمن الظواهري، قرر الأنصاري مبايعة داعش والبغدادي، والانشقاق بالتنظيم عن القاعدة. وارتباط الأنصاري بعلاقات نسب مع قبيلة القايد التي منحته مع التنظيم ملاذاً أمنا في مناطقها بأقصى الجنوب الليبي.

5ــ جيش الصحراء بقيادة المهدي سالم دنقوه (13)،ويكني بــ "أبو بركات" وأغلب عناصره أتت من دول الجوار مثل مصر وتونس والجزائر والسودان عبر جنوب ليبيا. ويضم هذا الجيش ثلاث كتائب مسلحة تحت قيادة كل منها أمير، ويشكلوا لواء الأجانب في تنظيم داعش. وكون دنوه هذا الجيش بعدما فر من سرت خلال حملة سيطرة حكومة طرابلس على المدنية، مع مجموعة كبيرة من المتشددين، تتواجد تلك العناصر في أقصة جنوب سرت، كما أنه لهم تواجد في طرابلس.   

ولذا، فمن المتوقع أن يوفر هذا الانتشار  الكبير لخلايا داعش، قدرًا من التمكين السياسي ــ العسكري، مع حرية أكبر  للتنقل، والأهم إمكانية التعاون مع غيرها من بقية تنظيمات العنف السياسي بالجنوب من شن هجمات على أهداف محددة، وهذا من شأنه أن يساهم في تعزيز قوتها الميدانية والحركية على الأرض. إلا أن متغير جديد دخل على ساحة الجنوب سيشكل تحدي كبير أمام داعش وغيرها من تنظيمات العنف والإرهاب بالجنوب، متمثل في دخول حفتر وقوات الجيش الليبي كلاعب رئيس وأساسي في معادلة التوازنات الداخلية، بعد نجاحه في اجتياح مساحات واسعة من أراضي الجنوب، وإعادتها للسلطة الحكومة المؤقتة في طبرق، وبدأ يضخ الأموال لقبائل الجنوب من أجل شراء ولائها من جديد. ولذا فإن المنطقة مازالت حبلي بتحولات وتغييرات كبيرة لم تفصح عن نفسها بعد. 

تنظيم القـاعـدة

باستثناء الطبيعة الإنصهارية لتنظيم الدولة، فإن خلايا والجماعات المنضوية تحت لواء تنظيم القاعدة تعمل بقدر أكبر من الاستقلالية، كما أن وجودها داخل القاعدة ليس كعناصر ومقاتلين، وإنما كجماعات لها خصوصيتها من حيث التكوين والأهداف، وارتبطت بالتنظيم الأم وزعيمه أيمن الظواهري بما يسمي بــ "بيعة الدم والولاء". وبخلاف داعش أيضًا، فإن خلايا القاعدة تُعد الأقدم تاريخيًا بجنوب ليبيا، حينما أوجدت لنفسها موطئ قدم كبيرة منذ تسعينيات القرن الماضي.

وبلغت فورة نفوذ وحضور القاعدة وانتشارها في الشمال مع انتفاضة فبراير، وإعلان تشكيل جماعة "أنصار الشرعية" التي انتشرت في العديد من مدن الساحل المتوسطي وتحديدًا بالشرق، وشأنها شأن "مجالس شورى الثوار" في العديد من تلك المدن، وكلاهما أعلن البيعة لتنظيم القاعدة. وكانت أبرز جماعتان هما "أنصار الشريعة في درنة" التي قادها أبو سفيان بن قومو" نزيل سجن جوانتانامو "، وينسب إليه أغلب الهجمات الخطيرة التي استهدفت الغربيين ومؤسساتهم الدبلوماسية بالمنطقة الشرقية، ومجلسي شوري مجاهدي درنة، ومجاهدي ثوار بنغازي. وعقب عمليات التطهيرالكبيرة لمدن الشمال من تلك التنظيمات مجتمعة، وكان أخرها درنة، التي أعلنها الجيش الليبي في بداية شهر فبراير 2019 منطقة خالية من المتشددين، شدت هي الأخرى الرحال، نحو الجنوب كما فعلت عناصر داعش، والتقت مع الجماعات الجهادية العابر للحدود. وملامح خلايا تنظيم القاعدة في الجنوب تتقاسمه مجموعة رئيستين:

أولهمــا: المجموعـة الليبيـة،وهي الأحداث في النشأة التنظيمية، لكون أغلبها نشأ تنظيميًا بعد عام 2011. وصحيح أن الكثير من قادة تلك المجموعة كانوا محسوبين على التنظيم منذ عقود من خلال انتمائهم لــ "الجماعة الليبية المقاتلة"،التي تكوّنت من مقاتلين ليبيين عادوا من ساحات القتال في أفغانستانإلى ليبيا في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن تفكيك الجماعة بدء مع قرار زعيمها عبد الحكيم بالحاج التحول للعمل السياسي وتأسيس حزب ذو مرجعية إسلامية"الوطن"، يُعد رجل المعادلة القطرية في ليبيا، كما كان الوسيط في نقل الجهاديين إلى سوريا لمحاربة بشار الأسد بعد عام 2011، بدعم مالي قطري أيضًا. وانتشار خلايا تلك المجموعة في أساس يكون داخل مناطق الوسط الليبي حتى سبها. من أبرز تلك الخلايا:

1ــ مجلس شورى قبيلة الحساونة، في مدينة الشاطئ. وأنشئه عبد المنعم الحسناوي (14) "أبي طلحة الليبي" وضمت العديد من أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة الرافضين للتخلي عن العنف السياسي. وشارك الحسناوي في المعارضة المسلحة التي قاتلت لإسقاط نظام معمر القذافي. وانتقل إلى سوريا عام 2013 حيث كلف بمهام المسئول الشرعي عن "كتيبة المهاجرين" داخل جبهة النصرة أحد أبرز فروع القاعدة في سوريا. وقبل عودته إلى ليبيا عام 2014، أعلنت الحكومة العراقية مقتله في مواجهات مع الجيش العراقي في وسط البلاد، غير أنه عاد للظهور مجددًا في جنوب ليبيا وأشرف على خطط الإمدادات اللوجيستية من سلاح ومقاتلين لمجلس شورى ثوار بنغازي، وكان يتنقل بسهولة ما بين مدن الجفرة وسبها وأوباري ومصراتة لشراء الأسلحة وسيارات الدفع الرباعي من السوق السوداء بمبالغ كبيرة ومغرية. وكان استهدافه من قبل غارة جوية أمريكية بمنطقة القرضة في مدينة سبها، نوفمبر 2016، قد أعاد فتح الجدل بشأن تواجد تنظيم القاعدة بالجنوب الليبي وتمركز قياداتها بتلك  المنطقة الرخوة.

2ــ بقايا جماعة أنصار الشريعة. وقد ارتبطت تلك الجماعة بعلاقة وثيقة مع جماعة أنصار الشريعة في تونس المنبثقة عن تنظيم القاعدة، بالإضافة لروابطها بالعديد من الكتائب السلفية الجهادية الأصغر في ليبيا، والتي تشمل جماعة ظلت تسمى "أنصار الشريعة في درنة" بقيادة بن قومو. وتلك الجماعة لها تواجد قوى في أوباري حيث يقود خلايا الجماعة بالمدينة الحسن أفاغيس التارقي، الذي تعتبره الجميع مندوب مجلس شورى مجاهدي درنة.

ثانيهمــا: المجموعـة الأجنبيـة،الأقدم من حيث النشأة التاريخية، حيث تعود نشأت الكثير منها إلى تسعينيات القرن الماضي،وتعد أيضًا الأكثر خبرة وممارسة في العنف. وتضم خليط من المجموعات العربية من دول مثل تونس والجزائر وموريتانيا، ومثيلتها الإفريقية من دول مثل مالي والنيجر، كما أنها الأكثر خبرة وتمرس في الإرهاب، ولذا فإن الإرهاب الذي تمثله تلك المجموعة عابر للحدود، حيث يُعد الجنوب الليبي بالنسبة للكثير منها منصة هامة للانتقال وإقامة معسكرات التدريب وحشد المؤيدين.

وانتشار تلك المجموعات أساسًا يكمن أساسًا في أقصى جنوب الغرب حيث الحدود المشتركة مع الجزائر والنيجر وتحديدًا في أوباري وغات، حيث تشهد تلك المنطقة تدفقات متواصلة من المقاتلين من مناطق مالي والجزائر بشكل أساسي. وقد شهدت تلك المجموعة عملتين متناقضين في آن واحد، أحدهما استجابة لتعظيم وفرات القوة والحجم عبر الاندماج وتشكيل ائتلافات جهادية جديدة، والآخر انشقاقات فكرية على أرضية الولاء والتبعية لتنظيم داعش.

1ــ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ويتزعم التنظيم منذ عقود مختار بلمختار الذي كان قد أسس جماعة "الموقعون بالدم" والمرابطون فيما بعد، قبل أن تتحول لمظلة للتنظيم بمنطقة المغرب العربي، وهو جزائري الجنسية يلقب بــ"الأعور"، تتواجد مجموعات كثيرة من التنظيم في مناطق غرب مرزق حتى غات وأم الأرانب ووادي الغزيل والقطرون.وشهد العامين الماضيين تنامي كبير لنشاط التنظيم وتدفق للمقاتلين من مناطق مالي والجزائر، وإعادة تمركزهم في جنوب ليبيا.

وفي نهاية أكتوبر 2017، قام بلمختار، بتنصيب أمير جديد للتنظيم في أوباري ضمن خطط واسعة لإعادة هيكلة وتنظيم صفوف التنظيم حيث تتخذ من مشروع المنارة الزراعي في أوباري مقرًا رئيسًا لها. والأمير الجديد يدعى محمد عمر كلاكاي والمكني بــ" أبو عبد الله الأنصاري، وتعيين كل من فكنن من طوارق مالي وخالته متزوجة من بلمختار ومحمد مولود أحمد توبا المسئول عن خطف مجموعة الإيطاليين عام 2017، ضمن مجلس شورى التنظيم. وتعبر الليبي إسماعيل الصلابي، أخو منظر عام جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا الشيخ علي الصلابي على تواصل مستمر مع التنظيم وقد عقد العديد من الاجتماعات معهم في أوباري.  

2ــ ائتلاف أنصار الله في الصحراء الكبرى. ائتلاف جديد مكون من العديد من الحركات الجهادية مثل: "تنظيم أنصار الدين" بزعامة إياد أغ غالي ــ مالي الجنسية، من قبائل الطوارق، وكان يقود حربًا من أجل انفصال شمالي مالي وتكوين دويلة إسلامية فيها، ومطلوبا من دول عديدة في مقدمتها فرنسا ومالي والولايات المتحدة وسلطة شرق ليبيا. وتمتلك الجماعة قاعدة كبيرة قرب غات.  وجزء من "جماعة المرابطين"بزعامة يحيي أبو همام واسمه الحقيقي عكاشة جمال، الذي كان يشغل الرجل الثاني في الجماعة (هناك شكوك كبيرة حول مقتله في الغارة الأمريكية التي شنت على واعد في أوباري عام 2018). وأخيرًا "كتائب ماسينا" بزعامة محمد كوفا، الذي كان أحد رموز حركة أزاواد في مالي قبل أن ينشق عنها ويشكل الحركة، وثمة اعتقاد كبير أنه نجا في الغارة الفرنسية التي شنت على مواقعه، وأنه على قيد الحياة. 

ويسعى هذا الائتلاف لتحقيق حلم القاعدة القديمة، بإقامة دولة خلافة إسلامية كبرى في الصحراء الكبرى تكون عاصمتها الجنوب الليبي وتضم شمالي دولتي النيجر ومالي وجنوب الجزائر مع إقليم أوزو في شمال تشاد.   

وشأن داعش، قامت المجموعات الجهادية المحُسوبة على تنظيم القاعدة، بعمليات واسعة من إعادة البناء والتنظيم بعيدًا عن المدن الساحلية بعد الخسائر التي منيت بها هناك،  وأن هنالك تحالفات جديدة قديمة بدأت تظهر من جديد من خلال ظهور إسماعيل الصلابي بالمشهد. والتحدي أمام تلك التحالفات سوف يبدى للعيان حال مد قوات حفتر مسارات تحركها العسكري في الجنوب سواء نحو أقصى الجنوب الغربي في أوباري وغات أو أقصى منطقة الجنوب نفسه حيث تلقي الحدود الذائبة مع دول الجوار الجغرافي.

وفي النهاية، ثمة العديد من التساؤلات يجب حسمها هي أيضًا لتبيان وضعية التنظيمات الجهادية في جنوب ليبيا، وطبيعة التحديات الإرهابية التي تمثلها.

أولى تلك التساؤلات، حول إمكانية نجاح مساعي سواء داعش أو القاعدة في إقامة دولة خلافة جديدة في الجنوب، سواء كانت جغرافيتها السياسية منطقة الجنوب بجغرافيتها الليبية، أو تتسع جغرافيًا لتشمل أجزاء من بلدان الجوار السياسي، مستغلة فرضية الحدود الذائبة في تفعيل هذا المخطط.

ثمة العديد من الصعوبات التي تكتنف تنفيذ هذا الخيار، أضف لذلك أن مسئولي التنظيميين أنفسهم ليس في تفكيرها الحالي هذا الخيار الكبير، بسبب صعوبة سيطرة أي جماعة على الجنوب سيطرة تامة سواء من المكونات الاجتماعية للمنطقة نفسها أو من خارجها، كما رأينا، نظرًا لعدم توافر مقومات الدعم اللوجيستي التي تمكن أي قوة من العمل والسيطرة على الأرض ما عليها. أن كلا التنظيمين يحاول الاستفادة الآن من حالة السيولة السياسية ــ الأمنية بالجنوب من أجل تعزيز قوتها وإعادة بناء صفوفه من جديد تمهيدًا للخطوة التالية، سواء من خلال التدريب داخل معسكرات آمنة نسبيًابالصحراء أو ووسط بيئة حاضنة أو تجنيد مقاتلين جدد،بالإضافة للحصول على التمويل من خلال عمليات التهريب.

أما ثاني تلك التساؤلات، فيمكن في المدى المتصور للتعاون بين القاعدة وداعش بجنوب ليبيا، بعدما أظهر الطرفان قدرة كبيرة وغير متوقعة أيضًا على منع الصدام الذي اعتبره الكثيرون حتمي بينهما داخل مناطق الجنوب، التي فر إليها عناصر التنظيم بشقيها العربي والأجنبي من مدن الساحل الشمالية أو حتى من مناطق أخرى سواء من شمالي مالي أو بعد سقوط دولة الخلافة من سوريا والعراق. وثمة العديد من المحددات التي وفرت بيئة خصبة لهذا التعاون المشترك بينهما، وبل كانت محفز عليه. يعضها راجع لحدة وطبيعة التحولات الداخلية التي يشهدها التنظيمين في آن واحد، والبعض الآخر نابعة من التحديات التي تطرحها بيئة الجنوب الليبي ذاتها.

فيما يتعلق بالتحولات الجارية الآن داخل التنظيمات الجهادية، يمكن رصد، تحول جماعات العنف الديني من المركزية حيث النواة الصلبة التي تدير الأمور وتوجه السياسات، إلى اللامركزية، حيث انتشار الفروع الإقليمية، والتي أن حافظت على معايير الولاء والبيعة للتنظيم الأم، إلا أنها باتت تتمتع باستقلالية كبيرة في إدارة شئونها الداخلية وعلاقاتها مع غيرها من جماعات الجهاد الأخرى أو غيرها من مكونات المجتمع المحلي الذي تتواجد داخله بعيدًا عن قيود والتزامات التنظيم الأم.

وخطورة هذا التحول أن استكمل حلقاته، تكمن في كونه سيطور بشكل تلقائي شبكة قومية عابرة للحدود والقوميات من تلك الأفرع الإقليمية، تكون هي الأخطر بسبب قوتها القتالية وتهديداتها الإرهابية تمتد من أفغانستان شرقًا مرورًا بالمنطقة العربية حتى الصحراء الكبرى وساحل الأطلسي، عبر إحداث توازن ما بين أهدافلتلك التنظيمات الداخلية ومثيلتها الإقليمية والعالمية العابرة للحدود. أما التغييرات النابعة من البيئة الحاضنة لتلك الفروع الإقليمية بما فيها الجنوب الليبي، فإن هناك توظيف جيد للسيولة السياسية ــ الأمنية، كما ساهم تعدد أنماط الصراعات السياسية ــ الاجتماعية بين مكونات المجتمع المحلي، في إيجاد بيئات حاضنة لتلك التنظيمات الجهادية، ساعدتها في آليات التمكين التي تسعى إليها بعيدًا عن أي قيود خارجية، تكبل عملها وأنشطته في التخطيط وتنفيذ غاياتها. ولذا لم من الغريب أن يتم التلاقي الوظيفي مابين تنظيمي داعش والقاعدة في الجنوب الليبي، والتي تم تتويجه بما يعرف بــ "اتفاق الصحراء" بين قادة التنظيمين عام 2018 والذي نص على:

1ــ تقديم كل طرف يد المساعدة وآليات الدعم الضرورية حال تعرضها أحدهما للتهديد العسكري أو حال وجود مخاطر كبيرة تحيط به، بشرط تكون مواقع تواجدهم منفصلة كلا علي حدا فداعش يسيطر علي جزء والقاعدة علي جزء أخر.

2ــ عدم الدخول في أي صراع أو منازعات عسكري متبادلة، لكون التهديد أو العدو كما يقولون "الصائل" مشترك بينهما.

3ــ توظيف وفرات الحجم والانتشار بحيث يساعد كلا تنظيم الآخر في توفير المؤن، الأسلحة والذخائروالعتاد الحربي،وتجنيد المقاتلين حسب حاجة وظروف كل تنظيم والمنطقة التي يعمل بها بالجنوب.

أما أخر تلك التساؤلات، فإنه يكمن في دور طائفة المداخلة(15)في الصراع بالجنوب، وإمكانية أن تستعين به قوات حفتر في صراعها القادم مع التنظيمات الجهادية، وتحديدًا وأن تلك المجموعة في حال عداء ليس مذهبي مع تلك التنظيمات الجهادية فحسب، وإنما أيضًا بسبب الضحايا الذين سقطوا منها بسبب تفجيرات داعش والقاعدة (16). فتلك مسألة غاية في الصعوبة، لكون أعضائها مازالوا رموز بارزة في قوة الدرع الخاصة وتحديدًا عبد الرءوف كاره، كما أنهم موالين وبشدة لحكومة الوفاق والوطني في طرابلس، أضف لذلك أنهم يهيمنوا على كتيبة المشاة 604 في مصراتة. إلا أن مصادر محلية أكدت أن ميليشيا الطائفة"سُبل الإسلام"التي تتواجد في منطقة الكفرة أقصى جنوب الشرق، أعلنت دعمها لحفتر، ومساعيه طرد الجماعات الجهادية من الجنوب.  

ولذا لا سبيل لإنهاء التهديدات سواء الأمنية أو الإرهابية القادمة من الجنوب الليبي غبر مصارحة شاملة بين الليبيين تنهي ليس الانقسام الحادث حاليًا ما بين الشرق والغرب وما يصاحبه مناكفات سياسية فحسب، وإنما أيضًا بين مكونات المجتمع الجنوبي نفسه، ومعالجة الإشكاليات التي تحول من دون إعادة دمجه وبفاعلية داخل الدولة الليبية سواء السياسية أو الاقتصادية.

 

 


(11) زوج شقيقة عبد الوهاب القايد ، ومن ثم كان من الطبيعي أن ينال التنظيم بسهولة الحمايةالقبلية داخل مناطق نفوذ قبيلة القايد. والأنصاري مالي الجنسية، وكان أمير لـ "تنظيم الحق"، أحد الجماعات التابعة لتنظيم "المرابطون" الذي يقوده مختار بلمختار الجزائري، أحد أبرز قيادات القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وقد بايع الأنصاري تنظيم داعش في يونيه 2015، ما أحدث أجواء عنيفة من الخلاف بينه وبين بلمختار عن البيعة للتنظيم في حين رفض مختار بلمختار إعطاء البيعة لتنظيم داعش.

(12)وفقا لمصادر بالجنوب، فإن عمليات نقل المقاتلين في تلك المنطقة يقوم بها بشكل أساس مهرب جزائري مقيم في ولاية اليزي في قرية جانيت الحدودية القريبة من الحدود الليبية من جهة غات، ويعاونه أحد ابرز المهربين في سبها ويدعى "أمراجع التباوي" حيث تتم عمليات النقل في سيارة صحراوية رباعية الدفع بها يكون فيها في كل مرة هذا المهرب ومعه عدد 3 عناصر إرهابية فقط . تنتقل السيارة إلي طريق جبلية وعرة ( جبل تينبر)، وبعد مسافة 92 كم تصل السيارة لمنطقة "تيني لكوم" الحدودية المقابلة لمدينة غات الليبية،وعبر  طريق بعيدة عن الرقابة الحدودية من قبل السلطات الجزائرية، تصل الرحلة إلي غات، تنتقل المجموعة لمنطقة وادي الغزال، وتبعد 132 كم، وبعد الوصول إلي وادي الغزال يتم المسير مسافة 46 كم شرقا في احدي مسارب الوادي وتصل إلي وادي "آني كمد"من هناك إلى مقر التنظيم بمشروع برجوج الزراعي.

وفي بعض الأحيان يتم تغيير المسار حسب الظروف الأمنية المحيطة بالمنطقة، وتسلك الرحلة طريق محاذي للجبل مباشرة من وادي "أني كمد" إلي وادي "متخنتوش" ويبعد مسافة 61 كم، ومنه إلي موقع التنظيم بالمشروع.

والمنسق العام لتلك العمليات القيادي بالتنظيم هاشم بوسدرة، أحد عناصر تنظيم القاعدة، وسبق له القتال بالجزائر ومالي، وهو من سكان مدينة درنة، وأعلن بيعته لتنظيم داعش وعين أمير الحدود لدي التنظيم في ليبيا.

(13) كان مكتب النائب العام الليبي أول من لافت الانتباه إلى هذا التنظيم في تقرير لها أتبعه بمذكرة ملاحقة قانونية بحث دنقوه عام 2017. وهو ليبي الجنسية مواليد مدينة سرت عام 1981، وأحد الذين أشرفوا على قطع رءوس 21 مصريًا قبطيًا في سرت عام 2015، وعمل في المحكمة الشرعية في المواصل تحت قيادة أبو بكر البغدادي.

(14)قبضت عليه السلطات الليبية عام 1996 برفقة مجموعة إسلامية حاولت اغتيال الرئيس الراحل القذافي في براك الشاطئ، وأفرج عنه بعد المراجعات الفكرية التي تمت داخل السجون الليبية منذ عام 2004، بمبادرة من مؤسسة ليبيا الغد التي كان يقودها سيف الإسلام القذافي. وأعاد القبض عليه مرة أخرى عام 2013، بتهمة انتمائه للجماعة الليبية المقاتلة، إلا أنه نجح في الهروب إلى سوريا.

(15)تعتبر الطائفة المداخلية المدعومة سعوديًا أبرز اللاعبين في العنف المندلع الكفرة وسبها. ويقود تلك الطائفة الشيخ محمد حفالة ويقيم في طرابلس، وتتمثل العقيدة الأساسية للمدخلية في احترام السلطة الشرعية لولي الأمر. وقد تم إدخال هذه الحركة السلفية إلى ليبيا من قبل معمر القذافي لمواجهة الجماعات السلفية الأكثر ثورية في ليبيا. وتسعى ميليشيات المداخلة في ليبيا عادة إلى السيطرة على واجبات الشرطة المحلية، ويتمتعون بدرجة من الحصانة في الوقت الذي يفرضون فيه التفسيرات السلفية للشريعة التي لا تجمعها الكثير من القواسم المشتركة مع الممارسة الإسلامية الليبية التقليدية.

(16) واجه الوجود العسكري المتنامي للمداخلة في بنغازي على سبيل المثال مقاومة شديدة من الجماعات الجهادية. فالتفجير المزدوج الذي وقع في 25 يناير 2018 وأودى بحياة 41 شخصًا في بنغازي، بما في ذلك القائد في الجيش الوطني الليبي أحمد الفيتوري، قد استهدف مسجد بيعة الرضوان الذي يرتاده أعضاء ميليشيا المداخلة.

 

التعليقات