الخميس , 27 أبريل 2017
اخر الأخبار

عربية و دولية


كتب غرفة التحرير
17 أبريل 2017 9:20 م
-
الأزمة الاقتصادية تهدد تونس بثورة جديدة

الأزمة الاقتصادية تهدد تونس بثورة جديدة

ايوان ليبيا - وكالات:

رغم أن الثورة التونسية انطلقت في الأساس من المناطق المهمشة في وسط البلاد لأسباب اجتماعية في الأساس قبل أن تكون سياسية، إلا أنه وبعد ست سنوات من سقوط نظام زين العابدين بن علي، لم تتمكن الحكومات المتعاقبة منذ 2011، من فك الحصار التنموي عن هذه المناطق، التي تشهد ارتفاع نسب البطالة؛ ما أجج الاحتجاجات في هذه الجهات بشكل يطرح أكثر من تساؤل بشأن تداعيات ذلك على مستقبل البلاد.

وبنبرة تحمل كثيرًا من اليأس وبصوت خافت يعكس حزنًا وخيبة أمل، يروي ياسين بن قايد، (25 سنة)، معاناته اليومية في ولاية تطاوين أقصى الجنوب، الغنية بالنفط، فرغم حصوله على شهادة الماجستير في الهندسة الميكانيكية، واستبشاره بأن الثورة لن تقدم له أقل من عمل يحفظ كرامته، إلا أنه إلى اليوم لا زال عاطلًا عن العمل رغم مرور ست سنوات من الصبر والانتظار.

ويقول ياسين “حلمي كان كبيرًا بالثورة، واستبشرت بها لأنني كنت على يقين بأن طموحي سيتحقق بالحصول على شغل يضمن كرامتي”.

ويضيف “ست سنوات على الثورة ولا تزال الوضعية تراوح مكانها بل ازداد الأمر سوءًا من خلال تفشي البطالة في صفوف شباب هذه المحافظة التي تزخر بالحقول البترولية وتنتشر بها الشركات النفطية العالمية”.

ست سنوات من الاحتجاجات

ولم تنقطع الاحتجاجات الاجتماعية في تونس منذ ثورة 2011، وتمركزت خاصة في المحافظات الأقل نموًا في الوسط الغربي والجنوب الغربي والشمال الغربي للبلاد على غرار محافظات القيروان والكاف والقصرين وتطاوين، التي تشهد أقل نسب التنمية مقارنة بالولايات الشرقية والشمالية الشرقية التي يغلب عليها الطابع السياسي وتتمتع بخدمات أوفر.

“أيام الغضب” تلك مردها نسب البطالة والفقر التي ظلت على حالها في كل المناطق ولم تتحقق مطالب الثورة الاجتماعية والتي هي أساسا التشغيل والتنمية.

واعتبر ياسين، أن الغضب بدأ يتصاعد في صفوف أهالي وشباب تطاوين، جراء ما وصفه بـ”لا مبالاة” الحكومة الحالية و”عدم إنصاتها إلى مطالب المحتجين الذي ضاقوا ذرعًا بتأزم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية”.

وقال رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبد الرحمان الهذيلي، إن “رقعة التحركات الاحتجاجية توسعت في المدة الأخيرة بشكل لافت ومثير للقلق ويهدد بنسف مكاسب الثورة”.

وانتقد الهذيلي، بشدة أداء حكومة الوحدة الوطنية التي يقودها يوسف الشاهد، قائلًا: “هذه الحكومة لا تملك رؤية واضحة، وبعض وزرائها لا يعرفون تونس بتاتًا، فهي لا تمتلك برنامجًا ينظر بعمق للقضايا الاجتماعية في البلاد”.

 كما اعتبر أن “إيجاد حل جذري للبطالة وتنفيذ المشاريع المعطلة وتحسين أداء الإدارة يمكنه تجاوز الأزمة الحالية”.

وتتخبط تونس منذ 2011، في أزمة اقتصادية خانقة، تجلى أثرها سلبيًا على ضعف نسب النمو المحققة التي لم يتجاوز معدلها خلال خمس السنوات الأخيرة 1.5%.

وظلت نسبة البطالة مرتفعة إذ بلغت بنهاية 2016، 15.5%، مع تسجيل بطالة مرتفعة لدى حاملي الشهادات العليا وصلت إلى معدل 30% بحسب معهد الإحصاء (حكومي).

وخلال خمس السنوات الماضية، تنوعت احتجاجات التونسيين في كل القرى والمدن بين الاعتصام والاحتجاج وقطع الطريق وتوقيع العرائض والإضراب العام واقتحام المؤسسات وتعطيل نشاط بعض الإدارات والإضراب عن الطعام وخياطة الأفواه والتهديد بالانتحار طلبا للتشغيل والتنمية ولتحسين ظروف العيش.

تفاوض دون نتائج

ويشدد الهذيلي، على أن “حكومات ما بعد الثورة خاصة الحالية أضحت تتفاوض مع المعتصمين والمحتجين على أساس المناطق التي يرتكز فيها إنتاج ونشاط اقتصادي حيوي؛ على غرار ما حصل في ملف شركة بتروفاك، بجزيرة قرقنة، التابعة لولاية صفاقس بالجنوب، المنتجة للغاز الطبيعي وملف فسفاط قفصة جنوبًا”.

ولفت النظر في هذا السياق إلى أن الحكومة الحالية تفاوضت مع المعتصمين والمحتجين في منطقتي الرديف والمتلوي، من ولاية قفصة، باعتبارها تمثل زهاء 80% من إنتاج الفسفاط، بينما لم يقع التفاوض مع المحتجين في “أم العرايس” من الولاية نفسها، أو منطقتي ماجل بلعباس وجدليان، في ولاية القصرين (وسط غرب)، ومنطقتي جلمة والرقاب بولاية سيدي بوزيد (وسط).

وبين في هذا الإطار أن “هناك احتجاجات استغرقت حوالي سنة كاملة، ولم تكلف الحكومة العناء للتفاوض مع المحتجين والاستماع إلى مشاغل المعتصمين”.

الأمر نفسه بالنسبة إلى ياسين الذي عبر عن “شكواه وتذمره من تغاظي الحكومات التونسية عن إقرار برامج حقيقية للتنمية يتم بموجبها إيجاد حل جذري ونهائي لمعضلة البطالة”.

فالبطالة بحسب ياسين: “ساهمت في تفشي اليأس لدى شباب المناطق الداخلية ما أجبرهم من ناحية عن العزوف عن الحياة السياسية ولجوئهم لتعاطي أنشطة التهريب من ناحية ثانية”.

“شباب تطاوين، رفضوا بدورهم الإجراءات الحكومية الأخيرة واعتبروها ذرًا للرماد في الأعين، لا سيما أنها لا تعكس فعلًا مطالبهم في التشغيل وإحداث مشاريع صغرى”.

وقبل أيام أعلنت الحكومة التونسية مجموعة من الإجراءات التنموية في “تطاوين”، من بينها توظيف 500 شخص بصفة عاجلة في شركة البيئة والبستنة، وإلزام الشركات البترولية بتوظيف أبناء الولاية بنسبة 70℅ من مجموع الموظفين.

وتقرر عقد مجلس وزاري للتنمية بتطاوين، قبل منتصف مايو/أيار المقبل، يترأسه رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، وتنظيم يوم توعوي حول الطاقة والتشغيل، في 22 أبريل/نيسان الجاري، والتفعيل الفوري للاتفاق المتعلق بتوظيف أبناء تطاوين في الشركات البترولية.

وأمام حالة الاحتقان في تطاوين، يتحدث ياسين عن نية شباب المنطقة التوجه نحو إقرار إضراب عام يوميًا، إلى حين تحقيق جميع المطالب.

وفي سياق متصل، رجح الهذيلي، أن تتعكر الأوضاع أكثر في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، بعد هدنة رمضان وعطلة الصيف (من نهاية مايو إلى غاية بداية سبتمبر) من خلال إمكانية انتفاضة ولاية أو ولايتين؛ وهما القصرين وسيدي بوزيد.

ارتفاع وتيرة محاكمات المحتجين

ظاهرة أخرى نبه إليها الهذيلي، تتمثل في ارتفاع وتيرة محاكمات المحتجين، إذ إن أكثر من 300 شاب تمت إحالتهم على المحاكمات بسبب تحركات احتجاجية أو اعتصام من أجل المطالبة بحقوقهم في التشغيل والتنمية.

وأفاد أن هذا العدد تم إحصاؤه خلال الفترة المتراوحة بين سبتمبر 2016 ومارس/آذار 2017، إذ إن عددًا هامًا من الشباب تمت إحالتهم على القضاء غيابيًا وهم لا يعلمون ذلك.

وانتقد بشدة ما وصفه العودة إلى أساليب ما قبل 14 يناير/ كانون الثاني 2011، التي تنتهجها الحكومة الحالية من خلال تنامي المحاكمات القضائية، ومراهنة حكومة يوسف الشاهد على الإيقافات والمحاكمات.

كما شدد الهذيلي، على ضرورة دخول الحكومة الحالية في مفاوضات مباشرة مع جل المحتجين والإنصات إلى مشاغلهم.

غياب برامج اقتصادية واجتماعية تنير السبيل

من جانبه يرى أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي، أن “الخطأ الكبير الذي وقعت فيه مختلف الحكومات المتعاقبة بعد الثورة (8 حكومات) أنها لم تقدم برامج اقتصادية واجتماعية واضحة تنير السبل للتونسيين وتقدم خريطة طريق إصلاحات واضحة المعالم.

ولفت الشكندالي، إلى أن “جل الحكومات كانت تسيّر الشأن العام للدولة بطريقة يومية غير مبنية على برامج واضحة محددة في الزمن وخاصة نتائجها تكون واضحة بعد فترة معينة”.

وعزا المتحدث تأزم الأوضاع الاجتماعية وتواصل اندلاع التحركات الاحتجاجية في عدد من مناطق البلاد التي تعد حوالي 11 مليون نسمة، إلى انهيار جل المؤشرات الاقتصادية والمالية للبلاد.

ودعا الشكندالي، إلى “انتهاج إصلاحات اقتصادية واجتماعية عاجلة بدل تعاطيها مع الملفات بشكل يومي والتعجيل بتنفيذ ما تضمنته الخطة التنموية الجديدة (2016/ 2020) التي صادق عليها مستوى البرلمان التونسي قبل أيام.

وسيسمح هذا المخطط بإنجاز مشاريع تنموية بتكلفة إجمالية تقدر بـ45 مليار دينار (ما يعادل 20 مليار دولار).



التعليقات