ايوان ليبيا

الثلاثاء , 21 مايو 2019
ترامب: واشنطن لم تسع لإجراء حوار مع طهران.. والخارجية الإيرانية ترد: "لن تقضي على دولتنا"النائب الأول للرئيس الإيراني: ليس من مصلحة أمريكا التورط في حرب معنافوز الرئيس ويدودو في انتخابات إندونيسياالبحرين تستنكر استهداف مكة وجدة بالسعوديةأبولا البرتغالية: أوليمبياكوس اتخذ قراره.. كوكا يعود للدوري البرتغاليبالصور – روبن وريبري ونصري وكاهيل.. تعرف على أبرز الصفقات المجانيةأوساسونا يعلن عودته الرسمية للدوري الإسباني بشكل مميز عبر تويترسكاي إيطاليا: تشيلسي قرر إقالة ساري وتعيين لامباردبادربورن.. عندما تتأهل للدوري الألماني بعينين سوداوين وفك مكسورسكاي: رغم اهتمام يونايتد وليفربول.. دي ليخت إلى برشلونةحكايات في رمضان - أورتيجا.. "أشعر بالخجل كلما طرأت مشكلة الإدمان"بيان رسمي - باريس سان جيرمان يكشف موقف مبابيانتخابات البرلمان الأوروبي في أرقامالشرطة الفرنسية تخلي برج "إيڤل" بعد محاولة شخص تسلقهإيران تقول إنها لم تعد ملتزمة بكمية "اليورانيوم" المسموح بها وفق الاتفاق النوويمناورة عسكرية جزائرية قرب الحدود الليبيةفرض حظر بحري على موانىء غرب ليبياالمشاركة في إنشاء المنطقة الحرة الإفريقيةرصد مكالمات ل«داعش» تهدد بعمليات ارهابيةتعاون استخباراتي ليبي مع أميركا وبريطانيا وإيطاليا

دراسة سياسية: استقالة المشري من الإخوان /الجزء 2

- كتب   -  
دراسة سياسية: استقالة المشري من الإخوان /الجزء 2
دراسة سياسية: استقالة المشري من الإخوان /الجزء 2

ثانيـًا: وضعيـة الاسـتقالة داخل جماعـة الإخـوان المسـلمين

بقلم د. يوسف شاكير


يتجاوز هذا المستوى الثاني من التحليل، البعد الشخصي الذي اقتصر عليه سابقه الأول، عبر التركيز على الطابع المؤسسي ــ التنظيمي للاستقالة، ما أثارته من لغط أكبر حول مدلولاتها على تماسك الجماعة تنظيميًا وسياسيًا أمام ضغوط خارجية متزايدة سواء من الإقليم العربي ــ المشرقي أو مثيلتها الدولية، وأخرى داخلية مصحوبة بإخفاق وفشل كبير سواء في قيادة المشهد السياسي بعد فبراير 2011 كما حدث في أكثر من بلد عربي مجاور، أو حتى المساهمة الإيجابية في إنهاء أزمة البلد السياسية طوال السنوات الثماني الماضية، مما جعل الجماعة شأن كل الفاعلين الآخرين المتواجدين الآن داخل المشهد الليبي جزء من الأزمة وليس الحل.

والتحليل في هذا المستوى، سوف يدور حول محوريين رئيسيين مثلا معًا البيئة الحاكمة للاستقالة داخل إطارها الأكبر: أولهما، خاصة بوضعية الاستقالة إزاء النماذج المماثلة داخل الجماعة، وهل يمكن أن يدفع الرجل حياته ثمنًا لقراره فك بيعته الأبدية كما يروج البعض لذلك...؟  وثانيهما، متعلقة بتداعيات الاستقالة على الجماعة كتنظيم ومؤسسة، وهل يمكن أن نشهد استقالات مماثلة مستقبلاً بحيث تكون الاستقالة بداية لانهيار مشروع الجماعة في ليبيا...؟

1ــ جـدل فـك البيعـة والاسـتقلاليـة السـياسـية

تعددت الرؤى السياسية في تقويم تلك الاستقالة، وتداعياتها على الرجل نفسه. وانحصرت عمليات الاستدعاء السياسي هنا، حول نموذج وحيد، بدا في استقالة عبد المنعم أبو الفتوح من جماعة الإخوان بمصر، وتشكيله فيما بعد حزبًا سياسيًا ذو مرجعية إسلامية "مصر القوية"خاض به الانتخابات البرلمانية والرئاسة عام 2012. ولكن قبل تقويم هذا الاستدعاء وما بني عليه من استنتاجات سياسية إعادة تأكيد طابع البرجماتية أو التقية السياسية كما يحلو للبعض تصوير الجماعة بها، بوصف ما حدث إعادة تسويق سياسي جديدة للجماعة في صور المشري، يجب أولاً حسم اللغط الذي ثار حول مدلولات فك بيعته لمرشد الإخوان، وتداعيات ذلك على مستقبل الرجل السياسي والمادي بوصفها "بيعة موت" كما يصورها البعض.

فمن الثابت، أن جماعة الإخوان المسلمين، هي بالأصل جماعة دينية دعوية قامت على السرية بسبب ظروف تاريخية معقدة ــ كجماعة مغلقة، أساس الانضمام إليها شأن كل التنظيميات المشابهة يقوم على تقديم بيعة الولاء للمرشد العام في مصر سواء أكانت بشكل كتابي أو منطوق، والبراء من كل ما يخالفها كشخوص وأفكار(4). ما يعني أن الانسلاخ منها بمثابة الردة وحكمها حكم المنكر للجماعة وترك حكمها. وقد ذهب البعض أبعد من ذلك عبر التنبؤ بحتمية تطبيق عقوبة ترك الجماعة القصاص ــ القتل للحفاظ على التنظيم وأسراره. ما أعقبه من استخلاصات بدت في ثنائية تنتمي إلى الهزلية السياسية... أما أن القتل سوف يكون مصيره النهائي إذا كان صادقًا في استقالته وتبرأه من الجماعة، أو يترك ويدعم من الخلف بوصفه إعادة إنتاج للجماعة بشكل وخطاب سياسي جديد، بهدف التمكين السياسي بعد سنوات إخفاق طويلة.

وهنا يجب التفرقة السياسية ــ المفهومية لكونها مسألة محورية في سياق تقويم استقالة المشري، ما بين الجماعة كتنظيم سياسي شبه علني، والتنظيم الحديدي ــ شبه العسكري داخلها، والذي انتهج العنف والاغتيالات السياسية ضد خصوم الجماعة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي داخل مصر، وجرى استنساخه في أكثر من بيئة وبلد خارج مصر. فمع الإقرار الكامل بأن مفاهيم البيعة ليس بها نقض، فإننا يجب أن ندرك أن القصاص قتلاً يكون عقوبة الخروج من صفوف التنظيم الحديدي حتمًا، لكون أسراره هنا خطيرة جدًا لا يجوز إفشائها بسبب طبيعة نشاطه الذي يتسم بالعنف السياسي، بحيث يكون الحفاظ على التنظيم هنا وشبكات عملياته أهم من حياة شخوصه مهما كانت وضعيتهم داخله. أما في السياق الأول ذو النشاط السياسي ــ الاجتماعي، فإن المسألة مختلفة تمامًا من حيث طبيعة التنظيم العلني، ونوعية الاسرار داخله، فهي ليست بالخطورة السابقة. ولذا تتوارى هنا حتمية القصاص ممن ينشق عن التنظيم أو حتى يفشي أسراره.

وهناك العديد من السوابق التاريخية الكاشفة عن مصداقية تلك التفرقة الواجبة، حيث شهدت الجماعة على مستوى التنظيم السياسي، عمليات خروج لرموز تاريخية بالجماعة لم ينته بهم الأمر كما يحلو للبعض أن يذهب إليه بالقصاص كعقوبة ردة وفك البيعة للمرشد والجماعة. والكل يتذكر الانشقاق الكبير الذي قاده الشيخ عبد العال الباقوري عن الجماعة خلال أول صدم سياسي علني بين الإخوان المسلمين والرئيس المصري جمال عبد الناصر بين عامي 1954 ــ 1956، والذي انتهي بحظر أنشطة الجماعة داخل مصر، وتعيينه وزيرًا للأوقاف آنذاك، ثم شيخًا للأزهر الشريف فيما بعد. وإذا ما تم استثناء تلك الحقبة التاريخية بقدمها، وما قد يدعيه البعض من أن النظام الناصري آنذاك قد فرض حمايته السياسية ــ الأمينة على الشيخ الباقوري، ومذكرًا الجماعة بالمعادلة الصفرية النقراشي مقابل البنا رأس برأس (5). فإن هناك أيضًا العديد من الشواهد المماثلة حديثًا، والدالة على مصداقية ما نتحدث عنه.

فالعودة للحقبة التاريخية الأحدث زمنيًا، يُعيد تأكيد تلك التفرقة مجددًا بشكل لا لبس فيه. فقد قاد أبو العلا ماضي أول انشقاق ذو معني داخل الجماعة عام 1996، وأسس فيما بعد حزب "الوسط الجديد" الذي جمع فيه شباب الإخوان الرافضين لسيطرة الشيوخ على مقاليد الأمور داخل الجماعة، ولم يواجه عقاب القصاص الذي يتحدث بها البعض. للأمانة ظل الرجل وفيًا للجماعة حتى في أحلك لحظات أزمته السياسية والبنيوية مع نظام ما بعد 30 يونيه 2013. 

إلا أن الأمر اختلف تمامًا مع حالات الانشقاقات التالية. فعقب خسارته صراع التنافس على منصب المرشد العام الثامن للجماعة لصالح محمد بديع في يناير 2010، قرر النائب الاول للمرشد آنذاك محمد حبيب الاستقالة من الجماعة. ومنذ هذا التوقيت دأب على نشر مقالات يكشف فيها خبايا الإخوان وصراعاتهم الداخلية، وأن ما يتعرضون له الآن من مآسي نتيجة طبيعة لممارساتهم الداخلية التي تتسم بالدكتاتورية وخيانة بقية القوى السياسية التي وقفت معهم بالانتخابات، بل نشر في عام 2015 كتابًا بهذا المعني ولم يتعرض لشيء حتى الآن. وأعقبه انسحاب عضو مكتب الإرشاد عبد المنعم أبو الفتوح واستقالته من الجماعة في مارس 2011، على أرضية عمليات فساد كبرى داخل الجماعة تم التستر عليها دون تحقيقات داخلية. إلا أن الانشقاق الأكبر كان في عام 2012 بانشقاق كل من ثروت الخرباوي وكمال الهلباوي وآخرين بسبب قرار الإخوان العدول عن عدم الترشح للانتخابات الرئاسية في مصر، والدفع بنائب المرشد خيرت الشاطر لخوض تلك الانتخابات (6)، وكلاهما بات من أشد منتقدي الجماعة إعلاميًا وسياسيًا بشكل غير مسبوق، ولهما العديد من المؤلفات التي تنتقد الإخوان بشكل يفوق من سبقهما.

ولذا فإن الاحتكام للقصاص من المشري من عدمه، ليس حجة أو ذريعة مادية قوية للحكم عليه بالتقية السياسية من عدمها، إنما استمراره في حزب التنمية والبناء، المؤشر الحاكم هنا. فالرجل تنصل وفك عرى بيعته وعضوية جماعة دعوية دينية، ولكنه استمر في التنظيم السياسي المُعبر عنها بوصفه أحد مؤسسيه. فإذا كان البعض يعتقد أن فض عرى الارتباط العقائدي بالجماعة مسألة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة الحدوث، فحدوثها ممكن من دون خسائر تذكر. والمشاهد التي ذكرت كانت كاشفة على إمكانية وسهولة ذلك.

نأتي للنقطة الثانية بهذا المحدد الأول،تلك المتعلقة بمحاولة وضع الاستقالة في أحد سياقات المشاهد السابقة، وتحديدًا نموذج أبو الفتوح الذي شاع في كل الكتابات الليبية والعربية عن الاستقالة. والفكرة الأساسية في تلك الكتابات، أن ما حدث بمثابة تقاسم أدوار وظيفية بين المشري والجماعة، في خبرة سابقة لجأ إليها الإخوان بمصر قبل الانتخابات الرئاسية عام 2012 عندما دفعوا بعبد المنعم أبو الفتوح للانشقاق عن الجماعة وتأسيس حزبه الجديد معتمدًا على عناصر إخوانية أخذهم من التنظيم، لكي يتسلموا الحكم والمعارضة في ذات الوقت بتوافق ضمني، ويحكموا سيطرتهم على المشهد السياسي بعد ثورة يناير، وتنحية كافة القوى المدنية المنافسة من ساحة المشهد نحو الهوامش.

يتسم هذا القياس بين الحالتين المشري ــ أبو الفتوح، بقدر عال من السذاجة السياسية، من ناحية وعدم الإدراك أو المعرفة السياسية بحالة أبو الفتوح في مصر من ناحية أخرى. فالرجل أن ظل محافظًا على علاقته بالتنظيم الدولي للإخوان، فإن علاقاته الوظيفية مع التنظيم في مصر كانت شبه مقطوعة على مستويي الشخوص والتنظيم، بل في مراحل محددة حارب التنظيم أبو الفتوح وحزبه انتخابيًا سواء في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية. إذ كانت هناك أوامر صارمة من المرشد ونائبيه الشاطر وعزت سواء بمنع التصويت له، أو حتى مشاركة مؤيديه في أي فاعليات سياسية، وبدى من الأمر كأنه أقرب لحالة حرب حقيقية بين الطرفين. أضف لذلك أن أبو الفتوح نفسه كان من أبرز معارضي حكم الإخوان في أخر شهور حكمهم لمصر، ومن أشدي منتقدي الرئيس محمد مرسي قبل 30 يونيه 2013. ولذا فإن القياس هنا ليس له محل أو حتى يكتسب مصداقية سياسية لها أسانيدها القوية. ولذا يمكن اعتباره نوع من اللغو السياسي ــ الإعلامي.

أما أقرب حالة تشابه مع وضعية المشري، حالة الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي. فقد كانت هناك معضلة كبيرة أمام إعادة انتخابه في جولة الإعادة بالانتخابات الرئاسية أمام مرشح الدولة العميقة أحمد شفيق أخر رئيس وزراء في مصر بعهد مبارك، تتمثل في شكوك العديد القوى المدنية والثورية في قدرته على ممارسة الاستقلالية السياسية بعيدًا عن جماعة الإخوان بسبب البيعة للمرشد. إذ اعتبر الكثير أن الحاكم الفعلي لمصر حال انتخاب مرسي، سوف يكون المرشد محمد بديع أو بالأحرى نائبه خيرت الشاطر، بالإضافة لمكتب الإرشاد، فيما سيكون مرسي مجرد واجهة للجماعة في حكم مصر. من أجل تجاوز تلك المعضلة حله المرشد محمد بديع من بيعته للجماعة، في مشهد علني ــ إعلامي قبل تلك الانتخابات مباشرة، ما ساهم في حشد القوى المعارضة للدولة العميقة ورائه في الانتخابات ونجاحه فيها ضد مرشح قوى مثل شفيق.

رغم فك البيعة العلني، إلا أن مرسي استمر في قيادة حزب العدالة والتنمية الذراع السياسية للجماعة، ومن دون فك عرى الارتباط الوظيفي ما بين الجماعة والحزب، فقد شهدت سنة حكمه الوحيدة تدخل متزايد من جانب الجماعة في شئون الحكم بكافة أطيافها السياسية والاقتصادية والأمنية بما فيها عملية بناء التحالفات الخارجية بالمنطقة وخارجها، وتحققت تدريجيًا هواجس الكثير من المصريين، بإن عملية صنع القرار تتم داخل مكتب الإرشاد وليس في القصر الرئاسي. صحيح أن هناك العديد من المحددات الموضوعية التي دفعته دفعًا للاحتماء تحت مظلة الجماعة وحصار القوى السياسية له، إلا أنه من الثابت أيضًا أن ممارسات جماعة الإخوان وتداخلها في الرئاسة وقراراته كانت سببًا أكبر في تفسير حالة العداء لمرسي.  

ومن ثم، من دون فك عرى الارتباط الوظيفي ما بين إخوان ليبيا وحزب العدالة والبناء، عبر الفصل ما بين المجال الدعوي الديني، ومثيله السياسي، كما فعل أخوان تونس والمغرب، فإن أي حديث عن الاستقلالية السياسية للرجل سوف تكون موضع شك كبير مستقبلاً، في ضوء تجارب سابقة لشخوص الجماعة. 

2ــ انشـقاق فردي أم تفكـك تنظيمي للجماعـة ونهايـة مشـروعها السـياسي

ثمة تساؤل كبير، يُعتقد أنه لم يدور في ذهن الكثير رغم بداهته السياسية، ذلك المتعلق بقابلية البيئة الليبية لاستيعاب وتمكين جماعة الإخوان المسلمين بشكل عام، وجماعات التشدد والعنف الديني بشكل خاص...؟! الباعث على إثارة هذا التساؤل، هدفه قياس وتقدير ثقل حضور الجماعة داخل ليبيا، مقارنة مع أقرانها في دول الجوار الجغرافي، سواء في المدي الآني ــ الحالي أو مثيله المستقبلي.

يُغلب على المجتمع الليبي منذ القدم، سمات حاكمة لتفاعلاته البينية تستمد روافدها من النزعة الصوفية الكبيرة، والمقترنة بنزعة قبائلية تعادلها في القوة والتأثير، وكلاهما لا يًعد مطلاقًا بيئة حاضنة للفكر الإخواني. وأبرز دليل على ذلك أن الخيار الديموقراطي الليبي بعد فبراير 2011 في مشهديه، لم يبرز ثقل إخواني كبير، بل على العكس كان حضور التيارات المدنية أقوى في مشهدي الاستحقاقات الانتخابية السابقة. ولذا من الصعب الحديث عن مشروع إخواني داخل ليبيا، كما هو الحال مع بلدان أخرى مثل مصر وتونس، يمكن أن يتداعى ويسقط بحدوث موجة انشقاقات كبيرة داخل الجماعة، تعقب استقالة المشري.

أضف لذلك أن ممارسات الجماعة بعد فبراير، مثلت تحدي وصدام ثقافي ومجتمعي مع موروث المجتمع الليبي الكبير من التسامح وقبول الآخر، صحيح أن جميع الفاعلين مارس تلك النزعة التسلطية من دون استثناء، فقد كان من المفترض من الجماعة قياسًا لغيرها، أن تعلو وتسمو بالتيارات الدينية بما لديها من روافد ومرجعية إسلامية وتدعو للوفاق والتسامح ونبذ الخلافات، على هذا الواقع وتقدم بديل جاذب ومستقطب لليبيين من كافة أطيافهم السياسية والمجتمعية، إلا أن ذلك لم يحدث للآسف الشديد. إذ فشلت الجماعة طوال السنوات الثماني الماضية الخروج من عباءة العمل السري وهيمنة النزعة المسلحة على تفاعلاتها، بالتزامن مع افتقادها القدرة على تقديم بدليل حضاري أو خيار سياسي له مصداقيته للخروج من الأزمة الليبية. ويدلل على مصداقية ما نتحدث عنه، أن كافة المناطق التي سيطرت عليها الجماعة، باتت بيئة حاضنة للإرهاب والجماعات المتشددة دينيًا، وانتشار ثقافة العنف والاغتيالات، بل وممارسة الاقصاء السياسي للمخالفين.

وقد أعادت مضامين خطاب استقالة المشري التأكيد على تلك السمات الحاكمة مجتمعة، بوصفها روافد أزمته سواء مع الإخوان أو الجماعة نفسها داخل البيئة الليبية. فحديث الرجل عن شيوع الغلو والتطرف والعنف وثقافة الكراهية أبعد الليبيين كثيرًا عن وسيطة الإسلام، وهدم جدر ولحّمة التماسك الاجتماعي، واتهم الجماعة صراحة وضمنًا بكونها لم تستطيع أن تعلو على ثقافة العنف التي سادت البيئة السياسية بعد فبراير، وفشلت في إعادة إنتاج تقاليد وعادات المجتمع الليبي التي تتسم بالتسامح والعفو والصفح، برفضها تنفيذ المراجعات الفكرية التي قامت بها سواء الجماعة داخل ليبيا أو مستفيدة من تجارب دول الجوار. والمقاربات التي عقدها المشري ما بين ما كانت عليه الجماعة في السابق، وما أصبحت عليه اليوم من تشدد وانعدام للوسيطة والتسامح وشيوع العمل السري ــ المسلح، أرد بها إيصال رسالة واضحة لليبيين أن خلافاته مع الجماعة واستقالته، أتت بناء على قناعات فكرية وليس خلافات سياسية، أو تقاسم أدوار ما يشيع البعض.        

إلا أن الاستقالة ليست بداية تفكك الجماعة داخل ليبيا، كما حدث مع إخوان الأردن على سبيل المثال، حينما خرجت "مبادرة زمزم" من رحم الجماعة وحزبها "جبهة العمل الإسلامي" قبل خمس سنوات، وشكلت تيار سياسي جديد داخل المشهد السياسي الأردني. إلا أن هذا لا ينفي وجود انقسامات حادة داخل الجماعة الليبية شأن كل جماعات الإخوان في البلدان العربية بما فيهم الجماعة الأم في مصر، وذلك على أرضية العديد المحددات التي يأتي في مقدمتها: أما الجدل بشأن إجراء مراجعات فكرية لممارسات وعمل الجماعة بعد ثورات الربيع العربي، وما شابها من قصور من عدمه... أو تطبيق بنود تلك المراجعات أن تمت بالفعل، من أجل إعادة رسم خارطة طريق وخروج أمن من أعنف أزمة بنيوية تواجهها الجماعات داخل البيئة العربية، منذ أزمة الصدام الثاني مع عبد الناصر في منتصف ستينيات القرن الماضي. 

في حالة الجماعة الليبية، فإن استقالة المشري وما يمكن أن يعقبها من استقالات تالية محتملة أو حتى غير محتملة، تستمد روافدها الأساسية من نوعين التجاذب والجدل المميز والحاكم للبيئة الليبية دون سواها في بيئات أخرى:

أولهمــا: المرجعية الحهوية ــ المناطقية. وفي سياقات تلك المرجعية الحاكمة للمشهد الليبي، يبدو الصراع محتدمًا ما بين إخوان المنطقة الشرقية الأقرب تأثرًا للتنظيم الأم في مصر، حيث يغلب عليهم النزعة المتشددة ورفض تطبيق اي مراجعات أو إصلاحات داخل الجماعة، بالإضافة للتمتع بخيرات قتالية وعسكرية متقدمة، ومن أبرز رموزها الكبتي والبنائي. أما في الغرب حيث أصحاب المال والسلطة فهم أقل تشددًا يتذمرون من هيمنة عسكرة الجماعة وتحالفاته مع جماعات العنف الديني بالمنطقة الشرقية وتحديدًا في درنة وطبرق، ويبحثون عن مخرج سياسي آمن يحميهم من موجة الرفض والتجريم اللتين تتعرض لهما الجماعة الآن.

ولذا فإن المشري شأنه شأن عبد الرزاق العراوي وغيرهما سلكوا نهجًا إصلاحيًا منفتحًا على درب حركة النهضة التونسية، التي بات مسلكها في فصل الجماعة عن الحزب نموذجًا لحركات الإخوان في المغرب وموريتانيا، في منحي مختلف تمامًا عن إخوان المشرق العربي.   

ثانيهمــا: المرجعية العقائدية لنهج الجماعة سواء الداخلي أو في علاقاتها مع مجتمعاتها المحلية.  بالرغم من كون إخوان ليبيا كانوا الأسبق في تلك المراجعات مستفيدين من التغييرات الراديكالية التي عصفت بالمنطقة بعد ثورات الربيع العربي، إلا أن الصراع ما بين المتشددين داخل الجماعة والإصلاحيين، قوض وأفشل تطبيق تلك المراجعات. وهنا انصب الجدل بين الطرفين حول تطبيق المراجعات الفكرية التي أقدمت عليها الجماعة أولاً في نوفمبر 2011 حينما تم التوافق على حصر نشاط الجماعة بالجانب الدعوى والخيري، وإنهاء ظاهرة العمل السري الحاكم لأنشطتها، عبر تسجيل الجماعة كجمعية خيرية مرخصة. ثم تاليًا مراجعات عام 2015 التي تخص العمل العلني للجماعة، وإنهاء وجود جماعة الإخوان ذاتها بعد التحول للعمل المؤسسي سواء المدني ــ الأهلي، أو السياسي ــ الحزبي.

وهنا عاد الجدل المناطقي مرة أخرى بين الشرق والغرب لتقويض تطبيق تلك المراجعات، بسبب رفض مفكر الجماعة ورجها القوى الشيخ علي الصلابي التخلي عن العمل السري والمسلح، والتحول للعمل المؤسسي بشقيه الدعوى والحزبي. وبدا أن هناك تيارين داخل الجماعة يتصارعان ليس على النفوذ والسلطة داخل الجماعة فحسب، وإنما أيضًا إعادة توجيه مسارها المستقبلي تحت وقع الأزمة الكبيرة التي تعايشها، فهناك تيار الصلابي المتشدد الذي يرى أن الوقت غير مواتي لتطبيق تلك المراجعات بسبب طبيعة الأزمة التي تمر بها الجماعة الآن، في حين يرى المشري وتياره الإصلاحي، أن هذا التوقيت أفضل مناسبة لتنفيذ تلك المراجعات وإعادة بناء وتوجيه مسار الجماعة(6).

وفي النهاية، فإن ما حدث داخل إخوان ليبيا، يمثل حالة جديدة داخل تيار جماعة الإخوان المسلمين. إذ امتزج الصراع داخلها بمحددات ثلاثة اكسبتها خصوصيتها الكبيرة: أولهـا: شخصي، في رغبة الرجل كشف خلافاته المتزايدة مع رموز وصقور الجماعة الرافضين لتطبيق المراجعات الفكرية التي تم التوافق عليها من أجل إعادة توجيه مسار عمل الجماعة داخل البيئة الليبية، ونقلها للعلن. وهو بهذا السياق لا يبدو حالة فريدة داخل الجماعة، إذ سبقه العديد من الرموز السياسية داخل الجماعة الأم بمصر، إلا أن خصوصية المشري تكمن في إعادته تغليف طموحاته الشخصية بدوافع تنطلق من المبادئ والحرص على صالح المواطن الليبي، الذي فقد الثقة في الطبقة السياسية وخياراتها.

أما ثانيها، فهو يكمن في تأثير الجهوية ــ المناطقية على تيار إخوان ليبيا، وتنازعه ما بين التنظيم الأم بالمشرق الذي يغلب عليه نزعة التشدد ورفض اي مراجعات تحدث تحت وقع الأزمة التي يعانيها التنظيم، بما فيها المصالحة مع النظام المصري، والفروع بمنطقة المغرب التي كانت أكثر وعيًا بصعوبات المرحلة، فأقدمت على مراجعات شاملة في نهج عملها وعلاقاتها مع بقية شرائح وأطياف مجتمعاتها الداخلية، وفي مقدمتها الفصل التام ما بين الجانب الدعوى عن مثيله السياسي. مصحوبًا بأزمة مجتمعية غاية بالخطورة تعانيها جميع الفواعل الرئيسة داخل المشهد الليبي من تآكل في المشروعية السياسية، وفقدان الثقة والأهم أنهم من دون استثناء باتوا جزء من الأزمة وليس الحل. وهذا العجز بالحالة الليبية يبدو لا إرادي وغير خاضع للسيطرة التامة، اي أنه مسير ذاتيًا بعكس الحالة الأم في مصر، التي يبدو فيها الأمر مقصود لذاته.

وأخيرًا، التأثيرات المتزايدة من دول الجوار والغربيين داخل الشأن الليبي من أجل دعم بعض الفاعلين السياسيين على حساب الآخرين. فالتحالف المصري ــ الإماراتي ألقى بكل ثقله وراء سلطة الأمر الواقع بالمنطقة الشرقية، وبدعم من فرنسا نجحت تلك السلطة في توسيع نفوذها السياسي ــ المكاني خارج تلك المنطقة إلى منطقة الجنوب من أجل استعادة السيطرة الأمنية ــ السياسية، والاقتصادية ــ الاجتماعية عليها لتلبية حاجات خارجية وداخلية في ذات الوقت. إذ بدأت فور تسلم المقار الحكومية الإدارية والعسكرية بالجنوب، قوات الجيش الليبي في توزيع الأموال القادمة من مصرف ليبيا المركزي والتي استقدمت بطائرة خاصة يوم 30 يناير على القبائل والمواطنين عبر المصارف التجارية بالمنطقة. إلا أن الأهم هنا، مساعي الجيش الليبي بزعامة خليفة حفتر من أجل احتواء نفوذ وسيطرة حكومة الوفاق الوطني المدعومة من جماعة الإخوان المسلمين، والضغط عليها أما سياسيًا أو عسكريًا، في اي استحقاقات مستقبلية، فمثل هذه الوضعية الجديدة لسلطة بنغازي سوف تسمح لها تلقائيًا بتطويق وحصار طرابلس ومصراتة مما يضعها في موقف أقوى(7). وهنا في تحرر الرجل وفك بيعته للإخوان ربما يساعده في بناء تحالفات جديدة تجاه هذا الائتلاف بعدما بات الطرف الإيطالي الداعم الرئيس للجماعة في موقف ضعيف داخل المعادلة الليبية.               

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


(4)نص البيعة يقول..."أأعاهد الله على أن أضع نفسي تحت تصرف المرشد وقيادة الجماعة سامعًا مطيعًا لأوامرهما في العسر واليسر والمنشط والمكره، معاهدًا على الكتمان وعلى بذل الدم والمال، فإن خنت العهد أو افشيت السر فسوف يؤدي ذلك إلى إخلاء سبيل الجماعة مني، ويكون ما وراء ذلك جهنم وبئس المصير".    

(5)تأسست تلك المعادلة الخطيرة على أساس رأس برأس، فقيام الحرس الحديدي التابع لجماعة الإخوان باغتيال رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي في 28 ديسمبر 1948 بسط يد الملك فاروق والنظام السياسي في تدبير عملية اغتيال المرشد الاول للجماعة ومؤسسها الشيخ حسن البنا في 12 فبراير 1949.  

(6) رفضت اللجنة القضائية ــ الانتخابية أوراق ترشيحه للانتخابات مع نائب الرئيس عمر سليمان، فقررت جماعة الإخوان الدفع بمرشحها الاحتياطي محمد مرسي للانتخابات، والتي فاز بها في يونيه 2012.

(6)ومثل هذا الخلاف ليس سرًا، وإنما عبر عنه المشري صراحة في حديثة لفرانس 24 السابق ذكره، وعندما قال إنه والصلابي ليسا على وافق تام أو حتى توافق سياسي داخل الجماعة وخارجها، وبسبب حدة وطبيعة الخلافات الكبيرة بينهما والتي بات من الصعب تضيق فجوة الخلافات.وفي هذا الحوار نفي المشري صراحة أنه يدعم تيار المتشددين داخل الجماعة بأي شكل كان، كما كان يروج لذلك خلال انتخابات مجلس الدولة. وأتت استقالته لتعييد تأكيد مساحة الخلافات الواسعة بين الرجلين.

(7)أدراك الجميع في المنطقة الغربية حقيقة دوافع حفتر، ولذا لم يكن من الغريب أن يصدر المشري رسالة مكتوبة لرئيس حكومة الوفاق فايز السراج نشرت على موقع مجلس الدولة في فيسبوك يوم 28 يناير الماضي، يطالبه فيها بالتدخل العسكري في الجنوب لمواجهة حفتر وتعيين قائد عسكري للقوات الموالية لسلطة طرابلس تمهيدًا لعمل عسكري لاحق في مناطق جنوب الغرب قبل سيطرة حفتر عليها لاحقًا.

ومن المثير هنا أنه بعد يومين فقط من هذا البيان، أعلن المجلس الاجتماعي لقبائل أولاد صقر بمدينة الزاوية معقل المشري، دعمه لقوات حفتر وسلطة بنغازي وأثني على قرار تحرير الجنوب عسكريًا من عصابات الإرهاب والجريمة المنظمة، وأكد في بيانه يوم 30 يناير دعمه للمؤسسة العسكرية الليبية.    

التعليقات