ايوان ليبيا

الأربعاء , 19 يونيو 2019
المملكة تؤكد دعمها وتمكينها للمرأة السعودية في مختلف المجالات |صورة"دارأوبرا مسقط" تعلن تفاصيل برامج موسمها الجديد 2019/‏‏‏ 2020البرهان: لامزايدة على الوطن والفترة الانتقالية ستدار حسب القانونالسعودية: أكثر من ثلاثة ملايين مستخدم لتطبيق "مصحف المدينة النبوية"الحاسي: جاهزون للحظة إقتحام العاصمةسفير جديد للفلبين في ليبياتخريج دفعات جديدة لقوات الدعم المركزيتمديد فترة استيراد السلع غير المحظورةلِيبِيَّا. حَلُّ الْأَزْمَةِ ثُمَّ إِعَادَةُ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ ... بِقَلَمِ / رَمْزَي حَلِيمُ مفراكسعلى هامش الحراك السياسي لليبيين خارج الوطن: أخلاقنا السياسية متردية في السلم والحرب!!..أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي في السوق الموازي اليوم الاربعاء 19 يونيو 2019العمر الافتراضي لحشوات الاسناناسباب فقدان الوعي المفاجىءاشتباكات عنيفة بهذه المحاورخفايا جلسة "نواب طرابلس"ليبيا تشارك في مؤتمر العمل الدولي بجنيفبوريس جونسون: بريطانيا ستدفع ثمنا باهظا إذا لم تنسحب من الاتحاد الأوروبي في أكتوبرالأمم المتحدة: أكثر من 70,8 مليون نازح ولاجئ في العالم أواخر 2018اليوم.. افتتاح المؤتمر الإقليمي حول القضاء على زواج الأطفال وختان الإناثالرئيس الفنزويلي: تكلفة محاولة اغتيالي بلغت قيمتها 20 مليون دولار

ظاهرة الإرهاب العابر للحدود في جنوب ليبيا - الجزء 3

- كتب   -  
ظاهرة الإرهاب العابر للحدود في جنوب ليبيا - الجزء 3
ظاهرة الإرهاب العابر للحدود في جنوب ليبيا - الجزء 3

الخاصرة الرخوة

جنوب ليبيا: أبعاد ومدلولات ظاهرة الإرهاب العابر للحدود

 بقلم الدكتور يوسف شاكير

إرهـاب حركـات التمـرد السـياسي ــ العسـكري

 

تُعد السمات الإرهابية النابعة من تلك الحركات متعاظمة وذات تداعيات سلبية على الشأن الداخلي الليبي ومثيله الإقليمي فحسب، من دون أن تتجاوزهما هذا التأثير تجاه البيئة الخارجية الأوسع نطاقًا داخل الغرب، كما هو حال نسبيًا مع النمط الأول من الإرهاب أو حتى الثالث. إلا أنه من الناحية الأخرى، تُعد الأعنف قياسًا للأول، بسبب توحد المصالح النفعية مع العقيدة السياسية، مصحوبًا بتسليح وعتاد حربي متعدد المستويات متوافر لدى عناصر تلك الجماعات، مما يجعل وجودها يشكل بيئة مواتية لعدم الاستقرار السياسي ــ الأمني على جانبي الحدود ومحفزًا للعنف السياسي. وضاعف من حدة تلك الوضعية القلقة، عمليات التداخل الكبير في إدارة الصراعات المسلحة سواء داخل ليبيا نفسها، أو النابعة من دول الجوار كتشاد والنيجر ومالي والسودان أيضًا، ومساهمة القواعد العسكرية الغربية المنتشرة بتلك البلدان أو قرب الحدود مع ليبيا في عمليات عسكرية ضد تلك الحركات.

وانتشار تلك الحركات بسبب نمط تسليحها، يكاد يقتصر على مناطق محددة بالجنوب، كلها تقع جنوب خط غرض 25 درجة شمالاً، وتحديدًا في المناطق الجنوبية من إقليمي الكفرة ومرزق حيث التلامس الجغرافي حدود بلدانها، كما أن اختلاطها بالسكان أو تجمعاتهم الجغرافية يكاد يكون شبه محدود، باستثناء سبها بسبب حدة الصراعات داخلها قبل سقوطها في قبضة حفتر وسلطة المنطقة الشرقية في يناير 2019. إلا أن المحدد الحاكم بهذا الانتشار الهوية القومية لتلك الجماعات، ففي أقصى الجنوب ــ الشرقي في العوينات وبقدر ما ميتان سارة تتركز حركات التمرد السودانيوالإريتري، ويشاركها ناحية الغرب وجنوب مرزق الحركات التشادية، في حين يقتصر وجود الحركات النيجرية على أقصى جنوب مرزق والقطران.

تُعد حركات التمرد التشادية، هي الأكبر من حيث عددها وقدرتها التسليحية، والأهم انخراطها في بيئة الصراعات الداخلية الليبية. إذ حاربت بعض تلك الجماعات مع القوة الثالثة "ميليشيا مصراتة"في معارك طرد داعش من مدينة سرت ووسط ليبيا، كما ساهمت أيضًافي الصراع الذي دار للسيطرة على عاصمة الجنوب سبها خلال عامي 2012 ــ 2014. وقد كان هناك إنكار كبير لوجود تلك المجموعات المسلحة التشادية بالجنوب، بلغ هذا النفي مداها حينما أكد محمد آرديمي المتحدث باسم تجمع القوى من أجل التغيير في تشاد، عدم وجود أي حركات تابعة للمعارضة التشادية بجنوبليبيا عبر قناة النبأ الليبية (7).

إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش في تقريره الربع السنوي عن الحالة الليبية في يناير 2019 أكد وجود تلك الجماعات التشادية المسلحة، كما أن إفادة مبعوثه لليبيا غسان سلامة أمام مجلس الأمن في نفس الشهر أكدت بدورها وجود تلك الجماعات، التي اتهمها صراحة سلامة، بكونه تمارس الخطف والابتزاز، وأخيرًا أتى قتال الجيش الليبي لها خلال معارك السيطرة على إقليم سبها، أخر حلقة من حلقات تأكيد هذا الوجود بالجنوب.

وتهيمن قبيلة التبو على أغلب تلك الحركات، التي تتركز في المناطق التي تتمتع فيها قبيلة التبو بأغلبية سكانية واضحة، وتحديد في المثلث الجنوبي الذي تكمن قاعدته جنوب مدنية سبها والذي يشمل منطقتي زويلة بالشرق ومرزقبالغرب، وأبرزها تلك الحركات:

1ــ الحركة من أجل الديمقراطية والعدالة في تشاد MDJT.مكونة بالكامل من قبيلة التبو،وتأسست في جبال التبو أو تيبستي ــ شمال تشاد، وغالبية كوادرها انتقلت للعمل في جنوب ليبيا كنشطاء تبو،ويزعمون أنهم ليبيون والكثير منهم يتصدرون واجهة التبو بالجنوب، وكانت الحكومة الليبية قد سجنت أكثرهم بطلب من الحكومة التشادية والتي طالبت بتسليمهم في تسعينيات القرن الماضي، وأفرج عنهم بعد الفوضى السياسية التي عمت ليبيا بعد فبراير.

2ــ جبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد.تتمركز حاليا في عدة مواقع بالقرب من سبها وفي عمق الجنوب في بلدة أم الأرانب، ويقودها الدكتور مهدي على محمد (من شعب الكريدة احد الفروع الكبيرة لشعب الدازقرا) والجنرال محمد نوري زعيم شهير للمعارضة التشادية كاد أن يستولي على نجامينا في 1998 وكان وزير سابق ينتمي لقبائل اناكزة المنتمية لشعب الدازقرا الذي يعتبر شعب التبو أحد فروعه، وكان الرئيس التشادي السابق حسين حبري ينتميأيضا إلىالاناكزة. وكانت الحكومة الفرنسية قد فرضت عقوبات على مهدي ونوري منتصف 2017، ولهما روابط وثيقة مع قطر ومتحالفين مع القوة الثالثة في مصراتة، التي شاركت حركتهم في حرب يناير 2014 لفض الصراع الذي نشأ بمدينة سبهابين التبو وأولاد سليمان.

3ــ المجلس العسكري لإنقاذ الجمهورية CCMSR.من كبريات حركات المعارضة التشادية ويتمركز بمواقع جنوب سبها، يعمل قادته على برنامج تدريبي نشط يزعمون أن لديهم قوة عسكرية يصل تعدادها لقرابة 4 آلاف مقاتل، هي في تزايد مستمر بفعل انضمام المزيد من الضباط والعسكريين التشاديين الذين ينشقون تبعًا عن نظام إدريس ديبي خصوصا من قومية (الدازقرا). ومؤخرا إعادة الحركة تشكيل مجلس قيادتها وبات مكون من 12 شخصية، وتم تعيين أبكر شريف عيسى كأمين عام خلفا لمحمد حسن بولماي الذي اعتقلته الحكومة النيجرية مع عدد من معاونيه عند دخوله النيجر قادمًا من زيارة لمواقعالمجلس داخلالأراضي الليبية.

4ــ تجمع القوى من أجل التغيير في تشاد RFC. من أكبر حركات المعارضة التشادية المسيطرة على جنوبي ليبيا ولها مواقع بجنوب سبها مرزق، ويغلب عليه الانتماء القبلي من خارج قومية (الدازقرا) وتحديدا القومياتالمنتشرة في شرق تشاد وأهمها (الزغاوة) والتي ينتمي إليها زعيمها الجنرال تيمان أردمي، ويُعد واحدًا من أشهر قادة المعارضة التشادية شغل قبل تمرده،منصب مدير مكتب الرئيس التشادي إدريس ديبي الذي تربطه به صلة رحم، كاد أن ينجح التحالف الذي أنشئه مع الجنرال محمد نوري في إسقاط حكم إدريس ديبي في 1998، تيمان ارديمي مقيم في قطر منذ قرابة 10 سنوات ويقود حركته من هناك، شاركت مجموعته في الهجوم على قصر بن غشير كمرتزقة قبل ثلاثة أعوام، الحركة وثيقة الصلة بحركة العدل والمساواة الدارفورية بحكم العلاقات القبلية، إلا أنها تلقت ضربة موجعة أثر الاقتتال الداخلي الذي حدث بمدينة سبها بين عناصر الحركة خلال شهر ديسمبر 2017، ونتج عنه مقتل قرابة 10من كبار قادة الحركة وكوادرها الميدانيين.

أما حركات التمرد السودانية، فتشغل المرتبة الثانية من حيث الثقل والحجم. إذ يوجد في الجنوب الليبي قرابة خمس حركات معارضة سودانية أكثرها ينتمي لإقليم دارفور:

1ــ حركة العدل والمساواة.أكبر تلك الحركات وتنشط في إقليم دارفور غرب السودان، وتنتمي عناصرهاإلى قومية الزغاوة التي انتقل أغلب عناصر لليبيا قبل فبراير 2011 بدعم من العقيد من القذافي(8)، منذ ذلك الحين شاركت في العديد من النزاعات الليبية كمرتزقة، لها مواقع غير ثابتة بالجنوب الغربي لليبيا، شاركت في الهجوم على سبها في عام 2014.ويترأسها الآن منصور أرباب بعد مقتل زعيم الحركة التاريخي خليل إبراهيم محمد بولاية كردفان عام 2011، حيث شغل منصب وزير الأمن بحكومة البشير قبل انشقاقه عن النظام بالسودان.

2ــ حركة تحرير دارفور، ويترأسها عبد الواحد محمد نور وتتمركز شمال دارفور وبالقرب من المثلث الحدودي ما بين مصر وليبيا والسودان عند جبل العوينات.

3- حركة تحرير السودان،ويقودها أحمد عبد الشافي وتتمركز علي الحدود الليبية السودانية.

4- جيش تحرير السودان، بزعامة خميس أبوبكروينتمي أغلبها لقبيلة المساليت.

5ــ فصيل قادة شمال دارفور،بزعامة جار النبي عبد القادر يونس، وانضم إليه لاحقًا القياديين صديق عبد الكريم، ومحمد علي كلاعيمن حركات معارضة سودانية.

أما حركات التمرد النيجرية، فإنها تكمن في حركة واحدة،القوات الثورية المسلحة من أجل الصحراء FARS، ومكونة بالكامل في قبائل التبو، وتعمل ضد حكومة النيجر. لها وجود واسع في وادي الحياة "الآجال"بمدينة غات، ومدينة أوباري، كما أن هناك عناصر محدودة من تلك الحركة وحركات معارضة أخرى أصغر بكثير منتشرة في مزوق والقطران. بالرغم من توقعها لاتفاق سلام مع الحكومة عام 2011، إلا أنها انتقلت للعمل في جنوب ليبيا. وزعيمها التاريخي بركة وردكو المهدي، كان قد أسس بالتعاون مع شقيقه محمد وردكو كتيبة مسلحة بالجنوب "درع الصحراء"، وانضم إليها فيما بعد القيادي محمد صندو(9)، الذي مثل التبوفي اتفاقية الدوحة الأخيرةالتي أنهت الصراع الذي دار ما بين التبو والطوارق للسيطرة على مدينة أوباري ثالث أكبر مدينة بالجنوب الليبي، وشاركت بهذا الصراع العديد من الحركات المسلحة التشادية.

وهناك أيضًا مجموعات صغيرة معارضة من دول مثل مالي بحكم الجوار الجغرافي، أو إريتريا، مثل مجموعة مجموعة آدم بخيت من مدينة أسمرا الذي أنشأ "جبهة الخلاص" ضد الرئيس الإريتري أيساس أفورقي وضمت في صفوفها أعداد كبيرة من الضباط المنشقين ومن أبرزهم: صديق برة، عبد الله يحي، صلاح جوق وعبد الله بريق.

وكان وجود تلك الجماعات بالجنوب الليبي، نتاج طبيعي للأزمات السياسية في بلدان الجوار الجغرافي، وإخفاق قادتها في تحقيق عملتي التنمية والاندماج الوطني.وزاد من حدة هذا التواجد الذي تسارعت وتيرته بعد عام 2011، تواطؤ تلك البلدان في التخلص من مجموعات مثيرة للتوتر وعدم الاستقرار الداخلي، ومعها بلدان أوروبية  توظيف تلك الحركات للعمل كحاجز أمامي لصد تيار الهجرة غير المشروعة وكبح ظاهرة الإرهاب الديني. ففرنسا على سبيل المثال التي وفرت دعمًا غير معلن للعديد من تلك الحركات المسلحة، غيرت بوصلتها السياسية مؤخرًا ودعمت مساعي الجيش الليبي للسيطرة على منطقة الجنوب، وثمة مؤشرين دالين على مصداقية هذا التغيير السياسي:

أولهمـا: تحرك حفتر تجاه الجنوب، أتى بعد زيارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون للقاهرة في يناير 2019، التوافق الضمني ما بين القاهرة وباريس بدعم إمارتي ــ سعودي، وتوافق إيطالي أيضًا، للقضاء على الفوضى بالجنوب واستعادة سيطرة الشرق علي مناطقه الشاسعة لتحقيق أكثر من غاية. فمن ناحية احتواء سلطة الغرب المدعمة من تركيا وقطر التي كانت ولحلفائها السيطرة الهشة على الجنوب وإخفاقها في مواجهة السيولة السياسية ــ الأمنية بالجنوب ما جعله ملاذ آمن للجماعات الخارجة عن القانون. ومن ناحية أخرى، إخراج كافة التنظيمات المسلحة التي يتلقها الكثير منها الدعم القطري من الجنوب، والحد قدر المستطاع من التحديات التي يطرحها على الجميع.

ثانيهمـا:قيام القوات الجوية الفرنسية في سابقة هي الأولي من نوعها بقصف رتلين عسكريين تابعين للمعارضة المسلحة التشادية جنوب ليبيا قبل توجههما نحو الحدود مع تشاد خلال شهر يناير 2019 خلال الاستعدادات لعملية حفتر بالجنوب(10). وإذا كان الظاهر، منعها من دخول تشاد والتسبب في قلاقل أمنية وسياسية، إلا أنها كانت ضمنًا دعمًا لعمليات الجيش الليبي بالجنوب، ومؤشر كبير على انتهاء مرحلة العمالة السياسية للغرب، بعدما انهارت مثيلتها مع سلطة طرابلس، التي لم تنفذ تعهداتها بالتدخل العسكري ومواجهة قوات حفتر، أو تعمل على تحريك الغرف الأمنية المنتشرة في كافة المدن الجنوبية لمنع حفتر من زحفه نحو الجنوب.

إلا أن القضاء على تلك الحركات المسلحة القادمة من دول الجوار، وكبح توظيفها في إدارة الصراع الليبي سواء بشقيها الجنوبي ــ الجنوبي أو الشمال ــ الجنوبي يستلزم ما هو أكبر من عملية حفتر، لكون انسحاب تلك الحركات من حول المدن الرئيسة والكبرى بالجنوب، سيدفعها حتمًا للاحتماء بالصحراء الشاسعة، وإيجاد ملاذات جديدة بالقرب من الحدود من ناحية، ورفع الغبن والتهميش السياسي والاقتصادي للجنوب ومدنه، بما فيها حسم مسألة الهوية الوطنية للعديد من أبناء القبائل الإفريقية من التبو والطوارق من ناحية أخرى.  

3ــ إرهـاب التنـظيمـات الجهـاديـة

يتسم التهديد الإرهابي القادم من تلك الفئة الثالثة، بقدر أكبر في الحدة وكثافته على كافة الأصعدة الداخلية، الإقليمية والدولية، ومن ثم يُعد الأخطر بين سابقيه الأول والثاني. فإذا كان يشاركهما سمة الإرهاب العابر للحدود، إلا أن ما يحمله في طياته من مدركات عقائدية ــ دينية يجعل تلك السمة في أشد درجات تأثيراتها من العنف السياسي بسبب طابعها العالمي. ومن ثم مواجهته بخلاف مثيلتيه السابقتين تتسم بقدر عال من الصعوبة،بسبب تداخل مكونات التطرف الديني العقائدية ــ الثقافية، مع مثيلتها الاقتصادية ــ الاجتماعية، وأن الكبح الأمني مهما كانت قوته في إزاحة تلك التهديدات، يُعد واحدًا فقط من عدة آليات مجتمعة ومتكاملة، تقتضيها المعالجة الشاملة لمصادر التهديد التي يمثلها هذه النوع من الإرهاب العابر للثقافات، وليس للحدود أو القبائل فقط.

انتشار عناصر تلك التنظيمات الجهادية، بخلاف سابقيه، يتسم بقدر عال من الشمول سواء المكاني ــ انتشارهم داخل الجغرافية السياسية الليبية من دون استثناء لكون تسليحهم صغير ومتوسط بأفضل الحالات، أوالسكاني ــ تداخلهم مع الكثافة السكانية بالجنوب بشكل كبير. ويوصف الجهاد الذي تتبناه تلك التنظيمات بكونه عابر للعرقيات والقبائل والحدود أيضًا، ويضاعف من تأثيراته، قدرتها الفكرية على الحشد والتجنيد السياسي لأفكارها بوسائل تقليدية وغير تقليدية. صحيح أن الصوفية والقبائلية سمات حاكمة لليبيين وتحديدًا بالجنوب، إلا الأوضاع الاقتصادية المتردية بتلك المنطقة، بالتزامن مع المظالم الاجتماعية والسياسية والغبن الكبير الواقع علي قبائل تلك المنطقة، تمثل معًا دوافع لخلق بيئة خصبة وحاضنة لأفكار تلك التنظيمات الجهادية، وما تدعو إليه من عنف سياسي تجاه الآخرين. ويضاعف من حدة تلك التأثيرات متغيرين أساسيين برزا على ساحة الفعل الجهادي:

أولهمــا: ظاهرة النزوح الكبيرة تجاه الجنوب،تحديدًا من بقايا تلك التنظيمات سواء داعش الذي فقد جغرافية خلافته السياسية بالموطن الأم في سوريا والعراق أو لدي الفروع الإقليمية ــ إمارات الخلافة كما هو الحال في سرت ودرنة، أو حتى تنظيم القاعدة نفسهالذي فقد الكثير هو الآخر نقاط تمركزه الجغرافي بالمنطقة الشرقية تحديدًا درنة، طبرق وبنغازي. إذ شهدت السنوات الثلاث الماضية موجة نزوح كبيرة من تلك التنظيمات، للبحث عن ملاذ آمن جديد. وتدريجيًا بات الجنوب الليبي ملاذًا وملجأ للكثير من عناصر التنظيمات الجهادية القادمة من داخل المنطقة العربية والإفريقية، كما بات أيضًا منصة عبور رئيسة بين فروع تلك التنظيمات من الشرق بامتداداته الجغرافية حتى أواسط آسيا وفي الغرب حتى ساحل الأطلسي.

ثانيهمـا: الاستفادة من وفرات الخبرة التاريخية وعلاقاتهم بالجنوب. إذ يستند مقاتلو تلك التنظيمات في حرية الحركة وإقامة معسكرات التدريب لتاريخ طويل من الإلمام بالشئون المحليةوتشابكاتها يعود لتسعينيات القرن العشرين، والحرب الأهلية بالجزائر ومالي. فبعد انتفاضة فبراير 2011، أقامت تلك التنظيمات روابط مع مجموعات مسلّحة محلية وجهاديين بالشمال، وتحديدا الشمال ــ الشرقي بمدن بنغازي ودرنة وأجدابيا. كان خط الإمدادات اللوجيستية التابع لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في الجنوب الليبي، يغذّي شبكات أنصار الشريعة، عبر نقل الجهاديين التابعين للقاعدة من الجزائر ومالي وسواهما من دول الساحل إلى معسكرات شمال ليبيا، ومن هناك إلى سورية والعراق، أما مصر فإن المقاتلين كانوا يسلكوا الطرق البرية سواء عبر ساحل المتوسط أو من الصحراء إلى سيناء.

وفقًا لروايات محلية ليبية، فإن جماعة أنصار الشريعة نقلوا المتطوعين جنوباً إلى مالي للحرب ضد القوات الفرنسية، كما تولوا تدريب مقاتلين موالين للجهادي الجزائري المخضرم مختار بلمختار، قبل هجومهم على منشأة الغاز الطبيعي في تيقنتورين في عين أميناس بالجزائر عام 2013. كما أشارت العديد من المصادر المصرية أن جزء كبير من السلاح المتواجد في سيناء مصدره الأساسي ليبيا.

ومن ثم شكل الجنوب، نقطة ارتكاز محورية في أنشطة تلك التنظيمات الجهادية، لكونه بات حلقة وصل أو ربط قوية ما بين فروعها في آسيا وتحديدًا باليمن وأفغانستان من ناحية، وفروعها الأخرى بالقارة الإفريقية سواء بمنطقة القرن الإفريقي والصومال أو في وسطها شمال نيجريا وجنوب تشاد ــ أو غربها في شمالي مالي والنيجر وبقدر ما موريتانيا. وإذا كان هذا المسار وبطرقه ومسالكه المتعددة يشكل الشق السري في علميات التهريب وانتقال الأفراد والسلاح والأموال، فإن هناك مسار آخر اتسم بالعلانية بقدر عال من العلانية يشمل: سوريا والعراق نحو تركيا ومنها نحو السودان، ومنها نحو الجنوب الليبي. ويتسم هذا المسار العلني بتهريب الأفراد والأموال وبقدر ما السلاح. بعدما تم التضييق على أهم مسارين للتهريب إلى ليبيا:

أولهمــا: المسار البحري، المار بالموانئ التركية نحو موانئ الساحل الغربي لليبيا وتحديدًا مصراتة والخمس. القيود على هذا المسار أتت بضغوط أممية وأوروبية بالأساس.

ثانيهمـا: المسار الجوي، عبر نقل السلاح والأموال عبر القواعد العسكرية التي كانت خارج سيطرة سلطتي الشرق والغرب في جنوب ليبيا. والقيود التي فرضت على المسار أتت من الداخل الليبي بعد النجاح الكبير الذي حققته قوات الجيش الليبي في السيطرة على المطارات والقواعد العسكرية بمنطقة الجنوب.أضف لذلكالتقييد الأممي على مطارات الشمال، التي كانت تستغل في نقل الأموال والسلاح لجماعات الإخوان المسلمين في طرابلس.

قبل التعرف على خارطة التنظيمات الجهادية بكافة أطيافها بالجنوب، لآبد من حسم العديد من القضايا الشائكة، ومثلت محورًا كبيرًا للجدل والنقاش الإستراتيجي سواء داخل لليبيا أو خارجها إزاء حقيقة تواجد عناصر تلك التنظيمات، وثقل الإرهاب الذي تمثله للآخرين.

أولى تلك القضايا، حقيقة وثقل التهديد الإرهابي ــ الديني النابع من الجنوب الليبي المقاربة ما بين التهويل من شأنها أوإنكاره.ثمة حقيقة لآبد من ذكرها هنا حال معالجة تلك الإشكالية، أن تهديد التنظيمات الجهادية بالجنوب تم توظيفه سياسيًا من قبل القوى المتصارعة بالجنوب. إذ عمد خصوم الطوارق على سبيل المثال من التبو، إلى تضخيم عمق ونطاق اختراق عناصر تلك التنظيمات لمناطقهم في أقصى الجنوب الغربي وتحديدًا في أوباري وغات. بالمثل وظفت سلطة الأمر الواقع في بنغازي تلك المسألة لوصم منافستها بطرابلس وحفائها المصراتيين بدعم الإرهاب والتطرف، في سياق المناكفات السياسية التي لا تنتهي بيهما حول النفوذ السياسي داخل ليبيا. والغاية واحد، فالكل يريد توظيف تلك الورقة الحساسة إقليميًا ودوليًا، سياسيًا وعسكريًا في صراعه مع الآخر، ومحاولة الحد قدر المستطاع في أي أشكال للدعم الخارجي الذي يتلقاههذا الطرف، عبر تصويرهم بكونهم مؤيدين للإرهاب.

كما ارتبط هذا التوظيف السياسي، بقناعة تم الترويج لها أكاديميًا وإعلاميًا، بأن تنظيم داعش بخلاف القاعدة، بعد هزيمته في سرت يواجه أفاقًا أشد ضبابية وليست لديه القدرة على التمدد نحو الجنوب، لكون أي تحرك باتجاه تلك المنطقة، وفق تلك القناعة سوف يصطدم حتمًا، ليس بعدد كبير من المجموعات المسلّحة المرتبطة بالمجتمعات والقبائل المحلية ومثيلتها العسكرية القادمة من دول الجوار الجغرافي فحسب، إنما أيضاً بالشبكات التابعة لتنظيم القاعدة نفسه في الجنوب، التي انتعشت حظوظها مجدّداً في تبوء مكانة قوية داخل الساحة الجهادية مقارنةً داعش، بالإضافة للعودة العكسية من الكثير من أنصار القاعدة السابقين للتنظيم مرة أخرى، بعدما كانوا قد انشقوا عنه، الانضمام لصفوف داعش قبل سنوات، مثل "أنصار الشريعة"، و"مجلس مجاهدي بنغازي". إلا أن هناك مجموعة من الحقائق يمكن رصدها لحسم تلك الإشكالية بعيدًا عن أي توظيف سياسي:

أولهمـا:وفقا لتقديرات الأمم المتحدة، والتي كان آخرها تقرير 23 أغسطس 2018، فإن ما بين 3 ــ 4 آلاف من عناصر تنظيم داعش في سوريا والعراق، غادرهما في اتجاه جنوب ليبيا، حيث شغلت ليبيا المرتبة الثانية بعد أفغانستان في تيار الهجرة المعاكسة من أرض الخلافة. وأكد التقرير أيضًا أن جنوب ليبيا مرشح مع أفغانستان بقوة لكي يكونا مركزاثقل التواجد القادم لعناصر التنظيم. وإذا أضيف لهؤلاء المجموعات التي كانت قد أعلنت من سرت إمارة ولاية داعش، فإن عددهم يمكن أن يصل إلى 15 ألفداعشي فقط.

وقبل هذا التقرير،كانت تقارير استخباراتية غربية متعددة، منها تقرير فرنسي وآخر للأمم المتحدة، أكدت بوضوح أن جنوب ليبيا أصبح منطقة جذب هامة للتنظيمات الإرهابية التي فرقها التدخل الفرنسي في مالي ووجدت في الاضطراب الذي تعيشه ليبيا فرصة للتمدّد والاستقرار.

ثانيهمـا: وفقًا لتقديرات محلية في عناصر تنظيم القاعدة بكافة أطيافه، يصل عددها بما يفوق 20 ألف يتمتعون إلى جنسيات متعددة أبرزها: الليبية والتونسية والجزائرية، بالإضافة لجنسيات دول إفريقية مثل مالي والنيجر ونيجيريا.

ولذا فنحن، في أقل التقديرات لدينا ما يعادل 35 ألف عنصر مقاتل من تلك التنظيمات، يمكن أن يرتفع إلى 50 ألف، وينشرون على مساحة كبيرة من الجغرافيا ــ السياسية، إلا أن تركزهم بشكل رئيس في أقصى الشرق حيث مدن العوينات، أبو كوفرة ــ الجوف خارج سيطرة سلطة الشرق، كما لهم وجود ملموس على مقربة من واحتَي الكفرة وتازربو على طول الحدود السودانية، وأيضا يتواجدون في إجدبيا والجفرة جنوب سرت، حيث قصفت طائرة أمريكية في أواخر ديسمبر 2017 معسكر للتنظيم بتلك المنطقة تحديدًا، وبعدها قصف جوي لمعسكر آخر جنوب سبها. كما يتواجد التنظيم في أقصى الغرب بالشاطئ الرمادي وأوباري وغات مستفيدا من تعاونه مع بعض الطوارق، كما هناك مجموعات تعمل في أقصى الجنوب في زويلة ومرزق والقطرانوديان جبال أكاكوس. وبخلاف تنظيم القاعدة، تتواجد عناصر من تنظيم داعش بمناطق الوسط والشمال، تحديدًا بمناطق جنوب بن جواد والنوفلية، بالإضافة لمدينة صبراتة، ومشروع برجود الزراعي بأقصى جنوب غرب ليبيا، حيث يعتقد تبعًا لمصادر محلية، أن يوجد بهذا المشروع، أحد أهم مقار داعش الرئيسة بالجنوب.

ومن ثم، لم يكن من الغريب أن تنشط الدول الكبرى لإقامة قواعد عسكرية في دول الجوار، أحد أهم وظائفها رصد ومواجهة إرهاب تلك الجماعات عن قرب. إذ أقامت فرنسا قاعدة مادما بالقرب من الحدود الجنوبية ــ الغربية الليبية في النيجر، كما أقامت الولايات المتحدة قاعدتين عسكرية في نفس البلد خصصت أحدهما لقيادة عمليات "أفريكوم" لمراقبة تواجد عناصر تلك التنظيمات، وتخطط إيطاليا حاليًا لإقامة قاعدة عسكري في أوباري، وبدأت مفاوضات جادة مع حكومة السراج في طرابلس بهذا السياق.

 

 


(7)بعدها مباشرة أصدر النائب العام أمر في نوفمبر 2018، بالقبض على مالك القناة، عبدالحكيم بلحاج أحد أبرز قيادات الجهاد السابقة، بتهمة التعاون مع المتمردين وتجنيدهم للقتال وشن هجمات على البنية التحتية النفطية.

(8)وقد كان رد الرئيس السوداني عبر البشير قاسيًا على هذا الموقف الليبي، حينما اندلعت انتفاضة فبراير، قام بدعم التحالف الذي نشأ ما بين قبائل مدينة الزويلة والتبو في الجنوب لمواجهة الطوارق الين دعموا نظام معمر القذافي ضد معارضيه، وقامت الاستخبارات السودانية بدعم هذا التحالف بالمال والسلاح، بل وإرسال جنود سودانيين للقتال لصالح هذا التحالف القبلي.

(9) كان قد شغل في تسعينيات القرن الماضي، منصب نائب الرئيس النيجري بعد اتفاق اتفاقية الجزائر للسلام بالنيجر. 

( 10 )ثمة تأكيدات من مصادر لليبية داخلية أن وتلا مسلحاً تابعة لبعض المجموعات المسلحة التشادية، تعرض لغارات جوية مكثفة في أكتوبر 2018  من قبل قوات الجيش الوطني بزعامة المشير خليفة حفتر، في منطقة تمسة الواقعة شرق مدينة أم الأرانب على الطريق المؤدي إلى الحدود مع تشاد. ويعتقد العديد من الليبيين أن القوات الفرنسية الجوية قدمت دعمًا كبيرة لتلك الغارة سواء الإمداد بالمعلومات عن أماكن وجودها أو حتى مشاركة طائرات فرنسية حربية في العملية،

التعليقات