ايوان ليبيا

الأربعاء , 19 يونيو 2019
موندو ديبورتيفو تكشف رسالة نيمار إلى الخليفي "أريد العودة إلى منزلي"رسميا - جناح ليفربول ينضم إلى رينجرز الاسكتلنديكوتينيو عن مصيره مع برشلونة: لا أحد يعلم مستقبلهلا ليجا يبرز مشاركة لاعبي الدوري الإسباني في أمم إفريقياالمملكة تؤكد دعمها وتمكينها للمرأة السعودية في مختلف المجالات |صورة"دارأوبرا مسقط" تعلن تفاصيل برامج موسمها الجديد 2019/‏‏‏ 2020البرهان: لامزايدة على الوطن والفترة الانتقالية ستدار حسب القانونالسعودية: أكثر من ثلاثة ملايين مستخدم لتطبيق "مصحف المدينة النبوية"الحاسي: جاهزون للحظة إقتحام العاصمةسفير جديد للفلبين في ليبياتخريج دفعات جديدة لقوات الدعم المركزيتمديد فترة استيراد السلع غير المحظورةلِيبِيَّا. حَلُّ الْأَزْمَةِ ثُمَّ إِعَادَةُ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ ... بِقَلَمِ / رَمْزَي حَلِيمُ مفراكسعلى هامش الحراك السياسي لليبيين خارج الوطن: أخلاقنا السياسية متردية في السلم والحرب!!..أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي في السوق الموازي اليوم الاربعاء 19 يونيو 2019العمر الافتراضي لحشوات الاسناناسباب فقدان الوعي المفاجىءاشتباكات عنيفة بهذه المحاورخفايا جلسة "نواب طرابلس"ليبيا تشارك في مؤتمر العمل الدولي بجنيف

ظاهرة الإرهاب العابر للحدود في جنوب ليبيا - الجزء 1

- كتب   -  
ظاهرة الإرهاب العابر للحدود في جنوب ليبيا - الجزء 1
ظاهرة الإرهاب العابر للحدود في جنوب ليبيا - الجزء 1

الخاصرة الرخوة

جنوب ليبيا: أبعاد ومدلولات ظاهرة الإرهاب العابر للحدود

 بقلم الدكتور يوسف شاكير

 

 

تكالبت الجغرافيا مع السياسة على الجنوبي الليبي، فأوقعته في حالة غير مسبوق من الإهمال والفقر بل العزلة، ما أنتج الصراع على السيطرة على موارد المنطقة بين مكوناته السكانية، ظواهر كانت دومًا حاكمة لمسيرة تطورها لسياسي ــ التاريخي وعلاقاته مع الشمال عبر مختلف العصور. بدا الآمر وكأنه قدرًا محتومًا على أهله أن تكون معاناتهم جزءًا أصيلًا في علاقاتهم مع الشمال ــ الساحلي، أيًا كانت طبيعة المُسيطر على مقاليد الأمور داخله سلطة استعمارية أم وطنية. فقد كان جل الاهتمام السياسي والتنمويمنصبا لصالحمنطقة الشمال، فيما أهمل عن عمد الجنوب. وزاد من وتيرة تسارع تلك الحالة من الغبن السياسي ــ الاقتصادي تحولات ما بعد فبراير 2011، وانشغال الطبقة السياسية الشمالية عن الجنوب، بكل ما يطرحه من إشكاليات داخل المشهد الليبي.إذ بخلاف ما كان يُأمل ويتوقع، ازدادت مقومات التهميش والعزلة بكل ما تحملهما الكلمتين من مدلولات سياسية ــ أمنية واقتصادية ــ تنموية، بل باتت المنطقة خارج قائمة أولويات الطبقة السياسية التي سيطرت على مقاليد الأمور بعد هذا التوقيت، حينما حاولت التدخل في الجنوب زادت من معاناته وصراعاته الداخلية، بسبب سوء إدارة هذا التدخل بشقيه السياسي والأمني.

وقد أغرى فراغ القوة الناشئ بمنطقة الجنوب،العديد من الجماعات والقوى غير النظامية Non-State Actorsلمحاولة ملء هذا الفراغ وتوظيفه Manipulate سياسيًا، من أجل إيجاد موطئ قدم راسخة لها، عبر تأسيس وشائج سياسية ــ اجتماعية  سواء مع أبناء الجنوب أنفسهم، أو فيما بين تلك الجماعات بعضها البعض، ما سهل لها بناء مناطق نفوذ خاصة بها داخل مدن الجنوب الليبي، بعيدًا عن إي ضغوط أو مقاومة سواء من سلطة الشمال المشغولة بصراعاتها البينية، أو حتى دول الجوار المّسكونة هي الأخرىبصراعات لا تقل حدة ومأساة. والأمر الذي إعادة إنتاج التحدي القديم للمنطقة، بدأ يتخطى أبعاده الإستراتيجية إلى مثيلتها الإنسانية داخل الضمير الإنساني العام، بسبب موجات الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.

إذ تظهر الخبرة التاريخية دومًا، أن أي فراغ يحدث للقوة في بقعة جغرافية ما من العالم، سرعان ما يجد من يملئه من جانب قوى أخرى سواء كانت نظامية أو غير نظامية، زاد من محورية هذا المحدد، طبيعة التحولات الجارية الآن التي تتسم بقدر عال من  السيولة عدم الانضباط، في هيكل واتجاهات سواء النظام العالمي أو مثيله الفرعي بالمنطقتين العربية ووسط إفريقيا.

إذ استطاعت تلك القوى غير النظامية بفضل ما تتمتع به من مقومات عقائدية ــ سياسية، أو مالية ــ تسليحية طوال تلك السنوات  الثماني الماضية، من نسج وإقامة روابط مصلحية متعددة الجوانب مع القبائل المحلية وسكان المنطقة. أتى هذا المتغير، بعدما تداعى وبشكل سريع ما يمكن توصيفه بــ "الوفاق والوحدة الجنوبية"خلال انتفاضة فبراير 2011، التي وحدتهم تجاه مطلب التغيير السياسي على أمل التغيير وتحسين أحوالهم سواء المعيشية ــ التنموية أو السياسية وحصول الكثير منهم على حق التجبيس والمواطنة شأن كلا الليبيين. إلا أن التطورات التالية،حولت الجنوب لساحة للاقتتال والصراع المحلي بين قبائله الرئيسة بشقيها العربي والإفريقي، للسيطرة على نمط مزدهر من الاقتصاد الناشئ، متمثل في حركة التجارة غير المشروعة الرائجة، ما تدره من عوائد مالية ضخمة، بات أهالي الجنوب في أحوج وأمّس الحاجة إليها، بعدما فقدوا المخصصات المالية القادمة من المركز بالشمال، وأن وصلت تلك المخصصات فهي لا تعد تكفي لسد الحاجات المعيشية الأساسية، فما بالنا بالمخصصات الأمنية الكبيرة لحفظ الاستقرار السياسي ــ الاجتماعي.

ومع هذا التداعي السياسي ــ الأمني، والمصحوب بانهيار غير مسبوق في مجالات الاقتصاد المحلي نتيجة الفوضى الشاملة وانعدام الاستقرار من ناحية، فقدان مخصصات الشمال المالية نتيجة للفساد وصراع الإرادة بين الشرق ــ بنغازي والغرب ــ طرابلس، بدأ الجنوب الليبي يتحول تدريجيًا إلى منصة عبور وتمركز كبيرة للجماعات غير النظامية، وبات لها مدلولاتها وتداعياتها الخطيرة ليس على لليبيا كدولة فحسب، وإنما أيضًا على جوارها الجيو ــ سياسي بشقيها القريب العربي ــ الإفريقي، أو مثيله الأبعد مدى تجاه جنوب القارة الأوروبية. يشغل حيز كبير داخل تلك المنصة، حركة الجهاديين بين المشرق على امتداد جغرافيته السياسية حتى أواسط آسيا، والغرببامتداداتهحتى الساحل الأطلسي مارًا بدول وسط وغرب إفريقيا، بعدما باتت لليبيا نقطة لالتقاء وتجمع للحركات المتطرفة دينيًا.

 في حين يشغل الحيز الثاني، حركات التمرد السياسي ــ العسكري القادمة من دول الجوار الجغرافي لليبيا، وتحديدًا تشاد والسودان والنيجر، بدأت تنطلق من الجنوب نحو بلدانها مسببة قدر عال من عدم الاستقرار والتوتر السياسي. أما آخرها، فيكمن في أنشطة وحركة منظمات الجريمة المنظمة سواء العاملة بالاتجار بالبشر ما سببه من تدفق غير مسبوق للمهاجرين على القارة الأوروبية، أو المخدرات وتجارة السلاح.

بحيث باتت تلك الجماعات لاعبًا رئيسًا في تفاعلات الجنوب بشقيها التعاوني والصراعي، ما مكنها في إحداث تحولات سكانية أفقدت الجنوب سماتها الليبية، وجعلته بوتقة غير قادرة على صهر التمايزات العرقية أو الثقافية لسكانه القديم منهم والوافد حديثًا. وقد ضاعف من تلك الإشكالية انحصار مساحات التواجد التي كانت تشغلها تلك الجماعات وتحديدًا ذات الطابع الديني. فقد تحول الجنوب مع فقدان تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لجغرافية خلافته السياسية بالعراق وسوريا، من بعدها درنة وسرت داخل ليبيا، أن تحول الجنوب الليبي لملاذ آمن لتلك الجماعات مجتمعة.

ومن ثم، تحول الجنوب مع مرور الوقت إلى خاصرة رخوة داخل الدولة الليبية، تركت عمدًا للوصول لتلك الوضعية بسبب انشغال الطبقة السياسية بالشمال وأنانيتها السياسية، مصحوبًا بحدود ذائبة مع دول الجوار الجغرافي، وعدم اهتمام دولي. وباتت الثلاثية الحاكمة لتفاعلاته سواء الداخلية أو مع محيطه داخل ليبيا وخارجها  مرتبطة بالفقر والإهمال والفوضى للحد الذي وصف فيه المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة في مداخلته خلال شهر يناير 2019 أمام مجلس الأمن، أوضاع الجنوب بالمأساة الحقيقية أمام المجتمع الدولي، وأن سكانه لا يغادرون منازلهم بعد غروب الشمس بسبب انعدام الأمن والاستقرار، في مشهد لميألفه سكان الجنوب حتى بالعصور القديمة التي تميزت بانعدام وجود سلطة سياسية حاكمة.

أولا:ــ منظـومـات الإرهـاب العـابر للحـدود الذائبــة

تتبني هذه الدارسة مفهومًا شاملاً وموسعًا سواء تجاه ظاهرة الإرهاب، أو في تحديد جغرافية الجنوب الليبي كساحة ومنصة لممارسة العنف السياسي المصاحب لهذا الإرهاب. فعلى المستوى الأول، يوصف الإرهاب بكونه كل فعل مادي يستهدف الإخلال بالقيم والتفاعلات المستقرة والمتعارف عليها سواء بحكم القانون أو الأعرافالسائدة بين شرائح المجتمع المتعددة، بما يلحق الأذى المباشر وغير المباشر بالإفراد والجماعات، ويسلبهم نعمتي الأمن والأمان المجتمعي، مصحوبًا بإيجاد حالة من التوتر والخوف السياسي ــ العقائدي أو الاقتصادي ــ الاجتماعي.

أما على المستوى الثاني، فإن جغرافية الجنوب هنا تتجاوز جغرافية إقليم فزان التاريخية لتشمل ثلثي الجغرافية الليبية، أو ما يعرف تاريخيًا بــ "الصحراء الليبية"وتشمل جميع المناطق التي تقع جنوب خط عرض 30 درجة شمالاً، وتمتد من الشرق مناطق: العوينات والكفرة والجوف، مرورًا بمناطق الوسط حيث الجفرة، سبها، مرزق، وزويلة انتهاءً بأقصى الشرق حيث مناطق الشاطئ الرماد، أوبن، أوباري وغات. وتلاصق تلك الجغرافية الحدود المصرية شرقًا والسودانية جنوب شرق، والتشادية والنيجرية جنوبًا والجزائرية غربًا. يتواجد بتلك الجغرافية الشاسعة التي تعادل 75% من مساحة ليبيا البالغة 1.76 مليون كم، العديد من القبائل والعرقيات المتداخلة مكانيًا، إلا أنهم يشكلون معًا ما يعادل 10% فقط من سكان ليبيا البالغ عددها 6.4 مليون نسمة، ويمكن تصنيفهم حسب معايير الهوية الثقافية إلى اثنين أساسيين:

أولهمـا: مجموعة القبائل العربية، وامتداداتها السكانية تتجه دومًا نحو الشمال وساحل المتوسط وأبرزها قبائل: أولاد سليمان؛ العواقير؛ ورفلة، القذاذفة والمقارحة. وتشكل تلك القبائل قوس كبير يمتد وسط الجغرافيا الليبية منالكفرة والجوف وتازيريو بالشرق مرورًا بالجفرة وسبها بالوسط، إلى مدن زويلة ومرزق والقطران بالجنوب وانتهاءً ببيراك وأدري في أقصى الغرب.

ثانيهمـا: مجموعة القبائل الإفريقية، وامتداداتها السكانية تتجه دومًا نحو الجنوب والغرب حيث  النيجر وتشاد ومالي وبوركينافاسو والجزائر، وأبرزها قبائل: التبو؛ الطوارق والأمازيج. وتشكل تلك القبائل أيضًا مثلث يقع رأسه في مدينة سبها، وقاعدة تبدأ منأقصى جنوب ــ الشرق حيث العوينات وميتان سارة حتى أوباري وغات في أقصى جنوب ــ الغرب. باستثناء جنوب ــ الشرق، حيث تنتشر عرقية التبو، وأقصى الغرب ــ الأوسط حيث تنتشر عرقية الأمازيج، فإن ما بينهما هناك خليط ما بين التبو والطوارق وتحديدًا في مزوق، أوباري، وتعد سبها بمثابة خليط ما بين القبائل الإفريقية والعربية. 

تلك الجغرافيا الجنوبية، تتسم بالعديد من السمات التي أضفت عليها قدرًا كبيرًا من الخصوصية المكانية ــ السكانية، والتي استمدتها طوال تاريخها السياسي الطويل، لم تغير منها حقبة دولة ما بعد الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي، ما جعلتها نقطة جذب والتقاء Focal Pointذات مزايا نسبية للجماعات الإرهابية غير النظامية النشطة داخل المنطقتين العربية والإفريقية. إذ استغلت الفراغ السياسي ــ الأمني الذي شاع بتلك المنطقة عقب سقوط نظام القذافي عام 2011، من أجل التمدد والعمل داخل تلك المنطقة بحرية نسبية كبيرة. وتمتعت تلك الجغرافية بالعديد من السمات الطبيعية التي جعلتها ملاذ آمن للقوى الثلاث ما أنتجه من أنواع متعددة من الإرهاب، أبرزها:

1ــ صحراء شاسعة من دون أدني حماية أمنية متوقعة،وخرجت فعليًا منتحت سيادة الدولة الليبية وباتت تتولى حمايتها جماعات غير نظامية،ومفتوحة على مصراعيها تجاه بلدان الجوار الجغرافي، دون أي عوائق أو ضبط سلطويسياسي ــ أمني، وزاد من تعقيد تلك المسألة افتقاد الدولة الليبية للإمكانات التقنية والعسكرية للمراقبة وضبط الحدود، الأمر الذي ألقي عبء غير مسبوق على دول الجوار لضبط حدودها الشاسعة مع لليبيا، وتحديدًا مصر والجزائر بقدر ما تونس أكبر الخاسرين من إرهاب التنظيمات الجهادية، في حين عانت تشاد ومالي والسودان من ضغوط مجموعات التمرد المسلح، فيما عانى الجميع من إرهاب التهريب وتحديدا التجارة بالبشر.

2ــ فراغ سكاني كبير، حيث يتركز الليبيين، أما بالشمال ومدن الوسط، أوبالمراكز الحضرية والمدن الكبرىبالجنوب وما حولها فقط. ما جعل تلك الجغرافيا ساحة كبيرة لإقامة معسكرات التدريب وتخزين السلاح ونقل البشر والمخدرات. تكثر فيها الطرقات والمسالك الصحراوية التي تمكن من حرية التنقل والنشاط الاقتصادي بشقيها المشروع وغير المشروع، نشاط يدُر عوائد مالية كبيرة، باتت بعد فبراير 2011 موضع تنافس بين تلك المجموعات السكانية وصل لحد الصراع المسلح.

3ــ تتمتع المنطقة بثروات طبيعية كبيرة،في مقدمتها: النفط، الذهب، اليورانيوم، بالإضافة لوفرة مصادر المياه العذبة، بوصفها خزان ليبيا. ما أحداث الفجوة الكبيرة ما بين الموارد المتاحة، وتراجع معدلات التنمية والرفاهية الاقتصادية ــ الاجتماعية لسكان الجنوب.

4ــ التداخل السكاني الكبير بين مكونات المجتمع الجنوبي، الذي جعل محاولة أي مجموعة سكانية السيطرة على أي حيز مكاني داخل الجنوب مسألة صعبة، بل مستحيلة، وكانت محفوفة دومًا بالمخاطر السياسية لكونها ببساطة مسببة للصراع والتوترات العرقية. وتاريخ المنطقة سواء ما قبل فبراير أو ما بعده، كاشف عن تلك الإشكالية بشكل لا يدع مجالاً للشك. والصراع كان دومًا عابرا للعرقيات القبائل. إذ وجدنا صراع القبائل العربية وتحديدًا صراع السيطرة على مدينة سبها ما بين قبيلة أولاد سليمان من ناحية، وتحالف قبيلتي القذاذفة والمقارحة من ناحية أخرى الذي وصل للصدام المسلح، وصراع التبو والطوارق للسيطرة على مدينتي أوباري أو غاتحيث طرق التهريب، أو الصراع ما بين أولاد سليمان والتبو للسيطرة على سبها وانتهي باتفاق إيطاليا في إبريل 2017.

من دون شك أو عودة، كان لعود رموز قبيلتي التبو من منفاهم الاختياري بالنرويج، والطوارق من فرنسا ودول الجوار بعد فبراير 2011 الأثر في تنمية الوعي السياسي بحقوق المواطنة والدفاع عنها في مواجهة الشمال، ما اعتبر عامل جديد مؤجج للصراعات العرقية بالمنطقة، وشجع في نفس الوقت على بروز ظاهرة الولاءات التي حكمت إدارة الصراعات السياسية والأمنية بين مكونات مجتمع الجنوب.

وقد زاد من حدة تلك المنظومة المعقدة والحاكمة في نفس الوقت للجغرافية السياسية ــ السكانية لمنطقة الجنوب، بروزثلاثة متغيرات رئيسة،أعادت إنتاج نفسها بشكل عنيف طوال السنوات الثماني الماضية مستفيدة من المقومات الأربعة السابقة:

المحدد الأول: ذو طابع داخلي. إذ تحولت منطقة الجنوب بعد الانقسام السياسي بين طرفي معادلة السلطة السياسية بالشمال عام 2014، إلى ساحة للمناكفة السياسية بين سلطتي الأمر الواقع في بنغازي وطرابلس، باتت توفر فرص كبيرة لدعم النفوذ السياسي داخل المشهد الليبي واستحقاقاته المستقبلية، وصل مؤخرًا إلى حد الاقتتال المتبادل للسيطرة على حقول النفط الجنوبية في الشرارة والفيل، في أقصى جنوب الغرب قرب أوباري. وهنا تكاتفت محددات التهميش والعزلة مع تحول الجنوب لساحة تنافس سياسي داخلي، بدأت مبكرًا بعد فبراير، ولكنها تعمقت مع حدة الانقسام السياسي بالشمال. وصل الأمر لإعادة بناء التحالفات ما بين سلطتي الشمال من ناحية مع قبائل الجنوب من ناحية أخرى، ما زاد وفاقم من أزمات الصراع الاجتماعي الممتد داخل مناطق الجنوب نفسها بين مكوناته السكانية وصلت لحد الاقتتال الداخلي سعيًا وراء النفوذ والمالي (السكان أنظر الشكل رقم 1).

شكل رقم 1 ــ روابط النفوذ والعلاقات ما بين سلطتي الشمال وقبائل الجنوب

 

في البداية ساهم الشمال في ترسيخ الروابط الفئوية والعرقية لمؤسسات الأمن بالجنوب، عن طريق إنشاء هيئات أمنية ملحقة، وخاضعة لسلطة وزارتي الداخلية والدفاع، وباتت تلك الهيئات والتي هي أقرب للميليشيات المسلحة مع بعض الاستثناءات جزءًا من أزمة الجنوب، وليس عنصر مُدعم للاستقرار وحفظ الأمن الداخلي. بحيث باتت متاعب الجنوب متداخلة مع مشاكل الشمال لحد كبير(1).وزاد من وطأة هذا التداخل عمليات تسليح القبائل الجنوبية بدعم مباشر من الشمال، وكانت أبرز النماذج عن ذلك قيام القوة الثالثة التي قدمت من مصراتة لتهدئة الصراع بالجنوب عام 2015 بتوزيع السلاح على بعض القبائل الجنوبية ضمن خططها لحفظ الأمن في سبها ومحيطها الجغرافي(2). إذ دعمت تحديدا أولاد سليمان والطوارق في مواجهة التبو والقذاذفة والمقارحة(وجميعهم خصوم يتنافسون على التهريب عبر الحدود)،وهم من أنصار سلطة الشرق. كذلك تمتعت قبائل أصغر حجماً، على غرار الحساونة والمحاميد وأولاد بوسيف، بمعاملة تفضيلية من جانب القوة الثالثة. جري تجنيد عدد كبير من هذه المجموعات لتكون ملحَقة بهذه الفرقة، حيث تم اختيار150 شخصاً من كل قبيلة في سبها، وبلغ المجموع 120،وتحصل هذه المجموعات الملحقة على أسلحة وأجهزة لاسلكية وبزات ورواتب، ويتم توجيهها لفرض الأمن في مناطق محددة في سبها. وتحالفت تلك القوة مع اللواء السادس مشاه الذي يتألف في شكل أساسي من قبيلة أولاد سليمان، وكتيبة أحرار فزان المؤلفة من 800 عنصرًا معظمهم من قبيلة أولاد سليمان، لكنها تضم أيضاً عناصر من المحاميد وأولاد بوسيف والحساونة والطوارق، قامت ميليشيات مصراتة بتدريبهم ومدهم بالسلاح والعتاد الحربي.

المحـدد الثاني، ذو طابع إقليمي. إذ سمح هذا التداخل السكاني ما بين القبائل الإفريقية عبر الحدود الذائبة لليبيا لمجموعات كبيرة من الطوارق والتبو والأمازيج، للانتقال من بلدانهم التي يسودها الصراع والفقر إلى الجنوب الليبي الغني بالثروات الطبيعية، ومحاولة العبث بالتركيبة السكانية للمنطقة، ومحاولة فرض أمر واقع جديد بعد سقوط نظام القذافي عبر إعادة توطين أبناء تلك القبائل واندماجهم مع أبناء قبائلهم المستقرين بالجنوب منذ عقود تاريخية طويلة.

الأمر الذي عمق من إشكاليات تجنيس أبناء الجنوب من القبائل الإفريقية بسبب هذا التوطين الجديد، بحيث بات هؤلاء عبء جديد على أقرانهم الليبيين بعدما قررت سلطة طرابلس ربط تقديم الرواتب والإعانات الشهرية ببطاقات الهوية ما حرم الكثير منهم من مصادر الدخل المالي من ناحية، وهجرة أبناء القبائل العربية بل الإفريقية نحو الشمال وتحديدًا طرابلس بحثا عن الآمان الشخصي والشغل من ناحية أخرى. بدا الأمر هنا كأنه رغبة من دول الجوار الجيو ــ سياسي مثل تشاد، مالي، النيجر وبل السودان في حل مشاكلهم الداخلية والبحث عن استقرارها الوطني، عبر التخلص من تلك القبائل المُسببة للتوتر والاحتكاك بين مكوناتها السكانية، وذلك على حساب استقرار الدولة الليبية وتركيبتها السكانية.

وفي هذا المحدد الثاني، عادت من جديد ظاهرة التغيير السريع في بناء التحالفات، لتطل برأسها من جديد. فعلى سبيل المثال حكومة طرابلس بزعامة فايز السراج بضغط  مباشر من فرنسا وإيطاليا تعاملت مع حركات التمرد السياسي من دول الجوار الجغرافي، ومدتها بالمال والسلاح من أجل وقف تدفق تيار الهجرة غير الشرعية المتدفق ناحيةالقارة الأوروبية،وسبب أزمات سياسية وإنسانية كبيرة لهاتين الدولتين تحديدًا بسبب أعباء المواجهة المباشرة، وللقارة الأوروبية بشكل عام. إلا أنهما في مرحلة تالية دعمتا عملية الجيش الليبي وحفتر في حملته العسكرية، التي بدأها في 15 يناير 3019، لتحرير الجنوب من القوى غير النظامية وإعادة بسط سيطرة سلطة الشرق على الجنوب، وفي جزء منها بالتأكيد القيام بنفس المهمة وكبح تدفق المهاجرين الأفارقة والعرب للقارة الأوروبية، بعدما فشلت حكومة السراج في الاضطلاع بأعباء تلك المهمة بفاعلية كبيرة.  

المحـدد الثالث، ذو طابع دولي. بسبب التكالب غير المسبوق بشقيها العربي والأوروبي، والمساعيالحثيثة لخلق ولاءات جنوبية، عبر تطوير شبكات العمالة السياسية Political Cliency من أجل أهداف سياسية بدت واضحة في مساعي كبح تدفق موجات الهجرة غير المشروعة القادمة من القارة الإفريقية نحو أوروبا، أو محاربة التطرف والإرهاب بشقيها المدني والديني المتوطن داخل تلك المنطقة، وبينها أهداف اقتصادية في أطماع الرأسمالية الأوروبية في استغلال مصادر الطاقة بالجنوب أو تأمين شركاته العاملة بذات المجال بدول الجوار الجغرافي لليبيا.

ومن ثم بدا الأمر في بعض الأحيان، كأنه رغبة من دول مثل فرنسا لتوسيع دائرة نفوذها بالجنوب عير تسهيل انتقال القبائل الموالية لها من تشاد والنيجر ومالي إلى الجنوب الليبي والعبث بالتركيبة السكانية لصالح تلك القبائل في مواجهة منافساتها الأخرى،وفرض أمر واقع لحسم صراعاتها مع دول مثل إيطاليا والصين وبل حتى الولايات المتحدة، حول مناطق النفوذ والهيمنة داخل القارة الإفريقية. والجدل السياسي الذي نشب نهاية شهر يناير 2019 بين فرنسا وإيطاليا حول دور كل منهما بالأزمة الليبية، وإطالة أمدها لتحقيق أهداف استعمارية، لم يكن هو الوجه الوحيد لهذا الصراع، وإنما أيضًا محاولات إيطاليا مع الطوارق وحكومة طرابلس تأسيس قاعدة عسكرية لها في مدينة أوباري، لتعزيز وجودها السياسي والاقتصادي بالمنطقة. 

وتبديل الولاءات داخل الجنوب، باتت سمة رئيسة لتفاعلاته طوال السنوات الثماني الماضية وهناك العديد من النماذج الكاشفة عن ذلك:

النموذج الأول، انهيار تحالف حفتر مع جماعات التمرد السياسي من دول الجوار. فحينما أرد حفتر عام 2018 ضم اللواء السادس مشاه الذي يقوده أحمد العتيبي (أحد قادة أولاد سليمان البارزين في ذلك الوقت)، رفض الأخير تلك المساعي وأعلن في فبراير من نفس العام أن ولاء لواءه لوزارة الدفاع وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، مما دعا حفتر لتعيين بديلًا له العميد خليفة عبد الحفيظ، لم يتمكن من السيطرة على اللواء إلا بعد التحالف مع جماعات التمرد التشادي والسوداني المنتشرين في سبها، حيث هاجمت وبقوة قوات اللواء السادس للسيطرة عليها، إلا أن المحاولة فشلت جزئيًا بهذا التوقيت، إلا أنها ساهمت في انهيار اتفاق إيطاليا بين قبيلتي أولاد سليمان التبو، الذي كان يوفر لهم التمويل والتنمية مقابل كبح تدفقات تيار المهاجرين عبر ليبيا إلى أوروبا. وخلال عملية تطهير الجنوب من الإرهاب، قاد حفتر صراع كبير ضد حلفائه السابقين من المعارضة التشادية والسودانية لإخراجهم من سبها، وهو يتجه الآن نحو زويلة ومرزق والقطرون من أجل تنفيذ تلك المهمة. 

النماذج الثاني، تبديل فرنسا لتحالفات مع التبو ودعم عملية حفتر في الجنوب. فقد غضت فرنسا الطرف على محاولات أبناء قبيلة التبو سواء استقدام أبناء قبلتهم من دول الجوار أو تعاونهم مع جماعات التمرد العسكري من تشاد والنيجر، بل ساعدتهم بالمال من أجل كبح تيار الهجرة القادم الجنوب للقارة الأوروبية، ولكنها انقلبت عليهم بدعم عملية الجيش الليبي في الجنوب سياسيًا وعسكريًا. بالمثال دعمت الولايات المتحدة وإيطاليا بل مؤسسات الاتحاد الأوروبي وبقدر، الطوارق من أجل نفس الغاية، بالرغم من الأدلة التي تُظهر أن الطوارق الليبيين يحصلون على المساعدة من أبناء قومهم العائدين من الحرب في مالي، ومن الجماعات الإسلامية المتطرفة وتحديدًا  جماعة "كتيبة 315" التي يقودها أحمد الأنصاري (وهو نسيب القائد السابق لجماعة "أنصار الدين" في مالي)، ومن المصراتيين المرتبطين ارتباطاً غير وثيق بجماعة أنصار الشريعة.

أوجدت تلك المحددات مجتمعة، حالة غير مسبوقة من الفوضى التي يعانيها الجنوب الليبي الآن، وباتت سببًا في تعقيد مشاكله متعددة الجوانب والأبعاد. كما كان هذا التداخل والتشابك في قضاياها السياسية ــ الأمنية، والاقتصادية ــ الاجتماعية، كاشفًا في ذات الوقت أيضًا عن صعوبة أن تقوم جهة واحدة وبشكل منفرد بمعالجة تلك القضايا مجتمعة وبقدر كبير من الفاعلية السياسية. ولذا ينظر لعملية الجيش الليبي لإعادة بسط سيادة وسلطة الشرق على الجنوب الجارية منذ 15 يناير 2019، الذي كان محسوبًا سياسيًا على سلطة الغرب، بوصفها عملية سياسية ــ أمنية أكثر من كونها عملية حقيقية لمعالجة مشاكل الجنوب، وتحديدًا إشكاليتي إعادة دمجه في الوحدة الترابية الليبية من ناحية، أو تحقيق الاندماج والمصالحة السياسية بين مكوناته السكانية من ناحية أخرى.

 

 


(1)في البداية منح المجلس الوطني الانتقالي قبيلة التبو السيطرة على الحدود الجنوبية، رصّت صفوفها مع قبيلة الزنتان المنحدرة من الشمال الغربي التي حاربت ضد القذافي وتتحالف حالياً مع حكومة المؤقتة التي تتخذ من طبرق مقراً لها، وذلك من أجل الدفاع عن حقول الشرارة النفطية بعد الثورة، ماأدّى إلى إقصاء قبيلة الطوارق وحرمانها من حصّتها. بعد الصراع في سبها تدخلت "القوة الثالثة" المصراتية لدعم أولاد سليمان الذين حلفائها وشركائها العرب التقليديين، بمعركتهم لاستعادة السيطرة من قبيلة التبو على حواجز التفتيش والحدود. وتعاون المصراتيون مع حلفائهم الجدد غير المتوقَّعين، من قبيلة الطوارق، للسيطرة على الشرارة والصحراء بالجنوب الغربي قرب الجزائر والنيجر. بالإضافة للسيطرة على الطرقات المربحة لتهريب الأشخاص والوقود والطعام والأسلحة والمخدرات، فضلاً عن السيطرة على الموارد الطبيعية مثل حقل الشرارة النفطي. في عام 2014 انتزع مقاتلو الطوارق السيطرة على الشرارة من قوة أمنية ضعيفة تابعة لقبيلتَي الزنتان والتبو اللتين كانتا منهمكتين بالنزاعات بالشمال وفي بلدة أوباري المجاورة ولم تكونا بالتالي قادرتَين على القتال. وهكذا تقدّمت القوات العسكرية المصراتية ونشرت قوات الطوارق - التي تضم عناصر من ليبيا وآخرين عادوا من الحرب في مالي - لحماية حدود الحقل النفطي، إلى أن استعادته قوات الجيش الليبي بزعامة حفتر في 6 فبراير 2019، تتجه نحو السيطرة على حقل القيل المجاور.

من أجل وقف خسائر الغرب في الجنوب، قرر فايز السراج تعيين علي كنيه أمرًا للمنطقة الجنوبية، وينتمي إلى قبيلة الطوارق، وكان قائدًا لفرقة المغاوير بالجيش الليبي خلال حقبة القذافي، كما كلف اللواء أسامة جويلي بتسيير قوة عسكرية من الزنتان لاستعادة حقل الشرارة.

(2)أُنشئت القوة الثالثة في البداية في شكل ائتلاف من الجنود قوامه بصورة أساسية ألوية مصراتية أرسلها رئيس الأركان في حكومة الإنقاذ الوطني في مطلع العام 2015، وكان الهدف ظاهرياً بسط الاستقرار في سبها بعد اندلاع قتال بين الجماعات، وتحديدًا بين أولاد سليمان من ناحيةوالقذاذفة والمقارحة من ناحية ثانية. إلا أن الدافع الأساسي منعقوات حفتر من الوصول إلى الجنوب لإعادة الاستقرار والهدوء، تحديداً للمواقع الإستراتيجيةكالقواعد الجوية، وإحكام سيطرته على الطرق التجارية وخطوط التموين العسكرية من الساحل إلى ميناء مصراتة ومنطقة التجارة الحرة.بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وانسحاب وحدات التبو وأولاد سليمان، تقدّمت القوة الثالثة نحو مواقع أساسية آمنة في سبها، مثل القلعة التي تعود للحقبة الإيطالية، ومقار الشرطة العسكرية، وقاعدة تمنهنت الجوية. وقد وسّعت القوة انتشارها غرباً باتجاه أوباري، لكنها لم تدخلها قط خشية استنزاف خطوط إمداداتها والغرق في مستنقع النزاع. في مرزق ومناطق أبعد بالجنوب، حيث تفرض ألوية التبو، مثل درع الصحراء بإمرة بركة وركدو، وشهداء أم الأرانب بإمرة رمضان لاكي، سيطرتها،احتفظت بوجود استخباراتي.

التعليقات