ايوان ليبيا

السبت , 23 مارس 2019
تذكير صلاح بأيام المقاولون وإبراهيموفيتش مدافع.. كيف احتفلت فيفا بعيد ميلادها العاشر؟مورينيو يحدد موعد عودته للتدريب.. ويكشف: رفضت 4 عروضساوثجيت ينهال بالمديح على سترلينج: قائد وقدوةلاعب ليفربول السابق: تراجع صلاح عوضه آخرونبيان مجلس النواب والإصرار على الخروج من الباب الصغير.. لا تهدروا فرصة المغادرة بكرامة"الحزام والطريق" تضع مصر في مقدمة شركاء الصين بمشروعات الطاقة الجديدة والمتجددةانفجاران كبيران يهزان العاصمة الصوماليةوزير خارجية الصين: مبادرة "الحزام والطريق" ليست استعمارا جديدا للقارة الإفريقية | صوردراسة : عملية الجنوب غيرت ميزان القوى في ليبياايقاف منح التراخيص لتنظيم المظاهرات والإعتصاماتليبيا تطالب بإعادة ثروات الدول المهربةتسجيل العمالة الوافدة في مراكز الشرطةكتيبة للجيش الليبي تنطلق الى حدود تشادتشكيل غرفة أمنية لمواجهة الأحداث الطارئةبومبيو: الرب أرسل ترامب لحماية إسرائيل من إيرانفصل مصور كيم الخاص من عمله لـ"مساسه بهيبة الزعيم"رئيسة وزراء نيوزيلندا تتلقى تهديدات بالقتل عبر "تويتر".. ومستخدمون يدعون الموقع للتحركرئيس كازاخستان يوقع مرسوما بتغيير اسم العاصمة "أستانا" إلى "نور سلطان"لاسارتي: تأثرت بشدة مما فعله جريزمان معي بعد 20 دقيقة من تتويجه بكأس العالمبعد سحق الأرجنتين.. مدرب فنزويلا يستقيل بسبب "تسييس المنتخب"

دراسة سياسية: استقالة المشري من الإخوان /الجزء 1

- كتب   -  
دراسة سياسية: استقالة المشري من الإخوان  /الجزء 1
دراسة سياسية: استقالة المشري من الإخوان /الجزء 1

استقالة المشري من جماعة الإخوان المسلمين

محاولة للاستفادة من خبرات دول الجوار... أم قفز فوق واقع الانقسام الليبي

بقلم د. يوسف شاكير

إزاء عدم وجود أسئلة كبرى تشغل بال الليبيين حول هوية ومستقبل الدولة، وشكل وطبيعة العلاقة المأمولة بين مكونات وأطياف مجتمعهم المحلي، يكون من طبائع الأمور الانشغال بهوامش الأحداث والتطورات التي تطرأ من آن لآخر على مسرح المشهد الداخلي بكافة تنويعاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، بحيث تتصدر حلقات النقاش العام وتكون محورًا رئيسًا للاستقطاب السياسي والإعلامي، بل حتى الاجتماعي في أحيان كثيرة.

ومن أبرز تلك الشواغل ما حدث يوم 26 يناير 2019، حينما قدم رئيس مجلس الدولة خالد المشري استقالة علانية ــ إعلامية من عضوية جماعة الإخوان المسلمين ــ الفرع الليبي، ثم بيانه التالي بعد 4 أيام فقط وأدان فيه عمليات الجيش الليبي في الجنوب، ومحاولة سلطة بنغازي إعادة فرض وبسط سيطرتها على إحدى مناطق الجغرافيا السياسية الليبية، التي عانت من قدر غير مسبوق من الإهمال والتهميش من قبل الطبقة السياسية بعد 17 فبراير 2011، وخرجت في العام التالي 2012 عن نطاق السيطرة والسيادة الرسمية الليبية. وباتت المنطقة بعد هذا التوقيت السياسي الصعب في تاريخ ليبيا ملجأ وحاضنة أمنية وسياسية ليس لجماعات العنف الديني بالمنطقة مثل القاعدة وتنظيم الدولة "داعش" فحسب، وإنما أيضًا جماعات التمرد السياسي والعسكري القادمة من دول الجوار الجيو ــ سياسي وتحديدًا من السودان وتشاد.

إذ استحوذ هذان المتغيران، وتحديدًا الأول على حيز لا بأس به من الاهتمام والانشغال السياسي والاجتماعي داخل ليبيا وخارجها. انحصر فيه الجدل والنقاش العام، ما بين مُرحب بالقرار بوصفه نتاج طبيعي للنهج الإصلاحي الذي يقوده المشري داخل الجماعة في مواجهة تيار المتشددين، وآخر رافض له بوصفه تعبير عن برجماتية سياسية جديدة سواء من المشري نفسه أو جماعة الإخوان، ومحاولة استنساخ لنماذج مماثلة داخل الحركة الام بمصر، بهدف إعادة تأهيل الرجل، وتسويقه إعلاميًا وسياسيًا انتظارًا لاستحقاقات سياسية قادمة. وبينهما تيار ثالث ذهب أبعد بالحديث عن حدوث انشقاق خطير داخل الجماعة، ينذر بتداعي وتراجع دورها السياسي داخل المشهد الليبي، منذرًا بحدوث انشقاقات تالية داخل الجماعة، فيما ذهب تيار أخير أبعد من ذلك كثيرًا، بوصف ما حدث بكونه مؤامرة إخوانية كبيرة شاركت فيها جميع تنظيمات الإخوان بالمنطقة، من أجل إعادة ترتيب أوراق الجماعة في ليبيا من جديد للقفز على الثروة والسلطة، فعادة بعث الحياة للجماعة التي تعاني من أزمة وجودية بسبب صداماتها المتكررة مع النظام الرسمي العربي.   

وإذا كان المتغير الثاني، أتى تعبيرًا عن مناكفة سياسية بين سلطتي طرابلس وبنغازي، ومساعي كل طرف بعد تداعي مشروعيته السياسية، تعظيم سلطة الامر الواقع التي يتمتع بها، ويمارسها بنوع من الغرور السياسي، عبر توسيع حيز نفوذه على الارض والسكان والموارد من أجل أن ترجمتها سياسيًا في اي مصالحة أو حوار سياسي قادم، فإن المتغير الأول يجب وضعه في سياقه الطبيعي، وإعادة قراءته قراءة موضوعية تتسم بالواقعية ووضع النقاط فوق الحروف بسبب جدية هذا المتغير، ما أثاره من لغط كبير اختلط فيه الهزل بالجد، ومازال داخل ليبيا وخارجها، وتحديدًا من جانب المهتمين بشأن جماعات الإسلام السياسي، ومستقبلها داخل المنطقة، سواء على مستوى الشخوص والتنظيم، وأبعاد ما يثار عن حدوث مراجعات فكرية واسعة بعد تجربة مريرة للجماعة داخل العديد من بلدان المنطقة العربية. 

أولاً: تحليـل مضـامـين خطـاب الاسـتقالة

لا أحد ينكر وقع المفاجأة الكبيرة، التي حملتها الاستقالة التي قدمها المشري من عضويته جماعة الإخوان المسلمين عبر حسابه الشخصي على فيسبوك. فالرجل الذي ثار حوله الكثير من الجدل السياسي منذ اعتلائه رئاسة المجلس الأعلى للدولة في إبريل الماضي، حول هويته السياسية وحدود انتمائه التنظيمي للجماعة، وحسمها هو نفسه باعترافه بهويته الإخوانية قبل توقيت الاستقالة، وبعد شهر واحد من توليه رئاسة مجلس الدولة (1).

إلا أن تجاوز تلك المفاجأة، يستلزم الوقوف على محددين رئيسيين مثلا معًا بيئة حاكمة، يمكن من خلالها وضع تلك الاستقالة في سياقها الموضوعي: الاول، متعلق بالتوقيت الزمني للاستقالة، ولماذا أتت في هذا التوقيت تحديدًا ليس قبل أو بعد، ومثل دوافع حقيقية لها. أما المحدد الآخر فهو خاص بتحليل خطاب الاستقالة نفسه، ما به من رموز ومضامين بل ومدلولات سياسية وعقائدية، مثلت رسائل سياسية أراد بها المشري إعادة تسويق نفسه داخل وخارج ليبيا.

فيما يتعلق بتوقيت الاستقالة، فإن هناك متغيرين أساسيين يجب أخذهما في الاعتبار، حال تقويم هذا التوقيت:

أولهمــا: قرب انتهاء الفترة الرئاسية للمشري، فقد تولى رئاسة المجلس الأعلى للدولة الليبية في 4 إبريل عام 2018،ويُعد المجلس أحد مخرجات تفاهم الصخيرات 2015، بعدما حصل في جولة الإعادة الثانية على تأييد 64 صوتًا من أصل 109، لولاية واحدة مدتها عام فقط، سوف تنتهي في إبريل القادم، اي بعد شهرين فقط من الآن(2).

ومن ثم يريد الرجل إيجاد موطئ قدم له جديدة داخل العملية السياسية، بوصفه شخصية عابرة للتيارات الفكرية المتناحرة داخل المشهد الليبي، والتي تآكلت مشروعيتها السياسية قبل الأديبة في ذهن الليبيين، وباتت جزء من الأزمة الراهنة. ولذا فإن مبادرته بالاتصال برئيس مجلس النواب عقيلة صالح عقب تل الاستقالة للتباحث معه في قضايا مثل المصالحة الوطنية والتوافق على شغل العديد من المناسب داخل الدولة الشاغلة، تندرج ضمن نهج عامل لتسويق السياسي ــ الإعلامي للرجل. فمواقفه السياسية قبل هذا التوقيت تصب في إظهار العداء العلني للسلطة الامر الواقع بالشرق الليبي، وعدم الاعتراف بمؤسسات المنطقة الشرقية كبرلمان وحكومة وجيش، بل كانت له اتهامات صريحة لتلك المؤسسات بعرقلة الوفاق الوطني.

ثانيهمـا: الملاحقات القانونية والسياسية التي تتم لأنصار التيار الإسلامي بشكل عام وفي مقدمتهم جماعة الإخوان نفسها. فقد صدرت العديد من القرارات القضائية من جانب النائب العام الليبي جمدت بموجبها العديد من الحسابات البنكية وأرصدة شخصيات بارزة داخل الجماعة، وقبل أسابيع قليلة، أصدر النائب العام قرار إيقاف بحق عبد الحكيم بلحاج.

بالتزامن مع مساعي حالية داخل مجلس النواب ــ شرق ليبيا، لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين الليبية كجماعة إرهابية محظورة، أسوة بالجوار الشرقي ليبيا وتحديدا دول الرباعية العربية: مصر والسعودية والإمارات العربية والبحرين، التي حظرت الجماعة بوصفها جماعة إرهابية وصادرت أموالها كتنظيم وشخوص. وأعتبر مقدمي الاقتراح أن دعم جماعة الإخوان للإرهاب ماليًا وإعلاميًا وسياسيًا، بات واضحًا في الآونة الأخيرة داخل المنطقة الشرقية، كما أنه متجذر في أدبيات وفكر وسلوك الجماعة منذ نشأتها الأولي، كما أعادوا تذكير الليبيين بالانقلاب الذي قاموا به على الشرعية عام 2014 عندما خسروا الخيار الديموقراطي عبر صناديق الانتخاب بهذا العام، واشعلوا حرب مليشيات ضمن عملية فجر ليبيا في طرابلس والمنطقة الغربية، عمقت من حدة الانقسام بين شرق ليبيا وغربها، كما ساهم هذا التناحر المنطقي في إهمال الجنوب الذي بات حاضنة أمنية ومكانية بل سياسية للعديد من الجماعات المتطرفة والمتمردة.

وبين هذين المحددين، وجود قناعة لدى العديد من القوى السياسية والقبلية بكون الجماعة متهمة أكثر من غيرها بكونها إحدى القوى المُعرقلة لعملية إعادة بناء الدولة الليبية، وإعادة توحيد مناطق الجغرافيا الليبية الثلاثة: الشرق والغرب والجنوب، بالإضافة لمعارضتها أي حل سياسي ينهي حالة الانقسام والتفسخ الحادثة حاليًا داخل المشهد الليبي. وأن الدعم الذي تلقاه الجماعة من دول مثل تركيا وقطر، ساهم في تعميق الأزمة الليبية.  

أما فيما يتعلق بمضامين ومدلولات الاستقالة، فإن هناك العديد من الأسئلة حول الآلية التي تمت بها، ثم تاليًا ما حملته من مضامين ومدلولات مقصودة، ثم أخيرًا نوعية الرسائل التي أراد بها المشري الوصول بها إلى عقل ومشاعر المواطن الليبي، الذي يثقل كاهله عبء شيوع الفوضى الأمنية، وعدم الاستقرار السياسي ــ الاقتصادي، المصحوب بتداعي اجتماعي ــ سكاني غير مسبوق، أدى لتفسخ مكونات المجتمع، والفشل رغم مرور ثماني سنوات على أحداث فبراير 2011، في إنهاء المرحلة الانتقالية وبناء دولة قادرة على تلبية احتياجاته ليست الأساسية لمعيشته اليومية فحسب، وإنما الأهم أيضًا احتياجاته السياسية والاجتماعية والتنموية.

فاختيار منصة إعلامية جماهيرية مثل فيسبوك لتقديم استقالته من الجماعة يوم 26 يناير الماضي عبر تسجيل مصور نشره على حسابه أولاً، ثم إعادة نشره تاليًا قناة ليبيا بانوراما في نفس اليوم، وفك البيعة التي التي أعلنها من قبل للمرشد الرابع للجماعة الآم بمصر المستشار حامد أبو النصر بالقاهرة خلال حقبة منتصف التسعينيات من القرن الماضي (3)، استهداف إيصال العديد من الرسائل السياسية للداخل والخارج في آن واحد، في مقدمتها:

1ــ تسويق نفسه إعلاميًا وسياسيًا بعيدًا عن جماعة الإخوان المسلمينالتي باتت جزءًا مع آخرين بالتأكيد من استمرارأزمات ليبيا السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، فهم جميعًا قوى سياسية فقدت مشروعيتها وباتت تبحث عن أخرى جديدة لدي الليبيين تحت العديد من الذرائع.

إذ كان يكفي الرجل أن يحل نفسه من البيعة باستقالة مكتوبة سواء للفرع الليبي من الجماعة أو التنظيم الأم بمصر، إلا التسويق اقتضى تلك الإطالة الإعلامية، والتي يمكن تبريره بالعديد من الحجج التي يمكن أن تساق كذرائع للتبرير الموضوعي لتلك الإطالة، وفي مقدمتها أن مرشد عام الجماعة الدكتور محمد بديع يقبع الآن في السجون المصرية تحت طائلة العديد من الجرائم والتهم الجنائية  والسياسية، ومن ثم فهو في عرف الجماعة أسير، مع نائبه الأول خيرت الشاطر، أما نائبه الثاني محمود عزت فهو مختبئ خارج مصر ما بين تركيا وبريطانيا. كما أن مكنب الإرشاد وأعضائه هم الآن ما بين السجون والشتات خارج مصر. أما رئيس الجماعة داخل ليبيا علي الصليبي، فهما على خلاف فكري وتنظيمي متزايد، وباتت الهوة التي تفصلهما أكبر من القدرة على الاحتواء السياسي أو التنظيمي، تعتبر هوة الخلاف تلك أحد الروافد المباشرة للاستقالة التي قدمها المشري من عضوية الجماعة.

2ــ الرجل يريد تصوير نفسه بكونه شخصية عابرة للتنظيمات والأفكار والمؤسسات، بحيث يمكن أن يجتمع تحت مظلته الوطنية الجديدة مؤسسات وشخوص المجتمع بكافة أطيافه وشرائحه التي تبحث عن مخرج ومسار جديد للأزمة. فالتحرر العقائدي والمؤسسي من التنظيم بسبب تشدده وغلوه، يحرره تلقائيًا من منظومة التفاعلات بشقيها التعاوني والصراعي التي انخرطت فيها جماعة الإخوان سواء داخل ليبيا أو خارجها وأثرت على صورتها الذهنية والنمطية، والاهم ألصق بها كل فشل سياسي حاق بالمنطقة. كما يحرره تاليًا من صور العنف السياسي بل والإرهاب التي لصقت بالجماعة على مستوى المنطقة العربية.

فالرسالة كانت واضحة هنا، أن استقالته من الجماعة أتت بناء على اعتقادات وقناعات فكرية بالأساس، وليست على ارضية أي خلاف سياسي، يمكن أن يسوقه بشكل سيء معارضه داخل الجماعة ــ شق صف الجماعة، أو خارجها ــ الهروب من السفينة قبل غرقها المحتمل.

ولذا فلدي الرجل تطلعات بأن يكون نواة استقطاب جامعة وموحدة لليبيين بتقاطعاتهم الجهوية ــ المناطقية أو مثيلتها السياسية ــ الثقافية،والذين احترقوا من نيران فشل الطبقة السياسية الراهنة في إدارة خلافاتها وصراعاتها من ناحية أو إدارة العملية السياسية وإنهاء المرحلة الانتقالية بما فيها شتات واغتراب بالداخل والخارج معًا من ناحية أخرى. وذلك بقدرته على الجمع ما بين مرجعيتين لهما جذورهما المؤثرة داخل العقلية العربية: المرجعية الدينية، القادرة على استقطاب شرائح لا يستهان بها من المجتمع الليبي الذي يعد الدين مكون رئيس في عقيدته وسلوكه العام. مرجعية الإصلاح السياسي، القادرة بدورها على استمالة الداخل والخارجمعًا والراهن عليه، للخروج من النفق المظلم الذي دخلته الأزمة الليبيةـ من دون عودة حتى الآن.

3ــ أن الاستقالة أتت كاستجابة مباشرة من أحد مراكز التفكير الأمريكية، الذي أوعز للرجل بالتحرر من القيود التنظيمية مع جماعة الإخوان المسلمين، من أجل إعادة تسويقه سياسيًا وإعلاميًا والترويج للرجل بوصفه شخصية إصلاحية داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، فمن المفترض أن يعقد مركز Trans-Atlanticندوة هذا الأسبوع بالعاصمة واشنطن، سوف يكون المشري أحد المتحدثين الرئيسيين فيها، وهنا يمكن الربط ما بين توقيت إطلالة الاستقالة في ليبيا يوم 26 يناير، وإطالته الامريكية التالية في فبراير الحالي.      

ولذا فإن التركيز على الروافد الماضوية للاستقالة، يكتنفه قدر كبير من عدم الفهم الثقافي، أو الإدراك السياسي الواعي لقرار الرجل المفاجئ، لكون الروافد المستقبلية وتطلعاتها هي المتغير الحاكم بهذا القرار، لكي يكون للرجل دورًا كبيرًا بعد توقيت إبريل 2019، داخل المعادلة السياسية المُقدمة من دون شك على عدد لا يستهان به من الاستحقاقات السياسية ــ الانتخابية أو الدستورية. أضف لذلك أن تقديم الاستقالة بعد هذا التوقيت لن يكون له الصدى الكبير الذي أحدثته الآن داخل البيئة الليبية وخارجها، وجعلتها أحد الشواغل الرئيسة للمجتمع بنخبته وعامته. 

أما عن مضامين الاستقالة، وما تضمنته من قدر عال من الالتباس واستخدام المعاني والألفاظ، بل الجمع ما بين الشيء ونقيضه في ذات الوقت، مرجعه الاساسي رغبة الرجل في الإمساك بالعصا من النصف وعدم إغضاب أو إثارة أحد حوله. فهو من ناحية أولى، سعى لإرضاء قاعدته العقائدية ممثلة في التيار الديني بكافة تنويعاته داخل ليبيا وخارجها الذين يمكن أن يعارض هذا القرار بوصفه شقًا لصف الجماعة في توقيت عصيب للجماعة. ومن ناحية أخرى، معارضيه من أنصار التيار المدني ــ العلماني بتقديم نفسه كشخصية إصلاحية تمردت على جمود الجماعة وفشلها في تطبيق بنود المراجعات الفكرية سواء التي تمت داخل البيئة الليبية نفسها، أو حتى المحيطة في دول الجوار وتحديدًا في تونس والمغرب. وبدا هذا الالتباس في المؤشرات التالية:

1ــ كيفية الجمع ما بين مبدأ الاستقلالية السياسية التي دعا إليها في خطاب الاستقالة، والتي تفترض معها تلقائيًا النأي بالنفس كليًا عن التيارات والافكار المتصارعة الآن داخل المشهد السياسي الليبي، والاستمرار في نفس الوقت داخل منظومة العمل الحزبي لتلك التيارات من خلال احتفاظ بمكانته داخل حزب العدالة والبناء الذي كان أحد أبرز مؤسسيه لكي يكون الذراع السياسية للجماعة. فمن دون قرار تنظيمي واضح المعالم بالفصل التام ما بين هو دعوى ــ خيري وما هو سياسي ــ حزبي، وعدم إقحام الدين كقيمة سماوية عليا في الصراع السياسي الأدنى، يكاد يكون من الصعب فصل الحزب عن الجماعة. ولذا فإن فض عرى البيعة بشقيها الديني والسياسي محل تساؤل كبير هنا...!

2ــ دعوته للشعب الليبي بالعمل بعيدًا عن أي شعارات أو تيارات أو حتى أسماء قد تستخدم لضرب وحدة المجتمع والدولة الليبية. دعوة تبدو فارغة من المضمون العقلاني، وتعبير عن نرجسية سياسية، هدفها استمالة عواصف الليبيين. إلا أنها في واقع الأمر دعوة مستهدفه تجاه سلطة الأمر الواقع في بنغازي التي بدأت توسيع من نطاق نفوذها السياسي والمكاني على حساب مثيلتها في الغرب، داخل الجنوب بما يمثله من موارد ضخمة كانت من قبل تحت تبعية طرابلس، وفي نفس الوقت معضلة وإلحاح أمني وسياسي غير مسبوق داخل ليبيا وخارجها بسبب كونه بيئة حاضنة للعنف السياسي والإرهاب العابر للحدود.

ومن ثم فإن سياسة إرضاء الجميع عبر الرسائل والمضامين التي حملتها الاستقالة، أتت مواكبة لطموح سياسي للرجل وحرية العمل السياسي من دون قيود كبيرة، بل وتأكيده أنه منحاز للمواطن الليبي، ولا يريد خادعه كما يفعل الآخرين، بالإضافة لمساعيه لتهدئة وطمأنة قواعده الانتخابية داخل التيار الديني وخارجها، بكونه شخصية إصلاحية وأحد الشخوص التي يمكن أن تكون موضع رهان كبير من الجميع، المشغول بهموم المواطن، ويسعى لإعادة رسم خارطة الدولة الليبية الجديدة عبر نفق المصالحة والوفاق الوطني المأمول إطلاق مساره الشاق من جانب المبعوث الأممي غسان سلامة. 

 

 


(1)اعترف المشري صراحة في حديث تليفزيوني مع قناة France 24 Arabic يوم 13 مايو 2018 بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين.

(2)تنص لائحة المجلس الداخلية على ضرورة انتخاب هيئة مكتبه كل عام وتعتبر المشري 51 عامًا وينتمي لمدينة الزاوية غرب طرابلس الرئيس الثاني للمجلس بعد عبد الرحمن السويحلي الذي تولى هذا المنصب ما بين عامي 2016 ــ 2018. 

(3)بعدها بعام واحد وتحديدًا عام 1996 أدخل السجن واستمر داخله حتى عام 2002.  

التعليقات