ايوان ليبيا

الثلاثاء , 20 أغسطس 2019
السلطات الفرنسية توفر أكثر من 13 ألف شرطي لتأمين قمة السبعبريطانيا تعتزم الانسحاب من معظم اجتماعات الاتحاد الأوروبي بدءا من مطلع الشهر المقبلعمرها 500 سنة.. الأميرة "نوستا" تعود إلى جبال الإنديز بعد 129 عاما فى بلاد العم سام| صورميركل ترفض مجددا إعادة التفاوض على اتفاق خروج بريطانياجديد موقف نيمار.. المزيد من التعقيدات وخصم جديد لبرشلونة وريال مدريدصلاح: مستعد لخسارة ثالث حذاء ذهبي مقابل تتويج ليفربول بالدوريضربة جديدة لريال مدريد.. إصابة دياز وغيابه لشهرسكاي: الكشف الطبي يفصل ريبيري عن فيورنتيناوصول تعزيزات عسكرية جديدة إلى طرابلسعائلة القذافي تعلق على ذكرى ثورة الفاتح من سبتمبربركان الغضب: نجهز لمعركة كبرىزيادة مرتبات العناصر الطبية والمساعدةبحث تحويل مصنع التبغ في طرابلس لمدينة طبيةدخول الوحدة الثالثة بمحطة أوباري الغازية للخدمةاعلان مرزق مدينة منكوبةمسلح يحتجز 18 رهينة على متن حافلة في ريو دي جانيرو بالبرازيلأمريكا تطلق صاروخا بمدى يتجاوز 500 كلم.. وروسيا والصين تحذران من عودة سباق التسلحبريطانيا تعرب عن قلقها بشأن اختفاء أحد أفراد قنصليتها بهونج كونجالبرازيل: مقتل محتجز رهائن على متن حافلة في ريو دي جانيروأسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي في السوق الموازي اليوم الثلاثاء 20 أغسطس 2019

المصالحـة الوطنيـة : الفريضة الغائبة داخل المشهد السياسي الليبي / الحلقة الثالثة

- كتب   -  
المصالحـة الوطنيـة : الفريضة الغائبة داخل المشهد السياسي الليبي / الحلقة الثالثة
المصالحـة الوطنيـة : الفريضة الغائبة داخل المشهد السياسي الليبي / الحلقة الثالثة

ثالثـاً: الإجـراءات الحـاكمـة للمصـالحـة الـوطنيـة المـأمولـة 

المتأمل للمشهد الليبي بكافة أبعاده طوال السنوات الثماني الماضية، يكتشف من دون صعوبة كبيرة، عمق وهوة الانقسام والتفسخ بين مكوناته السياسية والاجتماعية من ناحية، والتآكل المستمرة لمشروعية مؤسساته الحداثية التي تمثلها دولة ما بعد الاستقلال، مقابل تعاظم نفوذ وتأثير الهويات الأولية سواء التي تمثلها القبيلة أو الجهوية ــ المناطقية أو حتى المذهبية والعرقية من ناحية أخرى. وتلك العملية في تعاظم مستمر بفعل قوية الروافد التي تغذيها وعسكرة المجتمع والسياسة داخل ليبيا. ولذا فإن وجود الدولة الليبية بجغرافيتها السياسية المتعارف عليها، ومعها الهوية الليبية الجامعة، بات موضع شك كبير، أن استمرت وتيرة الأحداث على حالها الراهن دون كابح، فالجميع من دون شك خاسر من تلك الوضعية سواء كانت نخبة متصارعة أولاً ثم مجتمع يمثل وقود هذا الصراع تاليًا. وبدت مظاهر هذا التفسخ والانقسام في مستويين أساسيين: 

أولهمـا: انقسام ذو طابع ممتد رأسيًا بين ثلاث مناطق تمثل الجغرافية السياسية ــ السكانية للدولة الليبية، باتت في حالة احتراب داخلي وصراع غير منتهي على النفوذ السياسي والاقتصادي وقيادة المشهد السياسي. في الشرق حيث مركز الثقل السياسي والسكاني في بتغازي توجد مقار الحكومة المؤقتة بزعامة عبد الله الثني ومجلس النواب المنتهية ولايته ومعها الجيش الوطني الذي يقوده الرجل القوى بالمنطقة خليفة حفتر. وفي الغرب حيث مركز الثقل السياسي والسكاني في طرابلسوتوجد مقار حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا بعد اتفاق الصخيرات بزعامة فايز السراج ومعه المجلس الرئاسي الذي انتهت ولايته هو الآخر وتدعمه العديد من المليشيات العسكرية وتحديدًا "قوة حماية طرابلس"(4). وبينهما في الجنوب حيث الغياب التام لأي سلطة أو سيادة حقيقية والانتشار الكبير لجماعات العنف السياسي بشقيها الديني كالقاعدة وداعش أو المدني مثلا حركات التمرد السوداني والتشادي والمالي، بالإضافة لعصابات الجريمة المنظمة التي تتاجر في كل شيء بدءًا من البشر مرورًا بالمخدرات وانتهاءً بالسلاح. وداخل تلك الأطر الثلاثة نجد الحضور الإقليمي والدولي بشكل لافت بشقيها السياسي والاستخباراتي، والرسمي وغير الرسمي.

وخطورة هذا المستوى لا يكمن في الصراع المتبادل العابر لتلك الأطر الجغرافية فحسب، وإنما أيضًا داخل كل إطار، والذي يبدو جليًا في الغرب بسبب الانقسام داخل المجلس الرئاسي بعد تجميد أكثر من عضو لعضويته داخله، وصراع المليشيات المسلحة على النفوذ كما بدا في آخر اشتباكات في طرابلس وقعت يوم 18 يناير 2019، والتي أدت لموجة نزوح كبيرة لسكان جنوب العاصمة وتوقف أنشطة الحياة اليومية. بالتزامن مع مساعي الجيش الليبي للاتجاه عسكريًا نحو الجنوب حيث يوجد حقل الشرارة أكبر الحقول النفطية في ليبيا (5) وإنهاء ظاهرة الفوضى والانفلات الأمني، والأهم السيطرة على مطارات الجنوب التي تستغل من قبل دول مثل قطر وتركيا في نقل السلاح للجماعات المحسوبة عليهما داخل المشهد الليبي.

ثانيهما: انقسام ذو طابع أفقي ما بين الهويات والمذاهب الدينية والعراقية والثقافية بل والقبلية داخل تلك الأطر الثلاثة، وهو بدوره عابر لتلك الأطر الثلاثة سواء داخل حيزها الجغرافي الضيق أو على اتساعه خارج الجغرافيا السياسية الليبية لدول الجوار أيضًا. الأمر الذي يغذي وبقوة ظاهرتي الفوضى والعنف، بالإضافة لعدم قدرة أي تفاهمات سياسية أو أمنية ترعاها قوى داخلية أو أممية على الصمود طويلاً.

ويغذي هذا الانقسام العديد من الروافد التي تستقي مقومات الأساسية من موروث تاريخي ملئ بالحساسيات السياسية والثقافية، وآخر حاضر مسّكون بعنف وتجاوزات غير مسبوقة، أفقدت الجميع الثقة السياسية المتبادلة، وأهمية التمسك بالهوية الوطنية الجامعة. ما أوجد إشكاليات كبيرة يجب أن تكون نصب عين أي جهود ساعية إلى إنهاء حدة هذا الانقسام واستعادة الرشادة والثقة السياسية وتغليب لغة المصلحة العامة. وقاد هذا الانقسام إلى ثلاثة محددات باتت حاكمة للأزمة الليبية، يجب أن يدركها الجميع، وتكون معالجتها غاية أي تسوية مأمولة:

1ــ شيوع الانسداد السياسي وفشل العملية السياسية ونخبها القائمة في تحقيق الوفاق الوطني طوال السنوات الثماني الماضية، وعدم قدرتها على تجاوز المرحلة الانتقالية التي طال مداها، ما تستنزفه من طاقات ودماء.

2ــ حدوث تآكل شامل في مشروعية جميع القوى المتصارعة بعد افتقادها مراكزها سواء القانونية أو السياسية، فيما فشلت على أرض الواقع في حسم الصراع عسكريًا لصالح أيًا منها.

3ــ انهيار كافة مؤسسات الدولة بسبب غياب الشفافية والحوكمة، وتوظيفها سياسيًا في دائرة العنف والصراع بين القوى المتصارعة. 

ولذا فإن غاية أي مصالحة وطنية، هي تجاوز تشابكات هذا المشهد المعقدة، وإعادة بناء الثقة الوطنية في الذات أولاً ثم في الهوية الجامعة لليبيين في إطار الجغرافيا السياسية لدولتهم، وخلق أجواء من التوافق بين مكونات وأطياف الشعب الليبي بحيث تتلاشى كافة مظاهر التوتر والقلق والصراع القائمة على أسس عقائدية أو قبلية أو مناطقية أو حتى مصلحية بما يستلزمه وذلك من معالجة رشيدة لكافة الروافد التي تغذي دورة العنف الفوضوي بشكل متدرج وشامل، على قاعدة "لا غالب أو مغلوب"، مع إدراك واعي بكون عامل الوقت لا يعمل في صالح الليبيين وقضيتهم الأساسية المتمثلة في إعادة بناء دولتهم على أسس جديدة، بحيث يكفل القانون والعرف حقوق الجميع دون تمييز أو انحياز، لكون البديل هنا صومال أو يمن جديد.

 

 

أــ آليـة المصـالحـة الـوطنيـة

القت العديد من القوى والفاعلين الأساسيين ثقلها وراء مقترح المبعوث الأمم المتحدة للأزمة الليبية غسان سلامة، والداعي لإطلاق "المؤتمر الوطني الجامع"بوصفه الآلية المناسبة ليس لجمع فرقاء المشهد المتصارعين لإعادة كتابة عقد اجتماعي جديد للدولة الليبية يحدد علاقة السلطة بالمجتمع فحسب، وإنما أيضًا المساعدة على إعادة رسم خارطة طريق جديدة للخروج من الأزمة الليبية الطاحنة التي تستنزفهم بشكل كبير، بعدما فشلت كافة التفاهمات السابقة لتحقيق تلك الغاية، وفي ضوء عدم وجود إطار بديل فيجب على الجميع دعم وإنجاح تلك الآلية المقترحة. 

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بهذا السياق العام، يدور حول محوريين أساسيين:

أولهمـا: جاهزية المشهد الليبي للتسوية السياسية وإعادة بناء المصالحة الوطنية بين قواه المتصارعة على النفوذ والموارد.

ثانيهمـا: إمكانيات أن تنجح قوى هذا المشهد المرتبك سياسيًا، وساهمت في صنع واستمرارية الأزمة طوال السنوات الثماني الماضية في إيجاد حلول موضوعية وسريعة للخروج منها...؟!

وفقًا لرؤية المبعوث الأممي غسان سلامة، فإن هذا الأمر ممكنًا سياسيًا إذا توافرت الرشادة السياسية وإدراك الليبيين بفداحة وخطورة الاستمرار في دورة العنف والفوضى الراهنة، بالتزامن مع دعم وضغوط الخارجية قوية لإنجاح تلك الآلية. في المقابل فإن هناك رؤية تاريخية مناقضة تمامًا صكها الفيلسوف كارل ماركس بقوله إن الشخوص والقوى التي صنعت الأزمة لا يمكن لها أن تكون جزءًا من الحل السياسي لها، ولكونهم ببساطة باتوا جزء من الأزمة وليس الحل.

والجدل ما بين الرؤية المعاصرة التي يحشد غسان سلامة الجهود داخل لليبيا وخارجها لإنجاح مساعيها لإحداث اختراق في جدار الازمة الليبية، ورؤية تاريخية عبر عنها ماركس وأثبت مصداقيتها بالكثير من الصراعات والحروب الأهلية، ساهم في تأخير إطلاق عقد هذا المؤتمر الجامع الذي كان مقررًا له شهر يناير 2019، إلا أنه لا توجد أي مؤشرات موضوعية على إمكانية حدوث ذلك. بل أكثر من ذلك، عبر سلامة كما بدا في خطابه بمدينة سبها التي زارها في 13 يناير 2018، عن قدر لا بأس به من التشاؤم في قدرة القوى والمؤسسات الليبية الحالية شخوص ومؤسسات على الاضطلاع بدورها ومسئوليتها التاريخية في تجاوز مواقفها التقليدية، واختراق جدار الأزمة. إلا أنه من الثابت أيضًا أن المبعوث الدولي لن يتخلى عن رؤيته حول عقد المؤتمر، كإطار وآلية لجمع فرقاء المشهد السياسي حول إجراءات التسوية المأمولة واختراق جدار الانقسام مهما بدا في صعوبة اختراقه.

ولذا نقدم مجموعة من الأفكار التي نراها محورية لإنجاح فرص عقد هذا المؤتمر، بحيث يكون البداية الحقيقية على طريق نعتقد أنه لن يكون سهلاً للوصول إلى الوفاق والمصالحة الوطنية القادرة على طي صفحة الماضي وفتح أخرى جديدة تسمح لهم بإعادة بناء دولتهم ومؤسساتها على أسس جديدة غير سلطوية، تسمح لهم بالانطلاق نحو أفق جديد. بدلاً من الانشغال الحالي للبعض والحديث عن ضرورة تغيير المبعوث الأممي بعد مداخلته الأخيرة أمام مجلس الأمن.

1ــ الغاية الرئيسـة من المـؤتـمر.التوافق العام على خارطة جديدة، تستهدف إعادة قرار بناء الدولة ومؤسساتها للشعب من جديد لكي يختار ممثليه في السلطتين التنفيذية والتشريعية عبر انتخابات نزيهة، وإقرار الدستور الدائم لليبيا والضي يحدد طبيعة العقد الاجتماعي الجديد بين السلطة والمجتمع.

وهنا يجب أن يكون الجميع على دراية تامة من أن اي مشروع للمصالحة الوطنية سوف يتضمن من دون شك العديد من نقاط القوة والضعف شأن أي مجهود إنساني. ولذا فإنه من المهم إطلاق مشروع المصالحة الوطنية، ووقف حالة الاستنزاف الراهنة، والعمل على تقوية نقاط القوة داخله وتذليل نقاط الضعف التي يتضمنها بشكل تدريجي.

وإذا كانت هناك العديد من تجارب المصالحات الوطنية من حولنا مثل التجربة الجزائرية ومن قبله تجربة جنوب إفريقيا وروندا، فإن خلاصات تلك التجارب وإنزالها على الأزمة الليبية تقتضي أولاً التوافق على مجموعة واسعة من المبادئ التي تقودنا لإنهاء حالة الاحتراب الداخلي واستعادة الاستقرار والتفاعل الإيجابي بين مختلف شرائح المجتمع، بدلاً من النقاش العبثي حول أفضلية أيًا من تلك المصالحات التاريخية لديها القابلية السياسية للواقع الليبي. ولذا يجب أن يكون في إذهان المجتمعين في تلك الآلية، الغايات التالية بوصفها حاكمة لسلوكهم التفاوضي خلال المؤتمر:     

1ــدعم جهود مبعوث الأمم المتحدة في إنهاء المسألة الليبية، وتوسيع حيز الثقة المتبادلة وإعلاء المصالحة الوطنية على ما عداها من مصالح.

2ــ يجب أن تتركز المساعي في المؤتمر على محاولة شد ليبيا نحو الحاضر والمستقبل دون الإغراق في تعقيدات موروث الماضي القريب منه والبعيد، إلا أنه ماضي سوف يكون أحد المرجعيات التي لا غني عنها لإشعار المجتمعين بخطورة لحظتهم ومسئوليتهم التاريخية إزاء تجاوز دوامة ظاهرتي العنف والفوضى الراهنة، ودفعهم للتوافق السياسي وعدم عرقلة اي خارطة جديدة متوافق عليها أو يتم طرحها للنقاش.

3ــ أن يعمل المجتمعون على تجاوز معضلة البناء السلطوي للقيم والممارسات السياسية والثقافية المصاحبة لها. فعملية التحديث السياسي والمؤسسي التي مرت به ليبيا خلال دولة ما بعد الاستقلال في حقبتي السنوسي والقذافي كانت قائمة على تحديث سلطوي لهياكل الدولة وأدوارها داخل المجتمع. لذا فإن المؤتمر يجب أن يؤسس لحقبة جديدة يكون التحديث فيها نابع من المجتمع نفسه ولخدمة شرائحه وتقوية مؤسساته، بحيث يراعي المواءمة الخلاقة ما بين مفهومي الحداثة وقيمها الغربية، ومحدد الأصالة المجتمعية للشعب الليبي، وإعادة بناء وتقوية التكوينات المجتمعية على أسس جديدة. تلك فرصة لا يجب تفويتها من جانب القوى المجتمعية لبناء دولة جديدة، تحت ضغوط محددين أساسيين:

أولاهما: فقد ثيبت من التجربة السياسية طوال حقبتي ما بعد الاستقلال أن الحداثة ليست مؤسسات فحسب، وإنما الأهم أيضًا ثقافة وسلوكيات مستقرة وعلاقات مجتمعية قائمة على احترام الآخر ودور المؤسسات المنتخبة في صنع القرار السياسي والتخصيص السلطوي للقيم داخل المجتمع.

وثانيهما: أن تقفز قوة سياسية أو عسكرية على السلطة وتعييد بناء نظام سلطوي جديد، يعيد الجميع للمربع الأول من جديد.

4 ــ تحييد التأثير السلبي لدول الجوار الجغرافي بشقيه العربي والأوروبي بالأزمة الليبية، بحيث يكون حضورهم غير المباشر دعمًا للوفاق الوطني والمصالحة الوطنية بين مكونات المجتمع الليبي عبر إنهاء ظاهرة حرب الوكالة Proxy War التي تمارس حاليًا داخل المشهد الليبي، وتسهيل إجراءات المصالحة المأمولة. والأهم إنهاء التنافس السياسي بينهم على أرض ليبيا. فتضارب المصالح والخلافات السياسية لدول الجوار انعكست سلباً على الأوضاع الداخلية، فهناك الصراع المصري ــ الإماراتي مع قطر في الجنوب والغرب، وهناك تنافس وصراع المصالح بين فرنسا وإيطاليا الذي يغطي الجغرافية الليبية بكاملها. 

5ــ المؤتمر ليس فرصة للامساك بزمام الأمور والسلطة من قبل بعض القوى، وتحقيق ما عجز عسكريًا عن تحقيقه، وإنما بمثابة فرصة تاريخية للمّالشمل وتحقيق المصالحة الوطنية، والأهم التوافق على إجراءات المستقبل والمرحلة الممهدة لها أيًا كانت مسمياته.

6ــ جعل التباينات المناطقية ــ الجهوية، والتعددية بكافة أشكالها المذهبية والسياسية والاجتماعية والثقافية محدد إثراء ودافع قوى نحو بناء الدولة الجديدة، مستفيدين من المزايا النسبية التي توفرها تلك التعددية، عوضًا على أن تكون قيد سياسي أو رافد من روافد تغذية الصراع السياسي والتناحر الاجتماعي.

ومن ثم، فإن مشهد الأزمة بكل ما تحمله من انفلات وفوضى يحتاج إلى إرادة قوية ومخلصة من الجميع للتوافق على صيغة للحل السياسي، بشكل يؤمن الانتقال الآمن من الحالة الثورية الراهنة إلى بناء والدولة ومؤسساتها، والأهم تنفيذ مخرجات المؤتمر وعدم عرقلتها تحت أي ذرائع أو حجج.    

2 ــ المشـاركـون في المـؤتـمر.يجب أن تدرك كافة أطياف المجتمع، ومعها القوى الفاعلة بالمشهد الليبي أن التمترس وراء مشروعيات سياسية ولت بسبب انتهاء ولايتها القانونية أو تلك النابعة بحكم قوة الأمر الواقع، يعني ببساطة الاستمرار بالأزمة دون أفق سياسي للحل. وأولى محاولات اختراق جدار هذا الصراع، تبدأ من تفكيك تلك المشروعيات رغم صراخ أصحابها الراهن، لكونهم فقدوا مراكزهم القانونية من دون استثناء. كما أن قوة وسلطة الأمر الواقع التي يتسلح بها البعض، لا يمكن لها أن تفرض أو تخلق مشروعية جديدة لأصحابها مهما كانت تأثيراتها على الأرض. فهؤلاء المجتمعون لهم غاية أساسية وحيدة وحاكمة لهم: ضرورة العم عل إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي بحيث يكون قرار الحسم وبناء المشروعية السياسية للشعب دون منازع، ليقرر هو من يمنحه مشروعيته الجديدة، لكون شرائحه المجتمعية صاحبة الحق الأصيل بهذا السياق دون سواها. 

إدراك تلك المسألة المهمة، يجب أن تكون بالتزامن مع إدراك أكبر، نابع من ضرورة وإلحاح الخروج من شرنقة البحث عن سلطة ومشروعية سياسية جديدة بشقيه الشخوص والمؤسسات الدائر حاليًا بين أطراف المشهد السياسي، ولكون واقع الأزمة الحالي لا يسمح باي عملية جادة لإفراز سلطة ومشروعية جديدة، بسبب حالة التفسخ والانقسام الحادثة الآن. ولذا يجب النظر للسلطات القائمة حاليًا في طرابلس وبنغازي، بوصفهما سلطات أمر واقع لإدارة المرحلة الانتقالية المتوقعة، تكون تحت رقابة المجلس التنفيذي أو الحكماء الذي سوف يفرزه المؤتمر الوطني الجامع، وبالإضافة للبعثة الأممية، لحين انتخابات سلطات جديدة تكون لها مشروعيتها السياسية بعد عملية انتخابات نزيهة داخل مجتمع مستقر وآمن اجتماعيًا يسمح له بالموافقة على بنود الدستور الجديد. لكون عملية البحث الراهنة عن بدائل للمؤسسات مراكز الثقل السياسي غير ذات جدوى لعدم استعداد المجتمع بهذا التوقيت السياسي لأي استحقاقات انتخابية على مستويي رئاسة الدولة والبرلمان، أضف لذلك أنها سوف تون مثيرة للجدل أكثر منها للتهدئة والتسوية المأمولة. 

من أجل أن يكون المؤتمر بمثابة مظلة جامعة لأطياف المشهد الليبي بكافة تنويعاتها ومرجعياتها، وبداية جديدة لتتجاوز إخفاقات المرحلة الانتقالية الحالية، فيجب الالتزام بالمقومات التالية تجاه مسألة المشاركين فيه:

1ــ التزام جميع الأطراف، الذهاب للمؤتمر الجامع من دون شروط مسبقة، سواء تجاه اجندة الحوار أو تجاه الأطراف الأخرى المشاركة فيه.

2ــ أن يراعي المؤتمر تمثيل جميع القوى السياسية والاجتماعية والثقافية بالإضافة للمناطق الليبية، بحيث يكون التمثيل شاملاً وجامعًا لليبيين، وآلا يخضع لنهج الاستئثار وإقصاء الآخرين، مهما كانت المبررات والحجج. 

3ــ تجاوز حساسيات الثقل السياسي أو المركز القانوني للمشاركين، وربطه بالتمثيل داخل المؤتمر، فيجب إلا يكون التمثيل لكبار الفاعلين داخل المشهد الليبي فقط، إنما ضرورة التمثيل العادل لكل القوى والفاعلين داخل المشهد مهما كان ثقلهم.

4ــ تنحية الخلاف العقيم ما بين أنصار فبراير وأنصار سبتمبر، فالجميع مواطنين لهم الحق في تقرير مستقبل بلادهم، ولا يحق هنا لأحد ادعاء الوطنية أو احكارها لنفسه دون الآخرين.

ومن ثم، يمكن أن يكون المؤتمر إذا تحققت تلك الالتزامات، بداية توافق وفاق حقيقي وفعال داخل المجتمع، يسمح بإدارة العملية السياسية بشكل صحي وآمن، بما يمهد السبل لإدارة المرحلة الانتقالية، وتجاوزها بأقل قدر من التكلفة الاستراتيجية، والانتقال المباشر نحو مرحلة بناء الدولة ومؤسساتها في ختام تلك المرحلة، بدء المرحلة النهائية في توقيت زمني ضيق.   

ب ــ إجـراءات المصـالحـة الـوطنيـة

إجراءات المصالحة يجب أن تلبي حاجة المواطن الليبي للأمن والاستقرار والطمأنينة ثم تاليًا تطلعاته نحو بناء دولة حديثة تستند إلى معايير المواطنة الكاملة، بما فيها مصالح الأجيال القادمة في مستقبل موحد ومستقر وآمن، كما أنها إجراءات منوط بها إطلاق عملية ديمقراطية حقيقية سواء نحو بناء السلطة الجديدة وآليات صنع القرار داخلها أو مؤسسات المجتمع الأهلي وما تتمتع به من استقلالية تجاه السلطة ومؤسساتها. وهنا يجب الاعتماد على فقه الأولويات في تحديد إجراءات المصالحة من حيث التوقيتات الزمنية، وعدم القفز عليها، إلا إذا كان هناك توافق عام حول تلك النقلة النوعية. إجراءات المصالحة يجب أن تعمل في مساريين رئيسيين:

أولهمـا: توافق ومصالحة داخل كل حيز سياسي من مناطق الجغرافيا السياسية الليبية الثلاث، من حيث إعادة الانسجام والتوافق السياسي داخل حكومة الوفاق الوطني وعودة الشخوص الذين جمدوا عضويتهم في المجلس الرئاسي، وإنهاء بؤر التوتر داخل المنطقة الشرقية، وبينهما حشد الجهود نحو انتشال منطقة الجنوب من الفوضى والعنف، واستعادة السيادة الوطنية عليها.

ثانيهمـا: زيادة مساحة المصالح المشتركة ما بين تلك المناطق الجغرافية الثلاث عبر البدء في عمليات التوحد والاندماج الوظيفية في المساحات غير المثيرة للجدل السياسي مثل الأجهزة الأمنية الشرطية، وقطاعات الخدمات العامة الذي يلبي الحاجات الأساسية واليومية للمواطن.

فالمشهد الليبي ما يعتريه من انقسامات واستنزاف، يحتاج إلى إرادة قوية للتوافق حول مخرجات الحوار الوطني وإنجاح إجراءاتها. تبدأ تلك الإجراءات بالمرحلة الانتقالية الاتي يجب أن يستعيد فيها المجتمع الدولة عافيتهما، للانطلاق نحو الاستحقاقات النهائية وبناء مشروعيات سياسية وقانونية جديدة تقود البلد.

1ــ إدارة المرحـلـة الانـتقاليـة

بالتأكيد نحن مازلنا في المرحلة الانتقالية التي أطلقتها سلطة ما بعد فبراير، ويعاني الجميع من تبعات تلك المرحلة وسوء إدارتها من جميع القوى السياسية والعسكرية في آن واحد، فالجميع يتحمل مسئولية ما آلت إليه الأمور داخل ليبيا. فالخيار الراهن أمام الليبيين أما الإبقاء وإطالة أمد المرحلة الانتقالية الحالية ولكن على أسس وتوافق سياسي جديد، يحدد فلسفة إدارة تلك المرحلة وإجراءاتها بما يستدعيه ذلك من تأجل لكافة الاستحقاقات السياسية انتخابات ودستور... أو المضي قدومًا في تلك الاستحقاقات وإكسابها المشروعية اللازمة والسلطة الواجبة لإدارة المرحلة الانتقالية، والانتقال للمرحلة النهائية في ضل التعقيد والتشابك الحالي.

إذا عودنا للخبرة التاريخية سواء من حولنا أو الداخلية القريبة بعد فبراير 2011، ما أوجدت في سيولة وفوضى عمت كل مناحي الحياة داخل ليبيا، بالإضافة إلى إعمال فريضة العقل والمنطق السياسي السوي والرشيد، فإن تأجيل تلك الاستحقاقات والمضي قدومًا في فترة انتقالية مقيدة زمنيًا وسياسيًا يُعد الخيار الأنسب في ظل الظروف الراهنة لليبيا. إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال إعادة بناء عملية سياسية ناجحة وآمنة تحدد فيها الصلاحيات والمسئوليات، بالتزامن مع استنهاض قوى المجتمع المدني، في ظل دولة ومجتمع مأزمين على كافة الأصعدة، وبات التوتر والصراع سيدا المواقف بين أطرافهما.

ولذا فإن الفلسفة، التي يجب أن تقوم عليها إدارة تلك المرحلة الانتقالية الجديدة، يجب أن تستند إلى ضرورة حسم العديد من القضايا الجوهرية والتساؤلات التي تشغل الذهن الليبي، وتثير العداء والصراع المتبادل. يحدث هذا على أرضية مشتركة داعية للنظر لكون اللحظة الراهنة، تُعد لحظة محورية ومفصلية في تاريخ ليبيا السياسي، يجب اغتنامها قبل فوات الأوان.

1ــحسم المناظرة الكبرى التي لم تهدأ منذ ثماني سنوات ما بين المشروعية الداخلية ومثيلتها الخارجية، وأيهما يسبق الآخر ويعلو عليه. فالحسم هنا يكون لصالح المشروعية الداخلية سواء في التوافق على مضامين ومخرجات المصالحة الوطنية وآليات تنفيذها أو الاستحقاقات السياسية ــ الانتخابية والقانونية ــ إقرار الدستور سواء بالمضامين التي تم التوافق عليها أو تغييرها. فالضامن هنا للمصالحة يجب أن يكون الداخل الليبي وقواها السياسية ــ الاجتماعية والعسكرية ــ الأمنية، بينما يكون دور الخارج الضامن والمساند لتلك المشروعية الداخلية. الأمر الذي يتطلب قدر عالي من الرشادة السياسية وإعلاء منطق المصلحة الوطنية على ما عداها من مصالح سواء خارجية أو ذاتية.

2ــ حسم الجدل المتجذر داخل المشهد الليبي منذ ثماني سنوات حول المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وتحديدًا المساءلة والعقاب كأحد بنود تلك العدالة بحيث يجب تجاوزهما لصالح التركيز على سياسة الجبر ورد الاعتبار المادي والمعنوي للضحاياـ سواء خلال مرحلة الثورة أو ما أعقبها من سنوات الحرب الأهلية، و حتى قبل هذا التوقيت خلال حقبة القذافي، والعمل على تأسيس بنية مؤسسية وثقافية تؤمن عدم العودة مطلقًاوتجريم إمكانيات عودة هذا الموروث المأساوي مرة أخرى، بتأسيس الدولة المدنية القائمة على حقوق وواجبات المواطنة الكاملة، وصون الحريات العامة.   

3ــ عدم الاستعجال السياسي، والتوافق على تأجيل كافة الاستحقاقات الانتخابية بما فيها الرئاسية والبرلمانية، بالإضافة لإقرار الدستور الدائم التي ترسي لقيم وتفاعلاتإلى المرحلة النهائية. لكون السؤال الذي يتغاضى عنها الجميع هل ليبيا كسكان وجغرافيا سياسية والأهم سلطة سياسية وأمنية يدور حول جاهزة ليبيا بأوضاعها التي يعايشها الجميع لتلك الاستحقاقات الكبرى والخطيرة.

بالطبع الإجابة سوف تكون بــ لا كبيرة... صحيح أن هناك مصلحة أكيدة في استمرار القوى المهيمنة على المشهد السياسي والعسكري في تأجيل تلك الاستحقاقات، إلا أن الجميع يجب أن يدرك أنها مرحلة مؤقتة، ثم أنها تاليًا لا ولن تؤسس لأي مشروعية قادمة، لكون الخيار النهائي للمجتمع والشعب، بعد أن يستعيد توازنه وهدوءه الداخلية لكي يفرز وبشكل إيجابي أفضل ما داخله من شخوص وقوى فاعلة تستطيع قيادة البلاد نحو التنمية والتطور، وتجاوز موروث تاريخي صعب الاحتمال والمعالجة في آن واحد.

فالتوافق الوطني يجب أن يسبق الذهاب لتلك الاستحقاقات، لكون الحديث عن وجوب إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية أياً كانت أولوية أحدهما على الأخرى لإعادة إنتاج مشروعية جديدة تحل بها إشكالية فراغ المشروعية الحادث حاليًا بعد انتهاء صلاحيات المؤسسات القائمة، كمن يضع العربة أمام الحصان.

4ــيجب تقييد فرص وحظوظ أن يقوم اي طرف من القوى المتصارعة بفرض كلمته أو إخضاع المجتمعين في المؤتمر الجامع أو بعده لسلطته التي يستمدها من الأمر الواقع، مهما كان دوره الحالي أو خلال المرحلة الانتقالية، لكون الاحتكام للشعب حق أصيل يجب ترسيخه لبناء مجتمع معافي، ولديه مناعة وحصانة داخلية تمنع الانزلاق من جديد نحو هوة الانقسام والتفسخ الذي نراه الآن.

5ــ من الممكن إدارة المرحلة الانتقالية من دون دستور أو صلاحيات حاكمة للمؤسسات القائمة، فهناك العديد من الدول التي لها مؤسسات وديمقراطيات راسخة لا يوجد بها دستور مثل بريطانيا، أضف لذلك كيفية إجراء انتخابات لحسم المشروعية السياسية القديمة وبناء أخرى جديد وصلاحيات مؤسستي الرئاسة والبرلمان لم تحدد بعد، والأهم عدم التوافق على قانون الانتخابات. فالتروي السياسي باتفرض عين وواجب سياسي في تلك المرحلة الحرجة حتى يتم التوافق على تلك الاستحقاقات على أرضية صلبة من التماسك الوحدة الوطنية. فالجميع يجب أن يدرك أننا أمام مخاطر حقيقية لبناء الدولة الجديدة في ظل الأوضاع الراهنة. فالخبرة التاريخية كشافة عن الدول التي أرست قواعد صلبة للاستقرار والتطور السياسي والتقدم الاقتصادي بنت مجتمعاتها وقيمه الحاكمة هي في حالة استقرار وأمن، وليس تحت ضغوط التوتر والقلق كما نشاهد الآن.

6ــ التوافق السياسي على الجهة التنفيذية المنوط بها تطبيق مخرجات مؤتمر الوفاق الوطني المزمع عقده السياسية منها والعسكرية، فنظرًا للسيولة الحادث الآن في نمط إدارة السلطة السياسية داخل ليبيا وتعدد أقطابها حسب الجغرافيا السياسية، فإن تلك المسألة يجب أن تحظي بعناية فائقة من المشاركين في المؤتمر، لإنجاح إدارة المرحلة الانتقالية، تقليل مداها الزمني.

7ــ التوافق حول الجهة المنوط بها الفصل في أي نزاع في تطبيق مخرجات هذا الوفاق الوطني، أو اي صراع ينشأ خلال الفترة الانتقالية، يمكن أن يطلق عليها لجنة الحكماء، تتشكل من الشخصيات الوطنية وشيوخ القبائل وأعيانها. بحيث تكون تلك اللجنة منوط بها مراقبة سلطات الأمر في تطبيق ليس تلك المخرجات فحسب، وإنما أيضًا مراقبتها سياسياً ومنع أي تنازع في السلطات بينها.

8ــ الأمن الشامل مقابل المشاركة الشاملة، بما يحمله ذلك من تصفير لكافة مشاكل وصراعات القوى المتصارعة حاليًا، وتقديم التنازلات المؤلمة من جميع الأطراف.  

فتجاوز تحديات المرحلة الانتقالية بما فيها القضايا الكبرى مثل التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية وفق منظور جديد يراعي تسهيل أسس المصالحة الوطنية وترسيخها بين قوى المجتمع، وإعادة هندسة علاقات وقيم المجتمع بعيدًا عن السلطوية، وتحديد نمط العلاقات ما بين السلطة والمجتمع بحيث تكون تلك السلطة في خدمة المجتمع وقضاياه وليس العكس، كلها تحديات تتطلب التأني وعدم الاستعجال السياسي الذي نراه من البعض الآن. 

وعقب التوافق السياسي ــ المجتمعي حول أسس تلك الفلسفة الحاكمة لإدارة المرحلة الانتقالية، يجب البدء في إجراءاتها التنفيذية الحاكمة، والتي من شأنها استعادة الأمن والاستقرار، والمساعدة على نشوء بيئة مواتية للانتقال للمرحلة النهائية بأقل تكلفة استراتيجية كبيرة بالداخل والخارج.  تشمل أبرز تلك الإجراءات الواجب تنفيذها:

1ــ التزام جميع القوى السياسية والاجتماعية بالهدوء السياسي والتهدئة، وتعهدها العلني بعدم استخدام السلاح أو القوة في حل اي خلاف ينشأ بينها طوال المرحلة الانتقالية أو حتى التهديد والتلويح به لإرهاب الآخرين، بما فيها محاولات إقصاء أي طرف من المشهد السياسي ــ الاجتماعي، واعتماد مبدأ الحوار والتفاهم المتبادل وكافة الآليات الديمقراطية لإدارة الخلاف والصراع بعيداً عن الاحتكام الى السلاح.

2ــ البدء في إجراءات جمع السلاح غير الشرعي تبدأ بإخراج كافة أنواع العتاد الحربي المتوسط والثقيل من المدن ومركز تجمع السكان بمسافات كبيرة، ثم البدء في سحبه تدريجيًا من أيدي المليشيات المسلحة بالتعاون مع البعثة الأممية في ليبيا، لوأد ظاهرة الانفلات الأمني، واستعادة الهدوء والاستقرار للمواطنين، عبر توقيتات زمنية محددة وإعطاء حوافز مالية ومادية للمبادرين طوعًا بتسليم أسلحتهم، وبعد انتهاء المدة الزمنية المحددة يتم ضبط الأسلحة ومصادرتها بالقوة ومعاقبة من بحوزتهم. بما يسمح بسيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة وعدم السماح بوجود كيانات مسلحة خارج إطار الدولة.

3ــ العمل على تفكيك الفصائل والمليشيات المسلحة وإعادة دمجها كأفراد وليس كجماعات في مؤسستي الشرطة والجيش بشكل مهني واحترافي بعيدًا عن اي عصبية جهوية أو قبائلية أو دينية، وغيرها من بقية مؤسسات الدولة الأخرى.

4ــ إصدار قانون للعفو العام عن كل الأحداث التي وقعت طوال الفترة الماضية سواء في مداها القريب سنوات ما بعد فبراير أو البعيد قبل هذا التوقيت السياسي. فلا يجوز لأحد مهما كانت قوته احتكار الوطنية، ونزعها عن الآخرين، ورفع كل العوائق أمام عودة هؤلاء لمؤسسات الدولة والمجتمع، بالتزامن مع إجراءات شاملة من أجلا جبر وتعويض المتضررين من تلك الأحداث ماديًا ومعنويًا. وإنشاء صندوق خاص لتلك المسألة الإنسانية، ويدار بقدر عال من الشفافية والحوكمة الإدارية ــ المالية لمنع الفساد الكبير الذي رأيناه بعد فبراير 2011. 

5ــ تعهد جميع فرقاء المشهد الليبي بإعلاء المصالحة الوطنية على ما عداها من مصالح وولاءات أخرى بما فيها العمالة للخارج، لكون هذا المحدد ووحده فقط الكفيل بإجبار البيئة الخارجية بشقيها الإقليمي والدولي على التوافق السياسي ونبذ حرب الوكالة التي تديرها بالمشهد الليبي.

6ــ البدء في سياسات إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وتحديدًا الأمنية والقضائية والاقتصادية وإدارتها بشكل يتسم بقدر عالي من الشفافية والحوكمة لمنع النزيف المالي الحادث للثروة ومقدرات الشعب الليبي، بما يعنيه من استعادة هيبة الدولة، وسرعة الفصل في النزاعات التي تنشأ بين الليبيين كأفراد وجماعات. 

7ــ تأسيس لجنة للعدالة والمحاسبة، تكون أبرز مهامها التوثيق القانوني والسياسي للانتهاكات التي حدثت لحفظ الذاكرة الوطنية، بالإضافة إلى رد الاعتبار للضحايا وتعويضهم وعائلاتهم بشكل يليق بهم والعفو عن المتسببين بهذا العنف والاقصاء بعد تقديم الاعتذار العلني للضحايا وذرويهم. بالإضافة لإدارة ملف عودة الليبيين وإنهاء حالة التشرد بالداخل والخارج دون قيود. كما يناط بها أيضًا إدارة الصراعات الممتدة اجتماعيًا داخل الجغرافيا الليبية سواء بعد فبراير 2011 أو ما قبلها بحيث تعطى الأولوية هنا للنزاعات الجهوية بين المناطق الليبية ثم مثيلتها القبلية.

8ــ رفع القيود على حركة وعمل المواطنين سواء داخل المدن الليبية أو خارجها، من دون تميز سياسي أو مناطقي، في إطار عام من احترام حقوق الانسان ومجمل الحريات السياسية والمدنية التي تكفلها المواثيق الدولية.

9ــ إدانة وتجريم ومحاربة الارهاب بكافة أشكاله المادية واللفظية بالإضافة إلى العنف والفساد الذي يستهدف الليبيين ومؤسسات الدولة وعدم إضفاء الشرعية أو المشروعية السياسية أو الاجتماعية من قبل جميع الأطراف على تلك الأعمال.

10ــ القبول باستحقاق التعددية الدينية والقومية والمذهبية والسياسية على قاعدة المواطنة، كمنظومة حقوق والواجبات المتكافئة بما يعزز الانتماء والولاء والهوية الوطنية الجامعة لليبيين.

2ــ الوصول للمرحلة النهـائيـة

خلال مراحل تنفيذ تلك الإجراءات المتعلقة بإدارة المرحلة الانتقالية، يجب التوافق على إجراءات إطلاق المرحلة النهاية، عبر ثلاثة إجراءات متدرجة حسب الاهمية السياسية لها الدستور؛ انتخابات الرئاسة؛ وأخيرًاالانتخابات البرلمانية وفقا لما يلي:

أولهـما: تشكيل لجنة من خبراء القانون الدستوري تعكس كل التيارات الفكرية والثقافية والدينية داخل ليبيا، وفقًا لتمثيل متوازن، تكون مهمتها الأساسية إعادة قراءة بنود الدستور وإدخال ما تراه من تعديلات قبل طرحه للنقاش العام والاستفتاء عليه في نهاية المرحلة الانتقالية، لكي يؤسس لدولة مدنية ــ ديموقراطية حقيقية وتؤمن مبدأي المحاسبة السياسية والمواطنة الكاملة بالحقوق والواجبات لكافة مكونات المجتمع وعدم التمييز السياسي أو المناطقي في توزيع الثروة، ومبدأ الفصل التام بين السلطات، وإطلاق الحريات العامة.

ثانيهمـا: بعد إقرار الدستور البدء في إجراءات الانتخابات الرئاسية الاقل صخبًا من الناحية السياسية والاجتماعية أولاً، ثم مثيلتها البرلمانية تاليًا الاكثر صخبًا وإثارة للجدل بسبب حدة المنافسة السياسية داخلها. والاهم إجرائهما بعدما يتبان نوع النظام السياسي الذي يتوافق عليه الليبيين واختصاصات السلطة التنفيذية والتشريعية وحدود العلاقة بين السلطات، وآلية توزيع الثروة القومية بين المناطق الليبية.

وفي النهاية لن تتمكن ليبيا من العبور إلى بر الأمان والاستقرار مالم تحدث مصالحة وطنية شاملة يقود اليها توافق مجتمعي، وفق آليات واضحة المعالم تحفظ فيها حقوق الجميع بعدالة انتقالية شمولية مصحوبة بتضحيات متوازنة من كل الأطراف دون افراط او تفريط.



 

 

 

 

 


(4)المثير هنا أن اشتباكات ترهونةبطرابلس التي كانت الأعنف لم يساهم في إنهائها سوى القبائل، وليست الدولة ومؤسساتها السياسية أو حتى الأمنية، بدا ذلك في رسالة الشكر التي وجهها غسان سلامة حسب بيان البعثة الاممية يوم 21 يناير، إلى الشيخ محمد البرغوثي الورفلي وشكره فيه على جهوده وجهود الحكماء والأعيان بالمنطقة على الجهود التي بذلت لوقف إطلاق النار، وبنود الاتفاق التي تم إقرارها.

(5)أغلق هذا الحقل مع نهاية العام 2018 بسبب موجة الاحتجاجات الشعبية، التي قامت بها القبائل وحراس تابعين للدولة،والذين طالبوا بدفع رواتبهمالمتأخرة وتخصص جزءًا من العوائد المالية لتطوير منطقة الجنوب، التي تعاني من قدر عالي من التهميش السياسي والتنموي.

التعليقات