ايوان ليبيا

الثلاثاء , 16 أغسطس 2022
أبو الغيط يبحث مع كوبيتش تطورات الأوضاع في ليبيااللافي: لا أقصد من مبادرتي عرقلة عمل المفوضية ولا تأجيل الانتخاباتإطلاق مرصد دولي لانبعاثات غاز الميثان لتعزيز العمل على خفض غازات الاحتباس الحراريواشنطن تدين "الهجمات الشنيعة" للمجلس العسكري البورمي في غرب البلادالسودان: إعفاء النائب العام المكلَّف مبارك عثماناحتجاجات وتوقيفات في المغرب ضد فرض جواز التلقيحألمانيا: نحترم مبدأ الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة في الـ 24 من ديسمبر القادمنواب جزائريون يتقدمون بمشروع قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائربايدن يرشح أكبر مشتر للأسلحة بالبنتاجون للإشراف على استخدام المخزون الوطنيميركل تعتبر قرارات قمة العشرين الخاصة بالمناخ "إشارة جيدة"تقرير: الكشف عن حالة أجويرو المرضية في مباراة برشلونة وألافيسأتلتيكو مدريد يضرب بيتيس بثلاثية ويواصل مطاردة ريال مدريدسكاي: إقالة سانتو تقترب.. إدارة توتنام تناقش مستقبل المدرببمشاركة متأخرة من مصطفى محمد.. جالاتا سراي يفوز على جازي عنتابكورونا: تباين في الإصابات اليومية بكورونا بالدول العربيةجوتيريش: أغادر قمة مجموعة العشرين دون أن تتحقق آماليبريطانيا ترفض المزاعم الفرنسية بشأن اتفاق لحل الخلاف حول الصيد17 جريحا في اعتداء داخل قطار في طوكيو وتوقيف مشتبه فيهقوات تيجراي تسيطر على مدينة كوبولشا الإثيوبية وتتجه إلى العاصمة أديس أبابااليابان: فوز الأئتلاف الحاكم بالأغلبية البرلمانية رغم تكبده بعض الخسائر

تعرف على السر وراء إرسال البارجة الإيطالية "ترميتي" إلى ليبيا

- كتب   -  

 


ايوان ليبيا - وكالات :

لم يدر بخلد الليبيين أن افتتاح فرعين لبنك دي روما في بنغازي وطرابلس عام 1905 لم يكن سوى خدعة إيطالية لإغواء الفلاحين الليبيين البسطاء بالقروض، والاستيلاء فيما بعد على أراضيهم بحجة عدم الوفاء بديونهم تجاه البنك، ولم يفكروا يوماً، بأن كنيسة السيدة مريم العذراء التي ُشرع في بنائها عام 1615 بقلب طرابلس، سترفع العلم الإيطالي فوق صومعتها بمجرد دكّ الأسطول البحري الإيطالي لشواطىء عاصمتهم بالمدفعية الثقيلة يوم 3 أكتوبر 1911 ؛ بالمقابل تعسّر عليهم تصديق أن الدولة العثمانية التي حكمتهم باسم الإسلام والمسجد قروناً عدة، ستتخلى عنهم بسهولة، وتبيعهم للإيطاليين بموجب إتفاقية أوشي لوزان عام 1912 .

كانت إيطاليا في مطلع أكتوبر عام 1911 قد استوفت مقدمات غزو ليبيا بعدما نجحت في فتح المدارس الإيطالية ، وإرسال البعثات التبشيرية، وتوطين بنك دي روما في ليبيا، وحصولها على الضوء الأخضر من جاراتها الأوربيات على القيام بمغامرة الغزو، خاصة بعد توثيق علاقتها بالإنجليز منذ عام 1885، وانتزاع حصة لها من كعكة المستعمرات التي حددتها خرائط مؤتمر برلين عام 1878

ولم تجد حكومة جوليتي “الليبرالية” صعوبة تذكر في تهيئة الرأي العام الإيطالي لاحتلال ليبيا، بعدما جنّدت الصحافة الإيطالية لتصوير هذه المهمة على أنها مهمة إنسانية مقدسة، تهدف إلى انتشال ليبيا من التخلف والجهل، وتصدير الحضارة إليها، وأنها مجرد نزهة بحرية إلى الشاطىء الرابع لإيطاليا، لذا لم يكن مستغربا على الجنود البحارة الإيطاليين ذلك الاندفاع والحماس الشديين وهم في طريقهم إلى الساحل الليبي، يتغنون” بنشيد طرابلس الجميلة” تحت وقع الانتشاء بالنصر المحتّم، المبارك من أسقف روما.  

لكن حلم النزهة البحرية تحول إلى كابوس مخيف بمجرد  أن وطأت أقدامهم شواطىء ليبيا، إذ تعرضوا إلى مقاومة شرسة من الأهالي الذين هبّوا للدفاع عن وطنهم وعرضهم في ملحمة نضالية، لا يزال الأرشيف الوطني الليبي يحتفظ بتفاصيل معاركها وبطولاتها، ولعل التاريخ يذكر الكثير من المعارك التي خاضها الليبيون ببسالة في وجه قوة غازية لا مجال للمقارنة فيها بين ما كان يمتلكونه من عتاد بسيط لا يتجاوز البنادق البدائية التركية، أو ما يغنموه من عدوهم، وبين ما كان يمتلكه الأيطاليون من أسلحة فتاكة على رأسها سلاح الطيران الذي استخدم لأول مرة في ليبيا.

يسّرت قوة النيران الكثيفة التي كانت تمتلكها القوات الغازية، الحصول على موطأ قدم لها على الأرض بعد مواجهات عنيفة، قدم فيها الليبيون آلاف الشهداء في معارك الهاني وأبي مليانة والشط، وجليانة، والكويفية، والهواري ودرنة وطبرق، وغيرها من المعارك التي تم حصرها بالكامل من طرف بحاث ليبيين، وأتراك، وحتى إيطاليين.

بمجرد استيلاء الإيطاليين على الساحل، أصدر آنذاك رئيس الوزراء الإيطالي جوليتي أوامر الاعتقال التعسفي والشنق والنفي في حق الليبيين، المعارضين للتواجد الاستعماري الإيطالي على أرضهم، وقد شهد شهر أكتوبر من عام 1911 أكبر عملية إعدام جماعي، وأكبر عملية نفي إلى الجزر الإيطالية النائية: تريميتي، وبونزا، وأوستيكا، ولعل الليبيين يتذكرون جيداُ يوم 26 أكتوبر 1911 الذي شهد نفي أكثر من 4500 ليبي إلى تلك الجزر،مثلما سيتوقفون ملياً عند دلالة اسم البارجة الحربية الإيطالية تريميتي التي رست قبل أيام في قاعدة بوستة بطرابلس.

خلال العام الأول من الغزو لم تخبو حركة الجهاد يوماً، واحدا، ولم يكن بوسع إيطاليا إحكام سيطرتها على الإقليم الليبي، مما نحى بها إلى مساومة الدولة العثمانية، اعتقادا منها أن استفرادها بليبيا سيعجّل بتوطيد الاحتلال، لذا سارعت إلى توجيه إنذار إلى الإستانة بأنها ستنقل الحرب إلى المستعمرات العثمانية في بحر إيجا، ما أضطر الثانية إلى التوقيع على اتفاقية أوشي لوزان في 15 اكتوبر  2012 ومنح الاستقلال الذاتي لطرابلس وبرقة، ولم يكد يمضي يومان على الاتفاقية حتى سارع فيكتور عمانويل الثالث على توقيع منشور يقضي بخضوع برقة وطرابلس خضوعا مطلقاً للسيادة الإيطالية.

الغريب هنا أنه بعد يوم واحد فقط على منشور ملك إيطاليا أصدر السلطان العثماني فرمانا يقضي بموافقته على انتقال تبعية الإقليمين الليبيين إلى روما.

هذه الخطوة لم تحقق لإيطاليا حلمها في إحكام سيطرتها على البلاد كاملة، رغم أنها ضمّنت الإتفاقية موافقتها على حرية الشّعائر الدينيةالإسلامية، والسماح بذكر اسم السلطان خليفةللمسلمين في الصلوات العامة، وضمان حصانةالممتلكات الدينية (الأوقاف)، وتشكيل لجنة تعين منأبناء البلاد لتنظيم الجهاز المدني والإداري علىأساس من المبادئ الليبرالية “

والدليل على ذلك أنه يوم توقيع الإتفاقية والأيام التي تليها، شهدت مثلا  منطقة الخمس معارك ضارية ضد القوات الإيطالية امتدت لخمسة أيام متواصلة.  

سارع المجاهدون في إعادة ترتيب صفوفهم، وتكفلت الحركة السنوسية بالدعوة إلى الجهاد عبر منابرها الصوفية، وكان لأحمد الشريف السنوسي الدور الكبير  في التهيئة والأعداد للمعركة الفاصلة في تاريخ الجهاد الليبي، التي يصفها المؤرخون بمعركة الوحدة الوطنية ، ونعني بها هنا معركة القرضابية، التي تكبدت فيها القوات الإيطالية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وكان يوم 29 أبريل عام 1915 يوما فارقا في تاريخ حركة المقاومة الليبية، فالنتائج المكتسبة من النصر في تلك المعركة لم تقتصر على المستوى الميداني، وتراجع القوات الإيطالية إلى نقاطها الأولى التي احتلتها في بدايات الغزو، وإنما امتدت إلى انتزاع مكتسبات سياسية من المستعمر كان من اليسر توظيفها لصالح مشروع التحرر والاستقلال لو  لم تذهب الزعامات المحلية إلى دائرة الصراع على المناصب والمغانم.

سارت حركة المقاومة بعد القرضابية بين مد وجزر، وكان للشهيد عمر المختار الدور الأبرز في المحافظة على جذوتها مشتعلة، واستنزاف الإيطاليين في مناطق الجبل الأخضر عبر اعتماده لأسلوب” حرب العصابات” ، ورغم ضعف العتاد والمدد تمكن المختار ورفاقه من تقديم نموذج مشرّف يحتذى به في مقاومة المستعمر.

في العام 1922 استولى الحزب الفاشستي على الحكم في إيطاليا، وكان على قائده بينيتو موسليني أحد المنظرين الكبار للعنف أن يتخلى عن الجزرة في طريقة التعامل مع مستعمراته في ليبيا والصومال والحبشة، ويكتفي فقط بالعصا الغليظة لتطويع تلك المستعمرات وخضوعها لحكمه، لذا لم يكن مستغربا منه تحشيد أحدث ما أنتجته المصانع الإيطالية من مدرعات و طائرات والدفع بها تجاه ليبيا، لأجل القضاء تماما على المقاومة الوطنية، وخاصة في شرق البلاد.

كان على موسيلني أن يستنجد بعدد من القادة العسكريين القساة المجبولين على رائحة الدم لأجل التنكيل بالعزل المدنيين أولا، قبل حتى المقاومين الذين يرفعون أسلحتهم في وجه المحتل من أمثال الحاكم العسكري باودليو ، والجنرال غرتسياني .

يقول المؤرخ الإيطالي المستقل آنجلو ديل بوكا في كتابه ” خطوة عن المشنقة” الذي يرصد فيه وقائع وتفاصيل من الحقبة الاستعمارية الإيطالية في ليبيا : أن باودليو الذي عيّنه موسليني عام 1928 حاكما على ليبيا هو من أصدر الأوامر بإنشاء 13 مركز اعتقال رهيب في منطقة برقة وحدها، كانت بمثابة مقبرة جماعية لأكثر من 40 ألف ليبي قضوا نحبهم، نتيجة المرض والجوع والتعذيب الممنهج، وعوضا أن يحاكم باودليو على جرائمه في حق الإنسانية، يكافأ ويغمر بأوسمة الشرف!

قرينه غراتسياني لم يكن أقل بشاعة وشراسة في مطاردة المقاومين الليبيين الحفاة في عمق الصحراء والوديان والجبال، واستخدام قوة النيران التي تتيحها له الطائرات والمدفعية والدبابات، في هدم المنازل وإشعال الحرائق في المحاصيل، وقتل الماشية والدواب، ولم يتوان لحظة عن استعمال أي اسلوب وحشي يتيح له سفك المزيد من الدماء.

دموية غراتسياني كانت تصاحبها عنجهية كبيرة، تطبع شخصيته في طريقة تعامله وقتذاك مع القادة والساسة الليبيين، حيث يكشف آنجلو ديل يوكا جوانب من هذه الشخصية الدكتاتورية، حينما يعطف على قصة الرسائل الخمس المتبادلة بين غراتسياني والقائد الليبي محمد فكيني، فيورد أن فكيني بعد مقتل إبنه عام 1922 أرسل لغراتسيانيرسالة يقول فيها” أنصحكم بأن تفكروا جيداُ في المآسي وسفك الدماء التي تتسبب فيها الحرب” ويرد الجنرال الإيطالي قائلا: لقد علمنا بمقتل ابنكم، أنتم فقط المسؤولون، وإن هذا عقاب الله الذي سيواصل عقابكم”

الغريب أن غراتسياني كان يستخدم طريقة فريدة في إيصال الرسائل لفكيني، إذ كان يرسلها مع الطائرات الحربية، حتى أن الرسالة السابقة تحديداً ألقتها إحدى الطائرات على مقر فكيني مصحوبة بقنبلتين” لكن الأبلغ كان رد فكيني الذي كتب قائلا: إننا نعتبر طريقتكم في إرسال الرسائل بواسطة القنابل هي عملية تحرش لا تليق بدولة متحضرة وبقادة كبار، إننا رجال حقيقيون معتادون على الحرب.. رجال يفضلون الموت بشرف على الحياة المهينة.

استمرت المقاومة، وقدم المختار وفكيني والفضيل وبن عسكر والشريف والباروني ورفاقهم الدرس الوطني الحقيقي للأجيال القادمة في كيفية المقاومة، وعدم الرضوخ للمستعمر تحت أي ظرف.

اليوم بعد مضي 106 عاما على الغزو الإيطالي يقف الليبيون أمام تحدٍ جديد، وهم يشاهدون البارجة الحربية الإيطالية ترميتي ترسو على شاطئهم بهدوء، رامية خلف ظهرها ذكريات عذاب المنفيين الليبيين في جزيرة ترميتي، فهل يرمي الليبيون التاريخ الاستعماري القديم جانباً، ويدفنون رؤسهم كالنعام في التراب غير مبالين بما يحاك ضد وجودهم وسيادتهم على أرضهم في الغرف المغلقة؟

 

التعليقات