ايوان ليبيا

الأربعاء , 12 ديسمبر 2018
مندوب روسيا: نؤيد بالكامل دعوة جويتريش للحفاظ على الاتفاق النووي الإيرانيالشرطة الفرنسية تلاحق مرتكب حادث سوق عيد الميلاد في ستراسبورجرئيس الحكومة التونسية في السعودية غدا لـ"دفع العلاقات بين البلدين إلى آفاق أوسع"السجن ثلاثة أعوام لمحامي ترامب السابق مايكل كوهين.. ويعترف: "كان عملي التغطية على أفعاله القذرة"ستيرلنج لاعب شهر نوفمبر في الدوري الإنجليزيمباشر مونديال الأندية - العين (2) - (3) ولينجتون.. على مشارف العودةصانعو الأهداف.. شاهد مجموعة من أجمل "الأسيستات" في كرة القدمذاكرة الأبطال.. بايرن بطل أوروبا 2013.. وريال مدريد نادي القرن العشرينتعيين بوتشينو غريمالدي سفيرا لإيطاليا لدى ليبياداخلية الوفاق تنعي العميد السموعيغضب فزان: الاعتصام مستمر دون تعطيل للعملفتح سجل الناخبين للبلديات التي انتهت ولايتها العام 2018السراج و السفير الأوكراني يبحثان تأهيل المؤسسات الصحيةأردوغان: سنبدأ عملية عسكرية بشرق الفرات في غضون أيامالوزير اللبناني مروان حمادة يقدم اعتذارا في ذكرى استشهاد جبران تويني وفرنسوا الحاجإسبانيا تدين إغلاق حقل الشرارة النفطي الليبيالمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة تناقش سبل تعزيز صناعة الدواء في مصر وإفريقياكلوب يتغنى بأليسون بعد تصديه الرائع أمام نابوليأنشيلوتي: تقنية الفيديو جاءت بعد فوات الأوان.. ربما تعرض فان دايك للطردتوريرا: مكالمة إيمري قبل المونديال جعلتني سعيدا

ليوبولد فايس .. ولقاء عمر المختار

- كتب   -  
ليوبولد فايس .. ولقاء عمر المختار
ليوبولد فايس .. ولقاء عمر المختار

 


ليوبولد فايس .. ولقاء عمر المختار

(كان رجلا معتدل القامة قوى البنية ذا لحية قصيرة بيضاء كالثلج تحيط بوجهه الكئيب ذي الخطوط العميقة، و كانت عيناه عميقتين، و من الغضون المحيطة بهما كان باستطاعة المرء أن يعرف أنهما كانتا ضاحكتين براقتين في غير هذه الظروف، إلا أنه لم يكن فيهما الآن شيء غير الظلمة و الألم و الشجاعة)
فايس واصفا عمر المختار, اقتباسا من كتابه “الطريق إلى مكة”

ليوبولد فايس (محمد أسد)

ليوبولد فايس الصحفي والمفكر النمساوي الذي ولد في إحدى مدن أوكرانيا التي كانت حين مولده في سنة 1900 تتبع الإمبراطورية النمساوية الهنغارية, كان يدين باليهودية قبل أن يعتنق الإسلام في سنة 1926م ويصبح اسمه محمد أسد, واحد من الشخصيات المثيرة للاهتمام لسعة تجاربه في الصحافة والسياسية وكثرة ترحاله من النمسا إلى القدس ومن الشام إلى باكستان ومن ليبيا إلى الجزيرة العربية وإلى بلدان شتى في أقطار العالم, وتعتبر مذكراته المسماة “الطريق إلى مكة” الى جانب كونه سيرة ذاتية له, سجلا تاريخيا مهما لعدة شخصيات وأحداث عاصرها ودون تجربته عنها, ربما هو من الصحفيين القلائل الذين قابلوا عمر المختار أو سيدي عمر كما يلقبه فايس, ذلك اللقاء حدث في الأيام الأخيرة لعمر المختار حين كان مطاردا لا يقاتل إلى جانبه سوى أفراد قليلين ويرى بنفسه النهاية رأي العين, تم اللقاء بتوجيه من أحمد السنوسي الذي قابله في المدينة وتحدث معه قبل أن يطلب منه الذهاب في مهمة لإيصال رسالة إلى عمر المختار .. يقول فايس :-

( ولمعرفة سيد أحمد بمشاعري تجاه القضية السنوسية نظر إلى عيني وقال :
هل تذهب إلى طبرق باسمنا وتتعرف بنفسك على ما يجب عمله, ربما بإمكانك هناك أن ترى الأشياء بطريقة أوضح
نظرت إليه وهززت رأسي بالموافقة, دون كلمة .. بالرغم من يقيني بثقته به إلا أن طلبه مني جعلني أحبس أنفاسي, كان الإقدام على مغامرة بهذه الجسامة يجعلني لا أجد الكلمات المناسبة, مد سيد أحمد يده إلى رف فوق رأسه وتناول مصحفا ملفوفا في قماش حريري ووضع كتاب الله على ركبتيه وتناول كفي الأيمن وقال :

فلتقسم بالله الذي يعلم ما تخفي الصدور أنك ستظل مخلصا, أقسمت .. ولم أكن على يقين بقسم أقسمته في حياتي مثلما كنت على يقين من التزامي المطلق بهذا القسم)

بهذه الطريقة بدأت رحلة فايس نحو ليبيا للقاء عمر المختار .. كثير من المصاعب في الطريق وسرية تامة تطلبتها المهمة التي انطلق فيها بحماس نابع من إيمانه بالحركة السنوسية آن ذاك, يقول هو عن رحلته أنها كانت أصعب رحلة صحراء في حياته, لكنها تكللت بالنجاح الشخصي له, وخيبته من فشل خطط السنوسي التي كانت تعتمد على بقاء الكفرة في يد رجالهم, لكن عند وصوله ولقاءه لعمر المختار كانت الكفرة قد سقطت بالفعل في أيدي الإيطاليين

 

يقول فايس : ( وبعد أربع ليال أخرى وصلنا إلى وادي الثعابين حيث كان علينا أن نجتمع بعمر المختار، و بعد أن اختبأنا في وادي صغير تكتنفه الأشجار الكثيفة و عقلنا خيولنا تحت بعض الصخور جلسنا ننتظر مجي أسد الجبل الأخضر و كان الليل قارسا شديد الظلمة يخيم عليه صمت عميق، و بعد انتظار بضع ساعات، سمعنا حفيف أغصان بين الأشجار و اصطدام نعل خفيف بحجر، و انتصف رفيقي واقفا و أمسك بندقيته بيديه و حدق بالظلام، و خرجت من الأجمة صيحة أشبه بعويل أبن أوى، فما كان من عبد الرحمن إلا أن كور يده أمام فمه و أجاب بصوت مماثل، و عندئذ ظهر أمامنا شخصان مسلحان بالبنادق و عندما اقتربا منا قال أحدهما في سبيل ألله و أجاب عبد الرحمن (لا حول ولا قوة إلا بالله) فعرفت أنها كلمات السر التي يستعملها المجاهدون وقفنا منصتين و بعد عشر دقائق سمعنا حفيف الأغصان مرة ثانية وبرز ثلاثة رجال، كل منهم من جهة و اخذوا يقتربون منا و بنادقهم مصوبة إلينا، و بعد أن اقتنعوا بأننا كنا فعلا من كانوا يتوقعون رؤيتهم، عادوا و اختفوا ثانية في الأجمة و في جهات مختلفة أيضا، لقد كان واضحا أنهم كانوا ينوون حراسة زعيمهم و الإشراف على سلامته، و ما لبث عمر المختار أن جاء على جواد صغير لفت حوافره بالقماش، و كان يحيط به رجلان من كل جانب و يتبعه كذلك عددا أخر، و عندما وصل إلى الصخور التي كنا ننتظر عندها ساعده أحد رجاله على النزول و رأيت أنه كان يمشى بصعوبة عرفت بعد ذلك أنه قد جرح إبان إحدى المناوشات قبل ذلك بعشرة أيام تقريبا. و على ضوء القمر المشرق استطعت الآن أن أراه بوضوح، كان رجلا معتدل القامة قوى البنية ذا لحية قصيرة بيضاء كالثلج تحيط بوجهه الكئيب ذي الخطوط العميقة، و كانت عيناه عميقتين، و من الغضون المحيطة بهما كان باستطاعة المرء أن يعرف أنهما كانتا ضاحكتين براقتين في غير هذه الظروف، إلا أنه لم يكن فيهما الآن شيء غير الظلمة و الألم و الشجاعة، و اقتربت منه لأحييه و شعرت بالقوة التي ضغطت بها يده على يدي.

مرحبا بك، يا ابني، قال ذلك و أخذ يجيل عينيه في متفحصا. لقد كانت عينا رجل صار الخطر قوته اليومي، و فرش أحد رجاله بطانية على الأرض، و انحنى عبد الرحمن ليقبل يده، ثم شرع بعد استئذانه يوقد نارا خفيفة تحت الصخرة التي كنا مجتمعين بها، و على ضوء النار الخافت قرأ سيدي عمر الكتاب الذي حملنيه السيد أحمد السنوسي إليه ثم التفت إلى و قال: لقد أطراك السيد أحمد في كتابه، أنت على استعداد لمساعدتنا و لكنني لا أعلم من أين تأتينا النجدة، إلا من الله العلى الكريم، إننا حقا على وشك أن نبلغ نهاية اجلنا.

فقلت: أذا أمكن تدبير الحصول على المؤن و الذخائر من الكفرة بصورة ثابتة، أفلا يمكن صد الايطاليين؟
لم أرى في حياتي ابتسامة تدل على هذا القدر من المرارة و اليأس كتلك الابتسامة التي رافقت جواب سيدي عمر عندما أجاب: لقد خسرنا الكفرة و الايطاليون احتلوها منذ أسبوعين تقريبا)

كان وقع الخبر صادما على فايس, فقد حمل رسالته وتحمل عناء الرحلة من أجل ايصال خطط واقتراحات المساعدة من السنوسي والتي كانت الكفرة أهم نقاطها, سأل عمر المختار عن سبب سقوط الكفرة, لكن عمر المختار أشار إلى أحد رجاله الناجين من الكفرة وطلب منه أن يجيب عن السؤال
ويروي فايس قائلا : (جلس الرجل متربعا أمامي، وجذب برنسه البالي حول بدنه .. وتكلم بهدوء ودونما انفعال.. إلا أن وجهه النحيل كان ينقل كل مشاهد الرعب والأهوال التي شاهدها, قال : جاء الايطاليون الى الكفرة إلينا بثلاث أرتال من المدرعات والمدفعة الثقيلة ومن ثلاث جهات مختلفة مجهزين بسيارات عسكرية مصفحة, ومن الجو كانت طائراتهم تقصف البيوت والمساجد وبساتين النخيل وهي تحلق على ارتفاع منخفض, لم يكن بالواحة إلا بضع مئات من الرجال القادرين على حمل السلاح، أما البقية فشيوخ ونساء وأطفال.. دافعنا من بيت إلى بيت.. لكنهم كانوا يفوقوننا كثيرا .. وفي النهاية لم يبق تحت سيطرتنا سوى قرية الهواري.. لم تفلح بنادقنا البسيطة في التصدي لسياراتهم المصفحة، ولم ينج منا سوى القليل ممن هربوا, اختبأت في أحد بساتين النخيل.. منتظرا فرصة الهرب .. وكنت طوال الليل اسمع صراخ النساء اللاتي يغتصبهن الجنود, وفي اليوم التالي جاءت إلى مخبأي امرأة عجوز.. وأعطتني قليلا من الخبز والماء, وأخبرتني أنهم جمعوا من بقي حيا من المقاتلين وأعدموهم ومزقوا المصحف أمامهم …. )

وأخذ الرجل يسرد مأساة سقوط الكفرة ورحلته للخروج منها بطريقة يائسة, ويكمل فايس : ( حين انتهى الرجل من حكايته المرعبة, أدناني عمر منه بلطف وقال “هكذا يا بني, لقد اقتربنا كما ترى من نهاية أجلنا”

وكإجابة عن تساؤل بدا في عيني دون أن أقوله, قال: “إننا نقاتل لأن علينا أن نقاتل في سبيل ديننا و حريتنا حتى نطرد الغزاة أو نموت و نحن ليس أمامنا خيار غير ذلك، أنا لله و أنا إليه راجعون، لقد أرسلنا نساءنا و أولادنا إلى مصر كي نطمئن على سلامتهم متى شاء لنا الله أن نموت”

كان في صوت عمر المختار هم ثقيل, ولكن بلا قنوط, وهو يشرح لي المسار الطويل الذي لابد من سلوكه من أجل الحرية, كان يدرك أنه لم يبق أمامه إلا الموت, إلا أن ذلك لم يحمل له أي جزع أو خوف, لم يكن بالطبع يسعى إليه ولكنه أيضا لم يحاول أن يتفاداه.

كنت على يقين أنه حتى لو عرف نوع الموت الذي ينتظره لم يكن أيضا سيحاول أن يتفاداه أو يتجنبه, كان يبدو واعيا بكل خلجات نفسه أن كل إنسان يحمل مصيره داخله أينما حل وكيفما فعل.)

بعد ذلك انتقل فايس صحبة عمر المختار إلى أحد معسكراتهم القريبة وهناك يقول : ( لدهشتي وجدت امرأتين بالمعسكر, واحدة مسنة والأخرى شابة كانتا جالستين بالقرب من نار صغيرة تصلحان سرجا مقطوعا بمخرز كبير.

قال سيدي عمر وهو يرى دهشتي الصامتة ” الأختان تذهبان معنا حيثما ذهبنا رفضتا الحياة في أمان مع النساء والأطفال الذين رحلوا, إنهما أم وابنتها كل رجال عائلتهما ماتوا في النضال”)

بعد مغادرة فايس بأسابيع قليلة تم القبض على الشيخ المجاهد عمر المختار واعدامه يوم 16 سبتمبر 1931 , أما الشاب آن ذاك ليوبولد فايس فغادر عائلا إلى المدينة وعاش بعد ذلك طويلا في رحلة صحفية وسياسية وفكرية وألف عديد الكتب , إلى أن توفي في اسبانيا يوم 20 فبراير 1992 تاركا خلفه الكثير من المذكرات والتاريخ والتجارب والجدل .. كانت هذه المقالة البسيطة واحدة من تجاربه.

التعليقات