ايوان ليبيا

الجمعة , 22 فبراير 2019
تغريم الحكومة الليبية بدفع أكثر من261 مليون دولارحقيقة الترقيات في الجيش الليبيتهريب القطع الاثرية الليبيةالجيش يعلن سيطرته على حقل الفيل النفطياستئناف رحلات شركات النفط لحقول الجنوبجلسات استماع في البرلمان البلجيكي حول الأموال الليبية المجمدةتأخير صرف منحة أرباب الأسرتونس تترقب نحو ستة آلاف ضيف في القمة العربية بينهم ألف سعوديقاض أمريكي يأمر بمواصلة حبس ضابط بخفر السواحل متهم بالتخطيط لهجوم إرهابيسائقو سيارات الأجرة في ألمانيا يحتجون على تحرير العمل بقطاع نقل الركابإيطاليا تغرم شركتي طيران "ريان أير" و"ويز أير" بسبب القيود على حقائب الركابمادورو يعلن إغلاق حدود فنزويلا مع البرازيللامبارد يعلق على أنباء تدريبه لتشيلسيبالفيديو - تشيلسي وإنتر ينتصران ويتأهلان لدور الـ16.. كوكا يودع الدوري الأوروبيتعرف على كل المتأهلين إلى دور الـ16 من الدوري الأوروبيمواعيد مباريات اليوم الجمعة 22-2-2019 والقنوات الناقلة.. دوري مصري وإنجليزيبومبيو: الولايات تمضي قدما في توصيل مساعدات إلى فنزويلا رغم معارضة مادورواستئناف المفاوضات التجارية "الأمريكية-الصينية" في واشنطننتنياهو يجتمع مع بوتين في موسكو.. الأربعاء المقبلوزارة الدفاع الأمريكية تعلن عن تحليق استطلاعي فوق روسيا

المصالحـة الوطنيـة : الفريضة الغائبة داخل المشهد السياسي الليبي / الحلقة الأولى

- كتب   -  
المصالحـة الوطنيـة  : الفريضة الغائبة داخل المشهد السياسي الليبي  / الحلقة الأولى
المصالحـة الوطنيـة : الفريضة الغائبة داخل المشهد السياسي الليبي / الحلقة الأولى

بقلم الدكتور يوسف شاكير

 

أولاً: مـقدمـة ضـروريـة للفهم السياسي 

تُعد كلمة "المصالحة الوطنية"أو تحقيق الوفاق الوطني الجامع بين الفرقاء الليبيين المتصارعين حاليًا، بكل ما تحمله من معاني ومدلولات، من أكثر الكلمات شيوعًا في الخطاب السياسي ــ الإعلامي الليبي بعد فبراير 2011، سواء على مستوى النخبة المُنقسمة على نفسها سياسيًا وثقافيًا، أو المجتمع الذي بات رهينة تلك النخبة وخياراتها الصراعية لا التصالحية. إلا أن أيًا منهما شخوصًا وقوى سياسية وجماعات عرقية لا يفعل الكثير أو حتى الحد الأدنى المطلوب منه لبلوغ تلك الغاية، التي يتمناها الجميع، من أجل وقف حالة الاحتراب الحالية، وما تقوده إلى أبشع استنزاف مادي ومعنوي لم يشهد الليبيين مثيلًا له من قبل، حتى قياسًا إلى الحقب الاستعمارية التي مرت على ليبيا بما فيها الحقبة الاستعمارية الإيطالية الأخيرة. فما كان هذا هو التغيير الذي تمناه الليبيون. فعلي الرغم من أن المصالحة الوطنية قد فرضت نفسها وبقوة في ظل المآسي التي نراها الآن، إلا أنها غائبة ولا يريد أحدًا التمسك بها بأركانه الأساسية، للعبور بالمجتمع من حالة الفوضى إلى بر الأمان السياسي ــ الاجتماعي. 

ولذا فإن المشهد السياسي الليبي الراهن، بات أقرب للعبثية السياسية منه إلى الرشد وإعمال العقل وتغليب المصلحة العامة، لا لسبب سوى رغبة الجميع نخبة وشرائح مؤيدة لها داخل المجتمع في تبنّي خيار الحسم العسكري وقهر الخصوم وإخضاعهم لرغبة ومشيئة الآخر. وإذا كانت المعادلة السياسية ذات العائد الصفري Zero Sum-Game خير مُعبر عن تلك الرغبة، في إقصاء الآخر والحصول على كل شيء، فإن هناك تجسيد آخر للمسألة الليبية يكمن في استحضار التراجيديا اليونانية القديمة، التي يدرك فيه البطل أنه سائر إلى مصيره المأساوي المحتوم من دون مشيئة أو إرادة قوية لتغيير هذا المستقبل. 

وسوف تحل علينا في شهر فبراير المقبل 2019، الذكرى الثامنة لما اصطلح على تسمية بــ "ثورة فبراير"، ما أحدثته من تغيير سياسي بالقوة القهرية، بات الجميع يدرك أنها كان سببًا مباشرًا للفوضى السائدة الآن داخل المجتمع والجغرافيا السياسية الليبية. طوال تلك السنوات، عانى المشهد الليبي بكافة أطيافه من بحور الدم والدمار والاستنزاف دون أن ترسو دولته الجديدة على شط الاستقرار وإعادة البناء، ما يستلزمه ذلك من أمان سياسي ــ أمني أو اقتصادي ــ اجتماعي. بل أي مقاربة بين هذا التوقيت وما نحن عليه الآن بعد ثماني سنوات، يشي بفداحة الموقف، وخطورة ما نحن فيه من استنزاف وعدم القدرة على تحكيم لغة العقل والمصالحة الوطنية ووضعهما فوق كل اعتبار آخر.

فالمرحلة الانتقالية اللازمة للعبور من الثورة إلى الدولة، ومن الفوضى والتدافع المتبادل إلى الاستقرار وبناء المؤسسات وتطويعها لخدمة المجتمع، لم تفصح عن نهاية قريبة لها بعد، بالرغم من كونها كانت محددة بحيث لا تتجاوز العامين فقط. كما أن تلك الاستمرارية القلقة إستراتيجيًا، مازالت تلقي بظلالها الكثيفة والمظلمة على المشهد الليبي دون أدنى ضوء في نهاية النفق السياسي الذي تعبره. وما يضاعف من خطورة تلك الوضعية أنها باتت مصحوبة بحالة غير مسبوقة من الانقسام والتفسخ الاجتماعي، بحيث بات ما يفرق الليبيين أكبر مما يُوحدهم ويجمعهم. وتلك الهوة السحيقة التي دخلنا فيها، للآسف الشديد في تزايد مستمر، وهوة أفشلت كافة التفاهمات السياسية التي حاولت وضع حد لحالة الانقسام والاحتراب الداخلي، وتحقيق الوفاق الوطني على أي أرضية كانت، حتى ولو كانت محدودة أو بسيطة في مقوماتها يمكن البناء عليها مستقبلاً بسبب رغبة الفاعلين الرئيسيين داخل المشهد "الأقوياء" التحكم في المشهد السياسي وفرض إرادتهم ورغباتهم على الآخرين "الضعفاء"، علاقة لا يمكن لها أن تفوضي إلى استقرار مهما كانت بداياتها قوية أو ناجحة. 

ولذا افتقدنا أحد أهم عوامل البناء والتطور السياسي والمجتمعي، متمثلة في التوافق الجمعي العام بين شركاء المشهد الليبي على امتداد جغرافية الدولة السياسية، بما يؤمن عمليات التراكم بمجالي المعرفة والقيم الحاكمة لها، وما يصاحبهما من ممارسات مجتمعية قادرة على بناء ثقافة تتسم بالعافية الإنسانية وتعلي من شأن الحريات والحقوق والواجبات، وفقًا لعقد اجتماعي جديد يعيد تأسيس الدولة الوطنية ومؤسساتها التي يجب أن تكون في خدمة ورفاهية المجتمع، لا التسلط عليه.    

وباتت تلك الوضعية القلقة وغير الطبيعية في حياة الشعوب والأمم، المحدد الثابت في حياة الليبيين اليومية، وتدور حولها كافة تفاعلاتهم بشقيها التعاوني والصراعي، بحيث بات الثابت الآن متغيرًا، والمتغير أضحى ثابتًا. وفي نفس الوقت كانت تلك الوضعية كاشفة أيضًا عن إخفاق غير مسبوق في تحقيق الحد الأدنى من التوافق السياسي على تمرير وإنهاء الحالة الانتقالية أو الاستثنائية التي يعيش في كنفها الليبيين منذ ثماني سنوات عجاف، والانتقال لبناء دولتهم الجديدة ومؤسساتها. والخطير هنا، أن تلك الوضعية أوجدت ثقافة سياسية معززة ومُدعمة لها، ترى فيما يحدث شيء من طبائع الأمور تحت مظلة الحديث عن "الثورة الدائمة" إلى أن تتمكن القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في السيطرة على الأمور، وإعادة توجيه الدولة وقيمها ومؤسساتها لصالح تلك الغاية (1)

وقد يدرك البعض عن وعي حقيقي أو عن غيره، حيث أن كليهما في الكارثية سواء، أن عامل الوقت والزمن بات لا يعمل في صالح الليبيين كدولة ومجتمع في آن واحد، فلا الدمار الشامل الذي حاق بالدولة ومؤسساتها يكفي لردع أطراف المشهد السياسي وإجبارهم على التوافق السياسي، ولا بحار الدم التي سالت داخل المدن والمناطق الليبية بقادرة على إقناع هؤلاء الخصوم على نبذ العنف واستخدم القوة أو التهديد بهما كآلية وحيدة ومعتمدة في حل وتسوية صراعاتهم وخلافاتهم السياسية أي كانت مستوياتها. وبينهما غاب بشكل تام الاحتكام للعقل والمصلحة الجامعة لليبيين عن المشهد العام، مصحوبًا بسوء إدراك سياسي غير مسبوق في التعامل مع التحديات الراهنة، بحيث باتت مضامينه السلبية مسيطرة على المشهد الليبي من دون منازع من الجميع.

شأن كل المخلصين لهذا البلد وبعد قراء المشهد في طوره العبثي الراهن، لآبد أن يدرك المرء العاقل أن دورة العنف المسلح الحالية وصلت في ذروتها، وآن لها أن تبدأ في منحنى الهبوط العكسي شأن كل الظواهر الطبيعية ودورات حياتها من حولنا. أما الاستمرار بهذا المشهد، فيعني ببساطة أننا كشعب ومن قبله نخبه لديهما نّهم غير مسبوق تجاه الانتحار السياسي، شعب أقل ما يمكن توصيف نخبه بكونها نخب وقيادات وصلت لحالة أشبه بالجنون السياسي، وفي توقيت لا نجد فيه من يمد لنا يد المساعدة وانتشالنا من هذا المستنقع والفوضى. وأن وجد هذا الطرف، فإن الليبيين لديهم قدرة كبيرة على إفساد وإفشال مساعي لمّ الشمل الوطني التي يرعاها هذا الطرف أو ذاك، كما بدا في تفاهمات الصخيرات؛ باريس؛ باليرمو، القاهرة وتونس. فالمسألة في النهاية واضحة..."لن يساعدنا أحد على الخروج من هذا المستنقع، ما لم تكن لدينا قناعات مبدئية بأهمية المصالحة الوطنية الجامعة لليبيين من دون استثناء وإقصاء سياسي واحتكار الوطنية".

أحد أبرز المؤشرات الدالة على مصداقية هذا الإدراك السياسي، كون جميع القوى السياسية والعسكرية منها بل وحتى الاجتماعية أيضًا باتت تمارس العنف بمعدلات وكيفية لم يعرفهما المجتمع الليبي من قبل بمثل هذه الحدة، التي تصل لحد الفاجعة الإنسانية، وافقاد الرحمة بالآخرين.

 

 


(1)يرجع الفضل في صك هذا المفهوم إلى ليون تروتسكي، والذي كان أحد أكبر مصادر الخلاف مع رفيق دربه في الثورة البلشفية لينين، وقراره الهروب من روسيا.

التعليقات