السبت , 29 أبريل 2017
اخر الأخبار

مقالات و اراء


13 أبريل 2017 9:22 ص
-
شيوع حالات الانتحار في ليبيا !..... الدوافع والاسباب .. ؟ ... بقلم / محمد الامين

شيوع حالات الانتحار في ليبيا !..... الدوافع والاسباب .. ؟ ... بقلم / محمد الامين

شيوع حالات الانتحار في ليبيا !..... الدوافع والاسباب .. ؟ ... بقلم / محمد الامين

التفسيرات الكثيرة التي اجتهدت فيها طائفة من العارفين وغير العارفين حول ما يمكن وصفه بـ"موجة" الانتحارات في مدينة البيضاء منذ فترة، كان يمكنها أن تُلامس الحقيقة أو تقترب من جوهر الموضوع لو لم تنحَى منحى التسطيح المفرط والتأويل غير العلمي.. في وقت كان عليها أن تنصرف إلى دراسة ظروف وبيئة الحالات في جوانبها العامة والخاصة..

وإذا كان الاهتمام بتزايد الحالات في حدّ ذاته أمراً محمودا خصوصا إذا كان من جهات تنفيذية مؤهلة وحائزة على صلاحيات تمكّنها من بلورة خطط التعاطي مع الظاهرة، فإنه من مقتضيات الفاعلية ومُسهّلات الحلّ ألاّ يُوغل المهتمّون بالمسألة في الخيالات، ويبدّدوا الوقت، فتزداد الخسائر وتتسرّب العدوى، وأن يدركوا حقيقة المرحلة وتصنيفها واستحقاقاتها العاجلة..

إن المرحلة التي تمر بها ليبيا اليوم وليست درنة لوحدها هي مرحلة جني ثمار الحرب الأهلية بامتياز.. وهي مرحلة أسميّها مرحلة تعفّن الجرح بسبب انهيار أجهزة المناعة، وضياع الدولة، وانسداد الآفاق.. ولا شك أن خطوة إقدام أي شخص على إنهاء حياته تكون مصحوبة دوما بحالة يأس مروع.. أو خوف رهيب.. أو غضب أعمى.. وكل هذه الحالات لها من المسبّبات والأسباب ما لا يجعلها حدثا نادرا.. إنما يجعلها واقعا يوميا في أكثر من مكان.. صحيح أن هنالك الكثير من عوامل الردع وفي طليعتها مؤسسة الأسرة والوازع الديني.. لكن الزلزال الذي تعرّض له الوطن قد ضرب كثيرا من الثوابت، وأطاح بقيم رئيسية كان الليبيون يعتزّون بها إلى زمن غير بعيد..

وإنه من المفيد في سياق تحليل الأسباب التي يمكن أن تدفع إلى اليأس وبالتالي إلى اتخاذ قرار الانتحار، أن نؤكد على أمر هام، وهو التأثيرات النفسية أعني الاكتئاب الذي سبّبهُ النزاع المسلح وأصوات السلاح والقذائف، والانفجارات ورؤية الدماء والقتل ، والتمثيل بالجثث، والاشلاء.. وموجة انتشار الكراهية الجهوية والأيديولوجية والهمّ المعيشي والحقد الاجتماعي خصوصا لدى الراشدين المُعْسِرين.. فلدى هؤلاء بالذات تتخذ حالة التأثر بالبيئة شكلا اكتئابيا يؤدي إلى الانعزال أو الخمول الذهني والعاطفي، فيفقد الفرد تدريجيا التواصل النفسي بمحيطه، وقد يتحول إلى شعور بالنقمة والعداء للآخر والرغبة الشديدة في الانفصال عنه وعن الوسط الذي يجمعه به..

إنه لا يمكن عزل ظاهرة الانتحار -التي تعود في جزء كبير منها إلى اضطرابات داخلية ويأس وغضب- عن الأعوام الستة العجاف، وسنوات الترويع والانتهاك والنزوح والتهجير.. وعلى الرغم من أن مستويات المعاناة والشعور متباينة ومختلفة بحسب طبائع الأشخاص وظروفهم، فإن مكونات البيئة الليبية أثناء فترة النزاع وبعدها تعتبر قواسم مشتركة رئيسية كفيلة بتوجيه السلوك والتأثير على اشدّ الشخصيات تماسكا وصلابة.. ولا تنسى أعزّك اللّه أن الليبي الذي اعتاد حياة العزّة ويرفض الذّلّة والمهانة قد عجز عن التعايش مع نتائج مأساة بلده..وهذا ردّ فعل طبيعي قد تُقدِمُ عليه حتى أصنافٌ معلومة ونبيلة من السّوائم، فكيف بالبشر؟

وإذا كان هذا حال البالغين والراشدين الذين يفترض في تركيبتهم النفسية أن تكون اقلّ هشاشة من باقي الفئات، فإن الأمر يصبح اشدّ إيلاما وإحباطا في ما يتعلق باليافعين والأطفال. ذلك أن هؤلاء الذين وقع عليهم النصيب الأكبر من الترويع والتخويف وهجْر مقاعد الدراسة ومفارقة الأهل والصدمة بالقدوة، يجدون أنفسهم اليوم في أزمة مركبة، مكوناتها انعدام المثل الأعلى، والتردي المعيشي والبؤس الاجتماعي والاستبداد الميليشيوي.. وهنا لا بدّ أن من مصارحة الذات بحجم الكارثة التي تتهدّد هذا الجيل بالذات.. فهو الذي يفترض أن يقود قاطرة البلد ويشكّل الطبقة المنتجة بعد عقدين من الزمن.. فكيف سيتصرف الليبيون إزاء معضلة كهذه؟ وهل ستكفي الدراسات المستفيضة؟ وإلى متى سنهدر الوقت في التحليل والتأويل والتفسير، في وقت ما يزال فيه مصاب البلد مستمرا رغم أننا قد بدأنا نحصد نتائج الحرب وتداعياتها العاجلة؟

أعتقد أن المطلوب اليوم هو المضي إلى الإنقاذ، وليس الاستغراق في تشريح الوضع المعلوم للقاصي والداني، وللمتخصصين وغير المتخصّصين.. والإنقاذ يتمثل حسب رأيي في أمرين اثنين: استعادة الدولة، وإعادة تفعيل دور الأسرة..

هذا ولا بدّ من الانتباه إلى أننا ما زلنا نتعاطى مع التأثيرات النفسية لما حلّ بليبيا، وعلينا أن نعلم أن هنالك تأثيرات أعنف وأكثر ألماً وعنفا سوف تداهمنا قريبا، هي الآثار الجسدية/الصحية للحرب، وللقنابل والسلاح والذخيرة المسمومة واليورانيوم المشعّ والفوسفور الأبيض، والأغذية المغشوشة، والمياه الملوثة.. وهي تحديات لا يمكن أن تواجهها دولة ممزقة وشعب منقسم على نفسه.. والله المستعان..



التعليقات